|
|
 |
لم تكن بورسعيد وسط أقسي الظروف الاقتصادية والاجتماعية والانسانية التي يعيشها ابناؤها تحتفل باحتفالات بأعياد نصرها في23 ديسمبر1956 ـ ولكن شعوب وادارات المنطقة في ذروة المأساة التي تحاصرهم كانوا يحتاجون لاسترجاع دروس وعبرما استطاعه شعب مدينة مصرية صغيرة عندما امتلك الارادة والثقة ضد جيوش امبراطوريات كبري في زمانها الذي ولي, لعل قوي غاشمة في زمانها الحاضر تعتبر وتعرف مصير عدوانها وغزوها. * لاتخوضوا حرب سويس جديدة النداء من كتاب انجليز كتبوا الاسبوع الماضي بمناسبة تجدد ذكري هزيمة قواتهم في حرب56 ـ يكتبون ناصحين للمحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية أن يتعلموا الدرس الذي تلقاه أيدن رئيس وزرائهم في مصر عندما حاول إعادة احتلال منطقة القناة بإدعاء الدفاع عن المصالح البريطانية وعن الحرية والسلام وحماية حقوق الانسان ومشاركته في مسألة دعم مصر للثورة الجزائرية وسبقهما بالطبع وبالضرورة رأس مشروع الاحتلال الاستيطاني في المنطقة ـ إسرائيل ـ وحاولوا أن يعزلوا مدينة بورسعيد عن مصر فلقنتهم مقاومة أبنائها درسا قاسيا اسقط العدوان وقضي علي تاريخ ووجود قادته ـ وتتنبأ النصيحة الانجليزية للادارة الأمريكية بالمصير الذي انتهت إليه حرب السويس ـ ستفشلون في أهداف حركية كما فشل ايدن وجوموليه وستفشلون في تحقيق أمن المؤسسات النفطية الأمريكية, وأمن إسرائيل, وستكون الفوضي والاسعار والاقتصاد علي رأس الانهيارات التي ستكون مدمرة للعالم.
* في احدث رسالة دكتوراه عن العدوان الثلاثي ـ نوقشت الاسبوع الماضي وبمرتبة الشرف حصل الباحث رفعت يونان علي الدرجة العلمية يقول ان العدوان الثلاثي الذي وقع علي مصر في29 أكتوبر1956 لم يكن مفاجأة لأحد, ولكن نتائج العدوان المعاكسة هي المفاجأة الشاملة والمذهلة لدعاة الحروب, والمروجين لها, بعد أن رفضت مصر الانذار البريطاني الفرنسي الذي يقضي بانسحابها من منطقة القناة بحجة منع الصدام المصري ـ الإسرائيلي المحتمل ـ وقد فشل العدوان عسكريا وسياسيا واقتصاديا وشكلت المقاومة ملحمة بطولية, وأدت إلي أفول نجم امبراطوريتين استعماريتين هما انجلترا وفرنسا وظهر في الآفق نجم قوة جديدة هي الولايات المتحدة الأمريكية الذي برز دورها خلال الحرب العالمية الثانية ثم أتاحت لها أزمة السويس مكانا مرموقا في منطقة الشرق الأوسط( ولعل البداية كما كانت هنا في الشرق الأوسط تكون النهاية ايضا) التعليق الاخير ـ للكاتبة ـ وليس من نص الرسالة وهي في هذا الجزء تستند إلي كتاب حرب السويس للدكتور محمود فوزي, ولكن أعود لاقتطع من الرسالة حادثة مهمة ففي ميدان نزافلجار بلندن وأمام لاف المتظاهرين وقف أحد زعماء المعارضة العمالية أنورين ببثان يهاجم العدوان علي مصر قائلا( إننا اقوي دولة ولكن هناك يامستر ايدن من هو أقوي منا).
ولم يكن هذا الأقوي إلا القوة التي يفجرها ايمان الشعوب وثقتها في عدالة قضيتها وحقها في أن تحيا أو تستشهد دفاعا عنها ـ هذا السلاح الذي لم يسقط منذ ثورة العبيد ضد نيرون والتي أطاحت بالامبراطورية الرومانية ـ وتواصلت في مقاومة وانتصارات الشعوب, وكان ما فعله أبناء بورسعيد حلقة من أمجد حلقاتها والتي تواصلها الآن المقاومة الفلسطينية الباسلة ومهما كان ما تواجهه من عتاد أحدث ترسانات الاسلحة فمن قبلهم واجهت بورسعيد الاعتي والاحدث أيضا فعن الكتاب الابيض الذي أصدرته الحكومة البريطانية عن الاسلة والقوات التي شاركت عام1956 ـ وكما يسجله الأطلس التاريخي لبطولات شعب بورسعيد للمؤرخ الاستاذ ضياء القاضي( ضمت القوات البرية اللواء السادس عشر مظلات واللواء الثالث من الفدائيين البحريين الكوماندوز والفرقة الثالثة والفرقة العاشرة والفرقة الثانية التي كانت في ألمانيا وكتيبتي دبابات سنتوريون ـ وضمت القوات الفرنسية الفرقة العاشرة والفرقة السابعة السريعة الميكانيكية والفرقة الخامسة المدرعة والفرقة الرابعة مشاه وسحبت جميعها من الجزائر ولواء مظلات ولواء فدائيين بحرينين وكتيبتي دبابات وأطقم قتال خاصة تضم عربات مدرعة مركب عليها هاونات ثقيلة وقوات جوية بريطانية حوالي500 طائرة مقاتلة إلي جانب حاملات الجنود ومائتي طائرة فرنسية, وضم الأسطول البريطاني5 حاملات طائرات و5 طراذات واثنتي عشرة مدمرة وعشر سفن حاملة للجنود ودبابات وسبع غواصات ـ كل هذه القوات اتجهت وركزت علي مدينة بورسعيد وسبقتها غارات مكثفة علي القاهرة, والاسكندرية ـ اما قوات الجنوب التي اعدت للهجوم علي السويس فكانت ثلاث مدمرات وبارجة وحاملة طائرات وسفن مساعدة بينما تكون الاسطول الفرنسي من ثلاث حاملات الطائرات وبارجة وطراذين واربع مدمرات وثماني فرقاطات وثلاث غواصات وقدرت القوات المشتركة التي هاجمت شاطئ بورسعيد صباح الثلاثاء السادس من توفير بحوالي50 ألف جندي بريطاني وفرنسي من أقدم وأكفأ المحاربين.
ومع ذلك لم تستطع هذه القوات أن تخترق صفوف المقاومة وأن تدخل المدينة إلا بالتحايل والخداع ـ الاشارة إلي هذا الخداع في مقالي عن بورسعيد النصر والهزيمة2002/12/12 ادهش بعض كبار وغلاة القراء مما يعني أن المعلومة والحدث علي اهميته لم يأخذ حقه من الاصغاء ولم يكن خداعا واحدا فبعد أن فشلت الطلعات المكثفة لأسراب الطائرات البريطانية والفرنسية مستخدمة قنابل النابالم في أضعاف المقاومة لجأوا لاسقاط شراك خادعة في الظلام, تحمل دمي بأحجام بشرية لاكتشاف مناطق تمركز الدفاع وبالفعل ضربوا هذه المراكز بشدة ـ عنف المقاومة للقوات الفرنسية في بورفؤاد جعل قائدها يهدد بحرق المدينة بأكملها ـ لاجبار المقاومة علي الاستسلام احتلوا وابور النور واغرقوا بورسعيد وبور فؤاد في ظلام كامل واحتلوا أيضا وابور المياه ربما أجبرهم العطش علي الاستسلام ـ واشعلوا النار بالكامل في حي المناخ الذي كانت جميع مساكنه مبنية بالاخشاب مثل ما اشعلوا النار بطول وامتداد الشاطئ في كبائنه الخشبية وضربوا مستودعات البترول بالرشسوة لتشتعل النيران حول المدينة بأكملها ـ وداخل الحريق الكبير ازدادات المقاومة اشتعالا وكانت روسيا في5 نوفمبر وجهت إلي انجلترا وفرنسا انذارها الشهير وهددتها بالضرب بالصواريخ الموجهة فاستغلتا الانذار لارتكاب خديعتها الثانية ـ وقامت قواتها برفع الاعلام المصرية والروسية علي ابراج دباباتهم فخرج الشعب البورسعيدي من مكامنه ومخائبه يرحب ويستقبل الدبابات التي اعتقد انها جاءت تنفذ التهديد ففتحت النار عليهم, وارتكبت محرقة ومذبحة هائلة واحتلت الشوارع والميادين الرئيسية ليدور القتال من شارع إلي شارع, ومن بيت إلي بيت ـ حتي الجوامع دخلوها بحثا عن الفدائيين وقتلوا من احتموا بها من الشيوخ والاطفال تفاصيل ماحدث وجعل المقاومة تزداد قوة وشراسة لا تحتمل المساحة المتاحة, وتجلي فيه وحدة قوات المقاومة وانضمام قوات الشرطة التي جمع الغزاة اسلحتهم والفدائيين الذين كانوا يخترقون الحصار الجوي والبحري والبري للمدينة وانتظمتهم10 فرق للمقاومة برئاسة الصاغ مصطفي كمال الصياد واستكمالا للحصار وفي محاولة يائسة لتهدئة اشتعال الروح المعنوية جمعوا اجهزة الراديو لقطع حتي صوت القاهرة عنهم, وفي منطقة طرح البحر أقاموا محطة للتشويش علي أي ارسال يتسرب ـ فامتلأت المدينة وجدرانها بأول منشورات المقاومة وتوالت المطبوعات بالعربية والانجليزية والفرنسية من مطبعة مخلوف ثم من مطبعة حامد الألفي ـ ملحوظة مهمة كل ما ومن في المدينة مارس المقاومة بنفس عمله ونشاطه المعتاد فالصيادون كانت مراكبهم وقواربهم تحمل في مخائبها وتحت طاولات الاسماك الفدائيين والشباب الذي اعتاد الشقاوة خطف وسلب كل ماتصل إليه يداه من معدات القوات الغازية وسلمها للمقاومة, وأم علي الاشهر والاجمل من أي أم علي توكل والممرضة بعيادة د. جلال حولت العيادة في النهار إلي مستشفي للجرحي الذين لم يكونوا إلا من الفدائيين ومن المقاومة تغطيهم بالأصبغة الحمراء وصبغة اليود وتربطهم بالشاش واحيانا واثناء حملات التفتيش تربكهم باطلاق صرخاتها علي ميت من مرضاها لم يمت بالطبع ـ وفي الليل يتحولون جميعا إلي مردة يحولون بقاء القوات إلي جهنم حمراء ـ يدل علي الروح المعنوية سطور مما جاء في البيان الأول بعنوان ـ سنقاتل سنقاتل استلهاما من خطاب الرئيس عبدالناصر فور وقوع العدوان.
أيها الشعب الباسل ـ لقد سطرت بدمائك الذكية التي لن تذهب عبثا أروع صفحات المجد في سجلات التاريخ ـ فها انت تري بعينيك همجية هذه الامبراطوريات المتداعية التي كشفت عن وجهها الشامخ وأنيابها المسعورة لتمتص دماءك ـ ها أنت تهزأ بها وبما أتت به وتصمد في الدفاع عن عرينك ولم يرهبك شئ رغم بحار الدم ووابل القنابل وسحب الحرائق والقاذفات والطائرات والدبابات ـ كل هذا لم يرهبك بل تقاوم وتقاتل وستقاتل وتقاتل.. فاحرص علي سلامة اليوم وغد اكثر منه بالامس. والقيادة معك التي صممت علي القتال حتي النصر.. والله أكبر والعزة للعرب.
امضاء البيان الذي حمل الاحرف الاولي من اسم صاحب المطبعة محمد شاكر لم يكتف بالعزة لمصر وحدها ـ وإنما بالعزة للعرب ـ ادراك لاهمية المد القومي ووعي بما يمتلك من قوي سياسية واقتصادية وعسكرية ضرورية لاستكمال المعركة ودعم المقاومة حقيقة كان العالم في المنطقة وخارجها غير العالم فقد اجتمع ملوك ورؤساء العرب علي الفور في بيروت وقطعت سوريا أنابيب البترول في أراضيها وأعلن العراق التعبئة العامة. وخرجت المظاهرت في ليبيا وأطلق الانجليز عليها الرصاص وتحركت كتلة عدم الانحياز وكانت الامم المتحدة مازالت حية ترزق وطالب نهرو سكرتيرها العام همرشولد بتدخل المجتمع الدولي لوقف العدوان علي مصر ودعت روسيا ودول مؤتمر باندونج إلي اجتماع عاجل لبحث الاعتداء وعقد مجلس العموم البريطاني جلسة عاصفة وأعلن جيتسيل زعيم المعارضة ان الملايين من البريطانيين يشعرون بالعار والصدمة لضرب مصر بالقنابل وتظاهر طلبة الجامعات البريطانية ضد جريمة بلدهم مثل ما اجتاحت المظاهرات العالم كله وقاطع عمال الموانيء الهندية السفن البريطانية وطالبوا بانسحاب بلدهم من الكومنولث واتهمت صحيفة الواشنطن بوست بريطانيا وفرنسا بضيق التفكير وبالروح الاستعمارية التي سادت في القرن19 ـ تري إلي اي روح تنتمي خطة الادارة الامريكية لضرب العراق, ومساندة العدوان الاسرائيلي علي الشعب الفلسطيني وإعادة احتلال أراضيه المحررة؟!
عمق وعبقرية فهم ابناء بورسعيد لأبعاد معركتهم العسكرية جعلتهم يكتبون في جريدتهم الانتصار, وفي العدد الصادر في19 ديسمبر1956( ان معركة بور سعيد لم تنته لا لأن القوات المعتدية لم تنسحب بعد من المدينة, ولكن لأن معركة بورسعيد أكبر كثيرا من مجرد عملية عسكرية تنتهي بانسحاب القوات ان معركة بورسعيد معركة مصر والعالم العربي ـ انها معركة سياسية في المقام الأول, وليست العمليات العسكرية إلا جزء من المعركة السياسية * لقد أعلنوا منذ1956 أن المعركة ممتدة.. ومهما كان قد تغير أو تدهور العالم فمنذ نيرون وسقوط روما وقوي العالم تصعد وتهبط إلا قوة واحدة لم تسقط أبدا وهي ايمان الشعوب بحقها في الحياة وقدرتها علي الانتصار علي قوي البغي والعدوان ومهما طغت وتعملقت وادعت شهادة انتصارات بورسعيد عادت تجدد اليقين والمقاومة الفلسطينية تواصلها بإذن الله.
* تحية للأحياء من الشهداء الذين لابد طوفت ارواحهم في الذكري اشتياقا وحنينا للنضال وتحية للأحباب الذين مازلوا بأنفسهم الذكية يعطرون المدينة ويحرسونها رغم أنف الظروف الصعبة التي تركت لها.. ولكن متي كانت قضيتهم أنفسهم أو مدينتهم وحدها لقد حاربوا وانتصروا لمصر كلها.. ولعلها تنتصر لهم وترد لهم بعض الحق والواجب ولعل درس بورسعيد في هزيمة المحافظين القدامي في بريطانيا يصل إلي المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. |
|
|
|
|
|