|
|
 |
اتهمت الولايات المتحدة العراق بأنه في حالة انتهاك مادي لقرار مجلس الامن رقم1441 بشأن اعلانه عن اسلحته, قال وزير الخارجية الامريكية كولين باول ان العراق بمقتضي بنود هذا القرار قد فشل فشلا ذريعا في الوفاء بالتزاماته, وكانت الولايات المتحدة قد قالت دائما انها تملك حق تقرير ان كان العراق قد التزم بشروط القرار أيا كان رأي مجلس الامن نفسه في القضية وأنه من حقها الآن ان تلعب هذه الورقة متي تشاء! الا أنه في الوقت ذاته قد قررت الادارة الامريكية التريث ربما لأن موقفها يعاني نقاط ضعف أولاها ان بريطانيا لم تتبن هذا الموقف الامريكي الاخير وهذه مسألة جديرة بشد انتباهنا.
كان هناك قول مندوب بريطانيا لدي الامم المتحدة جيرمي جرينستوك اثر اللقاء الذي جمع اعضاء مجلس الامن مع رئيس لجنة التفتيش عن الاسلحة العراقية هانز بليكس إن اي اعلان كاذب يقدمه العراق حول اسلحته لن يكون في حد ذاته كافيا لاعتبار خرق القرار ماديا وأضاف جرينستوك أنه لابد ان يكون هناك عدم تعاون مع المفتشين حسب نص المادة الرابعة من القرار القائلة ان اي اعلان كاذب او حذف او اخفاق في أي وقت في التعاون مع المفتشين سوف يشكل خرقا ماديا, وختم جرينستوك بقوله: علينا ان نكون مخلصين لنص قرار مجلس الامن ولا نحمله اكثر من ذلك. وربما كانت هناك ايضا عوامل اخري دعت الي تأجيل العمل العسكري الامريكي منها ان تقويم الحذف العراقية يعتمد علي غياب الدليل, فلقد جادلت واشنطن ان العراق لم يوضح ما حدث لمواد يعتقد انها كانت بحوزته عام1998 عندما غادر المفتشون. الا أن القول ان جهة ما لم تثبت انها دمرت شيئا ليس كتقديم البراهين علي أنها تمتلك هذا الشيء, اذ أن هذا لا يقنع قطاعات واسعة من العالم بما فيها الرأي العام الامريكي.
ثم هناك عقبة اخري تعوق الجانب الامريكي هي أنه ليس هناك بعد عدد كاف من الجنود الامريكيين قد اتخذوا مواقعهم استعدادا لشن الحرب, وقد قال كولين باول ان الحرب اذا ما وقعت, فإنها ستقع وتنتهي في وقت وجيز. وهذا يفترض استخداما واسعا للقوة وهو ما اشتهر به باول في حرب الخليج, غير ان القوة العسكرية الهائلة المطلوب توافرها لم تكتمل بعد, والحديث الآن عن مضاعفة عدد القوات الامريكية المرابطة في المنطقة, هذا ربما يفسر قرار واشنطن بالتريث واعطاء بغداد فرصة اخري. ان نقطة ضعف ملموسة في تقرير العراق هي اغفاله امورا معينة اصبحت موضع تساؤلات بينما اغرق التقرير في بحر من التفاصيل المعلومة التي لا تضيف جديدا, علي سبيل المثال تجاهل التقرير كمية من الجمرة الخبيثة الانثراكس سبق ان رصدتها تفتيشات عام1998 قبل طرد المفتشين. ولم يرد لهذه المادة السامة ذكر في تقرير العراق علما بأنها كفيلة ـ حسب المصادر الامريكية ـ بقتل عدة ملايين من البشر.
سيناريوهات تخالف المتوقع بمجرد تولي المفتشين الدوليين عملهم بدا ـ بادئ الامر ـ ان هناك سيناريوهات ثلاثة محتملة.. أما انهم لا يعثرون علي اسلحة محظورة اطلاقا(سيناريو1) فيسقط كل مبرر للحرب. واما ان يضبط العراق متلبسا باخفاء اسلحة محظورة( سيناريو2) فيصبح شن الحرب مبررا علي الفور. واما ان يلتبس الامر وتسفر عمليات التفتيش عن قرائن يصعب اقناع الرأي العام الدولي بانها كافية لشن حرب يتوقع لها الخبراء تكلفة قد تصل الي مئات المليارات من الدولارات( سيناريو3). غير ان رد فعل الادارة الامريكية لما كشف عنه تقرير العراق حول ما يملكه من اسلحة انما يوحي بأن السيناريوهات الثلاثة سوف ترد في النهاية الي سيناريو واحد فقط, فإن حالة هي أقرب الي(سيناريو1) قد عوملت علي أنها سيناريو يبرر شن الحرب. من باب اولي اذن لو اسفر الحال عن سيناريو هو أقرب الي( سيناريو3).
وهكذا يبدو ان الاحتمال الاكثر رجحانا هو سيناريوهان اثنان فقط سوف يميزهما انهما يتتاليان في الزمن وليس احدهما بديلا عن الاخر, سيناريو ابعد, ختامي, هو سيناريو الحرب الذي يجري الاستعداد له علي قدم وساق الآن, بجهود وحشود غير مسبوقة, وسيناريو آخر يسبقه في الزمن, سيناريو يكون نتاج تكثيف الاستعداد للحرب لدرجة تدفع قطاعا كبر او صغر من القيادات العليا في القوات المسلحة الي الخروج علي ولائها لصدام من منطلق ان التضحية به شر أهون من تعريض العراق برمته لتدمير واسع النطاق, ومن منطلق ان صدام لا مستقبل له علي اي الاحوال. وقد يراهن بوش علي سيناريو انهيار النظام العراقي من الداخل, فثمة اشارات لهذا السيناريو في الصحافة الامريكية, علي سبيل المثال نسبت النيويورك تايمز الي عسكريين امريكيين ان الاستعدادت الجاري تنفيذها الآن ستسمح للرئيس بوش لو اقتضت الضرورة ببدء هجومه في اواخر يناير القادم, وقد كتبت الصحيفة بصريح العبارة ان مسئولين في الادارة الامريكية قد ارجعوا الحدة في خطاب باول الي مخطط مرسوم لزيادة الضغط علي صدام حسين وايضا لتشجيع العصاة الذين قد يكونون علي استعداد للتعاون مع المفتشين علي ان ينقلبوا علي صدام, قال باول: إننا بصدد تصعيد كل شيء بما في ذلك الاستعدادت العسكرية لتوجيه رسالة الي العراق. والضغوط سوف نواصل تكثيفها, حتي يتعاون العراق كلية مع الامم المتحدة مع شكنا في ان هذا هدف وارد, هل معني هذه الرسالة هو أن التعاون مع العراق اذا كان مطروحا فإنه فقط بعد الإطاحة بصدام.
سيناريو سلام.. بديلا عن الحرب بدلا من التورط في سيناريوهات تفضي كلها الي حرب لماذا لا يكون هناك جهد لتسليط الاضواء علي سيناريو سلام علي منطلق يفتح الباب لاستئناف محادثات تسوية وذلك بإعادة الاولوية الي القضية الفلسطينية. وهنا تأتي اهمية مبادرة رئيس وزراء بريطانيا توني بلير ودعوته الي عقد مؤتمر سلام يرأسه هو في لندن قبل حلول موعد27 يناير الذي يعلن فيه هانز بليكس نتائج عمليات التفتيش في العراق وما يترتب علي هذه النتائج من ردود افعال محبطة. لاول مرة يتميز موقف لندن عن موقف واشنطن فيما يتعلق بتقويم تقرير صدام حسين وكيفية التعامل معه بشأن اسلحة العراق المحظورة ولاول مرة يتميز موقف لندن عن موقف واشنطن في مدي الإلحاح علي ضرورة تحريك القضية الفلسطينية. إن هذا التباعد في الموقفين بعد طول تعاون بين العاصمتين انما هو مؤشر عن الاخطار التي باتت تتهدد الشرق الاوسط برمته والحاجة الي بدائل تخفف من وطأة ما يؤذن به الحال من كوارث.
لقد دعا توني بلير وزراء فلسطينيين للندن من اجل عقد مؤتمر حول الاصلاحات الفلسطينية في يناير., ذلك بينما تمسك نيتانياهو ـ بصفته وزير خارجية اسرائيل ـ بأن المباحثات سوف تكون عديمة القيمة ما دام عرفات علي رأس السلطة الفلسطينية( الملاحظ ان عرفات ـ شخصيا ـ ليس مدعوا للمؤتمر) كذلك انتقد نيتانياهو لقاء بلير ببشار الاسد بحجة ان دعوته انما هي اشارة للعواصم الاوروبية بأن الارهاب كفيل بجني ثمار. وكان عرفات قد سبق ان حدد يناير ليكون موعد اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تحقق الإصلاحات المطلوبة, غير انه عاد بعد ذلك للمطالبة بارجاء هذه الانتخابات مادامت اسرائيل لا تسحب قواتها من المناطق التي أعادت احتلالها في الاشهر الاخيرة, هكذا تبرز نهاية يناير وكأنما هي ملتقي مواعيد مهمه, هل تكون الاولوية فيها لحرب بؤرتها العراق أم لمشروع سلام بؤرته فلسطين.
إن محادثات لندن ستجري في تواز مع جهود الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة وروسيا لرسم خريطة طريق للسلام في المنطقة وارساء اسس الدولة الفلسطينية.. ليس متوقعا ان تحضر اسرائيل المحادثات وقد طلبت من الولايات المتحدة ارجاء مناقشة خريطة الطريقإلي ما بعد الانتخابات الاسرائيلية في اواخر يناير. أكد بلير في خطاب لحزب العمال الحاكم في بريطانيا أنه يؤيد دولة فلسطينية علي اساس خطوط ما قبل1967, بجوار دولة اسرائيلية مؤمنة ومعترف بها, كما اعاد بلير تأكيد التزام حكومته ـ قبل نهاية العام الحالي ـ بمحاولة احياء مفاوضات المرحلة الختامية بين اسرائيل والفلسطينيين.
يقول بلير ان المفاوضات ينبغي ان يكون لها كهدف معلن قيام دولة اسرائيلية محررة من الارهاب ويعترف بها العالم العربي ودولة فلسطينية قابلة للحياة علي اساس حدود1967 ان بلير يطمع في دور لا يقتصر علي المفاوضات الرباعية( المعروفة بـالكوارتيت وحسب) وانما يرتكز ايضا علي مؤتمر يعقد في لندن تحت رئاسته. هذا المؤتمر ينبغي ان يعقد قبل تاريخ27 يناير حتي يحتل مقدمة المسرح في الوقت الذي يتقدم فيه المفتشون الدوليون بتقريرهم عن العراق.
في أسوأ الفروض سوف يبرز هذا المؤتمر وكأنما هو محاولة للإنهاء لشد الانتباه بعيدا عن القضية العراقية لاعطاء الانطباع بأن القضية الفلسطينية ليست مغفلة في وقت قد تسفر الحرب فيه عن تصفيات مروعة للفلسطينيين ولكن في افضل الفروض قد يكون هذا المؤتمر نقطة بداية لتغيير المرجعية لنصرة السلام علي الحرب, فيما يتعلق بقضية فلسطين. وقضية العراق ايضا. |
|
|
|
|
|