قضايا و اراء

42389‏السنة 126-العدد2002ديسمبر27‏23 من شوال 1423 هـالجمعة

هوامش حرة
روشتة لعلاج كل الأمراض
بقلم ‏:‏ فـــاروق جــويــدة

في الفكر لاتوجد أحكام عامة يمكن أن تسري علي كل شيء‏..‏ وفي أي شيء‏..‏ لان اهم مافي قضايا الفكر انها تعكس رأي البشر‏..‏ والبشر مختلفون‏,‏ ولو أراد الخالق سبحانه لجعلهم نسخة واحدة وهو القادر‏..‏
وفي الطب لاتوجد روشتة علاج لكل الامراض لأن المريض حالة‏,‏ وليس هناك حتي الآن دواء يعالج كل الامراض وكل البشر‏..‏ ومن هنا فإن مريض القلب غير مريض المخ غير المصاب في كبده‏..‏ ولهذا فإن لكل مريض علاجه‏..‏ ولكل مرض ظواهره وأسبابه‏..‏ وطريقة مقاومته‏..‏

وفي الحياة الانسانية لكل بيت مشكلاته الخاصة التي تحتاج إلي حلول تناسبه‏..‏ ومن الخطأ ان نتصور ان مشكلات الناس واحدة‏..‏ قد يتفقون في بعض جوانب المعاناة ولكن يبقي هناك اختلاف في الاسباب‏..‏ ان مشاكل الزواج غير مشاكل الطلاق غير محنة تربية الأبناء‏..‏ وان كانت هناك مساحة كبيرة للهم العام الذي لم يعد يترك أحدا‏.‏
أقول ذلك علي ضوء روشتة الاصلاح الامريكية التي اعلنها وزير الخارجية الامريكي باول في احدي محاضراته في الأيام الأخيرة‏..‏ وضع المسئول الأمريكي برنامجا للاصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي وحتي الديني في العالم العربي‏..‏ وسوف احاول الاقتراب في هذه القضية من الجانب الثقافي لأنه منطقة استطيع ان أفتي فيها واقول رأيا‏..‏ وهنا اضع بعض التحفظات علي قضايا الاصلاح الثقافي‏:‏

أولا‏:‏ ان الثقافة تحمل سمات كل شعب وملامحه وطريقة تفكيره وأسلوبه في الحياة‏..‏ وهي تراكم حضاري حملته عصور التاريخ المختلفة‏,‏ بحيث أصبحت تمثل أهم مقومات تكوينه دون أن يشعر بذلك‏..‏
انها تتسلل في اعماق الانسان وتترسب في ضميره‏,‏ وبعد ذلك تتجسد في سلوكياته ومواقفه وفكره‏..‏ انها مثل الاشجار التي تصلح في مكان وقد لاتصلح في مكان آخر‏..‏ ومن هنا فإن روشتة الاصلاح الثقافي لايمكن ان تجيء من خارج ارضها خاصة اذا كانت هذه الروشتة تمثل صداما مؤكدا مع الجذور والمكونات والهوية‏..‏

ثانيا‏:‏ لاتوجد وصفة سحرية أو تركيبة طبية للاصلاح الثقافي تصلح لكل المجتمعات‏..‏ ومن هنا فإن مخاطبة الدول العربية في سياق واحد أمر يظلم البعض كثيرا‏..‏ وينصف البعض الآخر دون وجه حق‏..‏ ولهذا لايمكن مثلا ان نقارن ماوصلت اليه احوال المرأة المصرية بواقع المرأة العربية في بعض الدول الشقيقة‏,‏ أو أن نقارن مساحة الحريات الفكرية والابداعية في مصر بدول أخري في المنطقة‏,‏ أو أن نتحدث عن تاريخ الحياة البرلمانية في المنطقة ونسقط أكثر من مائة عام سبقت بها مصر بعض دول أوروبا وليس المنطقة العربية‏.‏
يدخل في هذا السياق أيضا مستويات الإبداع والثقافة في بلد كانت فيه دار للاوبرا منذ قرنين من الزمان وحصل ثلاثة من ابنائه علي جائزة نوبل علما وادبا وسياسة‏.‏ هذا عن الماضي القريب والحاضر‏,‏ اما اذا دخلنا إلي معاقل التاريخ فحدث ولاحرج مابين الفراعنة والمسيحية والاسلام وكل هذا التراث الحضاري والمعماري والثقافي العريق‏..‏

ثالثا‏:‏ عندما نتحدث في شئون الطب لاينبغي ان يفتي طبيب امتياز امام استاذ متخصص في فرع من فروع الطب أو ان يجلس طالب في كلية الطب امام استاذه الذي قضي خمسين عاما في العلم والدراسة لكي يضع له روشتة لعلاج مريض‏..‏ أو ان يقف شاب متطرف ليعلم فضيلة الامام الاكبر الشيخ طنطاوي درسا في الشريعة أو الفقه‏..‏
ولهذا لايعقل ان نجد انفسنا مطالبين ثقافيا باستخدام علاج ونحن نعلم ان قدرات الطبيب المعالج محدودة للغاية‏..‏ ان امريكا دولة قوية عسكريا‏..‏ ومتقدمة تكنولوجيا‏..‏ واقتصاديا‏..‏ ولكنها فقيرة جدا ثقافيا‏..‏ انها حتي الآن مازالت مشروعا ثقافيا لم يكتمل ولم تتحدد حتي الآن ملامحه‏..‏ اننا امام مشروع لايتجاوز عمره المائتي عام وهو في عالم الثقافة والابداع والفكر ليس اكثر من طبيب امتياز امام الابداع العالمي بكل الوانه في الفنون والفكر والثقافة‏..‏ ابتداء بالثقافة الاغريقية واليونانية القديمة في الغرب والثقافة الشرقية في مصر والصين والهند وهذا التراث الانساني العريق‏.‏

ان تفرض امريكا هيمنتها عسكريا‏..‏ فهي تستطيع‏..‏ ان تفرض قوتها تكنولوجيا‏..‏ فهي قادرة‏..‏ ان تحرك اقتصاد العالم فهذا امر ممكن‏..‏ اما ان تكون رائدة‏,‏ لثقافات الكون فهذا امر مستحيل لانها لاتملك مقومات لذلك‏..‏ وقد يكون السبب في هذا ان القوة يمكن ان تكون فرضا ولكن الثقافة لايمكن فرضها علي شعب من الشعوب‏..‏
لم تستطع انجلترا فصل الشعب الهندي عن تراثه الثقافي والحضاري رغم الاحتلال ولم يستطع الانجليز الغاء اللغة العربية في مصر‏..‏ ولم ينس الجزائريون مساجدهم وقرآنهم بعد مائة وثلاثين عاما من الاحتلال الفرنسي‏..‏ بل ان الهنود الحمر ومابقي منهم داخل امريكا نفسها مازالوا يحافظون علي بعض تقاليدهم ولغاتهم وجذورهم الثقافية‏.‏

والاخطر من ذلك كله ان في امريكا نفسها اكثر من هوية واكثر من لغة وعشرات الشعوب‏:‏ الاسيوي والافريقي والاوروبي‏..‏ والمسيحي واليهودي والمسلم‏..‏ وهؤلاء جميعا لم يفقدوا هوياتهم ولم يفرطوا في جذورهم‏.‏
من هنا فإن الحديث عن روشتة دولية للعلاج الثقافي امر مستحيل‏..‏ ان الثقافة روح الشعب ولكل شعب روحه ونبضه واحساسه‏..‏ ومايصلح في الغرب من علاج قد لايصلح عندنا‏,‏ خاصة اذا كان العلاج مفروضا‏.‏

رابعا‏:‏ من الصعب جدا الحديث عن الجوانب الثقافية لشعب من الشعوب دون الرجوع إلي مقومات هذه الثقافة وجوانبها الدينية والروحية‏..‏ ولهذا فإن القضية شاء الامريكان ام أبوا سوف تدخل بصورة ما إلي منطقة الدين‏..‏ وهي منطقة شائكة للغاية‏..‏ ومن خلال الفهم الخاطئ للاسلام ثم الربط بين الثقافة الاسلامية والارهاب وهذه مغالطة كبري لان الغرب تعايش مع الإسلام مئات السنين وعرف عن قرب كل النماذج الانسانية الرفيعة التي قدمها العلماء المسلمون في الفكر والعلم والابداع‏..‏
ان العالم كله يعاني ظواهر التطرف الديني‏,‏ وفي امريكا نفسها جماعات مسيحية متطرفة‏..‏ وفي اسرائيل أعتي معاقل الارهاب اليهودي في العالم‏..‏ ولدينا نحن جماعات اسلامية تتستر وراء الدين لكن الاسلام العقيدة بريء من كل مظاهر التطرف والاعتداء علي ارواح الناس واموالهم واعراضهم‏..‏ فإذا كانت روشتة العلاج الثقافي الامريكي قد جاءت لتغيير ثقافة الناس فهي مرفوضة شكلا وموضوعا‏.‏

اننا جميعا ضد الارهاب بكل الوانه سواء ارتدي عباءة الاسلام أو قبعة المسيحية أو اليهودية لان الاديان في جوهرها واساسها رحمة بالناس وامن لجميع البشر‏.‏ ولهذا فإن الروشتة الامريكية كان ينبغي ان تعدل اهم واخطر بنودها وتصبح روشتة لعلاج الارهاب بكل اشكاله في داخل امريكا نفسها وخارجها‏..‏
ان المسلمين يعانون الآن ظروفا صعبة في كل دول الغرب‏,‏ وفي خلال عام واحد ومنذ احداث سبتمبر حدثت عشرات الجرائم ضد اموالهم واطفالهم‏,‏ وهناك حملة ضارية لتشويه الاسلام والاساءة المقصودة لنبيه عليه الصلاة والسلام‏..‏

في كل وسائل الاعلام الغربي اساءات لنبينا الآن‏..‏ هل يجرؤ مواطن مسلم في أي مكان في العالم ان يسيء إلي سيدنا عيسي عليه السلام‏..‏ هل يستطيع مواطن فلسطيني مسلم ان يسيء إلي سيدنا موسي عليه السلام‏.‏ ان ديننا الاسلام يحرم علينا ذلك‏..‏ ونحن لانفعل ذلك خوفا من العم سام أو يهود العالم أو قراصنة تل ابيب‏,‏ ولكننا نحترم انبياء الله لان ديننا يفرض هذا الاحترام علي كل من اعتنق الاسلام‏,‏ ولان ذلك جزء أصيل من إيمان المسلم‏..‏ أن يؤمن بالله ورسله‏..‏ وان يحترمهم جميعا لانهم دعاة هداية ورشاد‏.‏
ان روشتة العلاج الثقافي المعروضة علينا تتعارض تماما مع الكثير من المفاهيم والعادات والقيم‏..‏

إننا مثلا مع حرية المرأة وهي قضية فوق النقاش‏,‏ ونحن مع تعليمها وعملها وتحرير فكرها ودورها في الحياة‏,‏ ولكن ماهي الحدود التي يجب ان نتوقف عندها‏..‏ اننا مع الحرية المسئولة التي ترعي القيم والاخلاق‏..‏ نحن مع حرية الفكر عند المرأة‏..‏ إننا نقدس جسد المرأة الام والزوجة والابنة ونرفض ان يكون مشاعا‏..‏ ولهذا يبقي الفرق كبيرا بين تحرير العقل وابتذال الجسد‏..‏ ستبقي عذرية الفتاة شرف عائلة‏..‏ وستبقي تقاليد الزواج والاعراف والعلاقات السوية اساس التعامل في مجتمعاتنا لأنها جزء من تاريخنا وحضارتنا‏..‏
اننا مع حرية السلوك‏..‏ ولكننا لن نترك أبناءنا يسقطون في شرك الحرية الفاسدة‏..‏ ان الغرب نفسه الآن يعاني امراضه الخطيرة والتفكك الاسري وانهيار القيم‏..‏ اننا مازلنا حتي الآن سعداء بالابن الذي يحترم اباه‏..‏ والابنة التي تخاف علي نفسها‏..‏ والكهل الذي يجد من يأخذ بيده‏,‏ والجار الذي ينقذ جاره في ساعة محنة أو ضيق‏.‏ إننا نبكي الآن دما علي كل هذه الجوانب الانسانية التي تتلاشي من حياتنا يوما بعد يوم‏,‏ فاتركونا نلملم أشلاءها لعلنا نحافظ علي ماتبقي منها‏..‏ إن الأسرة التي كنا يوما نعتز بها في الترابط والتواصل والرحمة تفقد الآن كل مقوماتها أمام طوفان هادر من السلوكيات الغريبة يحاصرنا ويطاردنا من كل مكان‏..‏

إن هذه السمات الجميلة هي آخر مابقي لنا من إنسانيتنا المستباحة في هذا العصر الكئيب والغزو الفضائي والفجاجة بكل الوانها‏.‏
لسنا ضد الإصلاح الثقافي ونحن معه وأدري به‏..‏

‏*‏ نريد تعليما عصريا متقدما يستوعب به أبناؤنا روح العصر والحضارة‏,‏ وما اجمل ان يجتمع التحديث مع الجذور الصلبة التي تربطنا بالأرض انتماء‏..‏ وبالتاريخ تواصلا‏..‏ وبالانسانية احساسا ومسئولية‏..‏
إننا لانريد اجهزة حديثة بلا قلب ولانريد حاضرا تتلاشي معه ذاكرتنا‏..‏ ولانريد أحلاما يرخص معها كل شيء ابتداء بالوطن وانتهاء بالقضية نريد ان نحافظ علي اجيالنا بحيث تستوعب العصر ولاتنسي جذورها‏.‏

‏*‏ نريد حرية فكرية ينطلق منها الابداع الحقيقي في كل مجالات الحياة دون وصاية أو رقابة أو تسلط‏..‏ وعلي من قدموا روشتة العلاج ان يسألوا أنفسهم بأمانة‏:‏ هل كانت لهم يوما من الايام مواقف مع حريات الشعوب وقد ساندوا زمنا مواكب التسلط والتخلف والطغيان ضد شعوبنا من خلال انظمة سياسية ساندوها بكل قوة؟‏.‏
‏*‏ نريد حوارا يصل بنا إلي التفاهم ولايصل بنا إلي الصدام‏..‏ إن الحوار هو لغة التواصل بين الثقافات وليس فرض الافكار وتشويه ذاكرة الشعوب‏,‏ ولايعقل ان تطلب مني ان اتحاور معك بالفكر والعقل والمنطق وانت تصوب إلي رأسي بندقية‏..‏ ان لغة الثقافة تختلف تماما عن لغة السياسة‏,‏ وكلاهما لايتحاور مع القوة‏..‏ واذا كان من الضروري ان تسود لغة المصالح في دنيا السياسة فإن للثقافة جوانب غاية في الحساسية يجب ان تتعامل معها كل الاطراف بحكمة ووعي‏..‏ ماهو ممكن في السياسة قد يكون مستحيلا في عالم الثقافة والفكر‏..‏ فإذا كانت السياسة تتعامل مع الممكن فإن الفكر يجادل المستحيل‏.‏

‏*‏ ان الاصلاح السياسي والاقتصادي لايمكن ان ينفصل عن الاصلاح الثقافي والاجتماعي‏,‏ ونحن أمام منظومة متكاملة‏,‏ واذا كنا نقول في بلادنا ما قال مالك في الخمر فإننا نرفض الوصاية بكل اشكالها والوانها ودوافعها واذا كان من الممكن ان يشارك الآخرون في حل مشكلاتنا السياسية والاقتصادية فلا ينبغي ان يكون ثمن ذلك تشويه ثقافتنا ومجتمعاتنا‏,‏ لأن لكل مجتمع ظروفه ومكوناته الانسانية والتاريخية والحضارية‏..‏
من الخطأ ان يتصور البعض ان مشكلات العالم العربي وهمومه واحدة‏..‏ هناك مسافات بعيدة بين شعوب هذه المنطقة في نوعية مشكلاتها وازماتها‏,‏ ومن الحكمة ان تعالج كل حالة بمفردها لان كل شعب أدري بظروفه‏..‏ كما ان نغمة التعالي والمواعظ التي تحمل اشكال الوصاية اصبحت مرفوضة منذ زمان بعيد حتي ولو جاءت من الباب العالي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية