الكتاب

42388‏السنة 126-العدد2002ديسمبر26‏22 من شوال 1423 هـالخميس

أوراق ثقافية
النقد الذاتي وتفكيك خطاب الآخر
بقلم‏:‏ السـيد يســين

سبق لنا في مجال تأصيل حوار الحضارات أن انطلقنا من قاعدة منهجية واضحة وصريحة حين قررنا أنه لابد أن يرتكز علي أساسين‏:‏ النقد الذاتي من ناحية وتفكيك خطاب الآخر من ناحية أخري‏.‏ وممارسة النقد الذاتي في تصورنا ضرورة حتي يستوي الحوار علي أرضية من الفهم المتبادل وحتي لا نظهر ـ لو كان الحوار عربيا غربيا بوجه عام ـ وكأننا مكتملون سياسيا واقتصاديا وثقافيا‏!‏
ممارسة النقد الذاتي معناه قدرتنا علي تشخيص سلبياتنا بطريقة نقدية وجسارتنا الفكرية في مواجهة الجوانب المتعددة لتقصيرنا‏.‏ والحقيقة أن المجتمع العربي المعاصر قد قصر بشكل فادح في عديد من الميادين وأولها فشله البارز في اجتياز اختبار الحداثة السياسية‏.‏ والحداثة السياسية تعني ـ من بين ما تعنيه ـ الفصل بين الدين والدولة والفصل الواضح بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية‏,‏ والتعددية السياسية وما تنطوي عليه من تعددية حزبية‏,‏ وتنافس سياسي بين الأحزاب يدور في إطار قواعد مقننة تنص علي إجراء انتخابات رئاسية‏(‏ في حالة النظم الجمهورية‏)‏ وتشريعية ومحلية منتظمة وشفافة ونزيهة وأخيرا ـ وقد يكون أولا ـ تداول السلطة سواء علي مستوي رئاسة الجمهورية أو علي مستوي تشكيل الحكومات علي أساس الحزب السياسي الذي يفوز بغالبية أصوات الناخبين‏.‏ ونضيف إلي ذلك بطبيعة الحال كفالة حرية التفكير والتعبير والنشر وحرية الصحافة وكل ذلك في إطار يؤكد احترام التعددية وحقوق الإنسان‏.‏

هذه هي المفردات الأساسية للحداثة السياسية التي سمحت لعديد من البلاد الغربية بأن تتقدم أشواطا طويلة في مضمار التحديث بالإضافة طبعا إلي الكفاءة في إدارة التنظيم الاقتصادي والإبداع في مجال العلم والتكنولوجيا‏.‏
ولو تأملنا مليا لأدركنا غياب العديد منها في الممارسة السياسية العربية خلال الأعوام الخمسين الماضية‏,‏ ذلك أن البلاد العربية انقسمت بين نظم جمهورية سادتها الانقلابات العسكرية أو نظام الحزب السياسي الواحد الذي قضي تماما علي التعددية السياسية ونظم ملكية لا تسمح بحكم نشأتها التاريخية وطبيعة تكوينها بالتعددية السياسية إطلاقا وإن كان بعضها يسمح بها في ظل قيود متعددة تفقدها في الواقع معناها الحقيقي‏.‏

وهكذا لابد لنا ـ إن أردنا أن نقيم حوارا مع الغرب وخصوصا مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر‏,‏ حيث تتصاعد الاتهامات ضد العرب والمسلمين بأنهم يعيشون في ظل نظم سياسية مستبدة تسهم في إيجاد مناخ ثقافي يحض علي التطرف ويقود في النهاية إلي الإرهاب ـ أن نعترف ـ من باب ممارسة النقد الذاتي ـ بسلبيات الممارسة السياسية العربية‏.‏ ولكن الاعتراف بالأخطاء ـ كما كان يقول المفكر الفرنسي الشهير جان بول سارتر في كتابه نقد العقل الجدلي ـ لا يكفي ولكن لابد من إعطائها التكييف الصحيح‏.‏ والتكييف الصحيح هنا أن أخطاء هذه الممارسة تمت في إطار عصر تاريخي معين منذ منتصف الخمسينيات حيث كانت أغلب البلاد العربية لم تكد تحصل علي استقلالها السياسي وأن عديدا منها مرت في تجارب سياسية متعددة ثبت في نهاية القرن فشلها تماما من وجهة النظر السياسية‏.‏ فقد تبين أن تجارب الحزب السياسي الواحد قد أدت إلي تجميد الطاقات الخلاقة لدي الشعوب كما أن النظم العسكرية التي رفعت شعارات الثورة والاشتراكية والوحدة لم تكن علي مستواها بل إنها أدت عملا إلي شيوع ظواهر الانتهازية السياسية وأوجدت مناخا اجتماعيا كئيبا بحكم الخوف من أجهزة الأمن مما أدي في النهاية إلي سلبية المواطنين‏.‏

اعتراف بالأخطاء نعم وإعطاؤها التكييف الصحيح نعم ولكن هذا لا يكفي‏,‏ لابد لنا إذا كنا جادين وأردنا أن نتجنب أن يفرض علينا التغيير السياسي بالقوة كما هو الحال في الخطة الأمريكية المعلنة بالنسبة للعراق أو بالإنفاق المالي في ظل خطط سياسية مفروضة علينا كما هو الحال بالنسبة لمبادرة كولن باول بصدد الإصلاح السياسي في العالم العربي أن نعلن بجسارة ووضوح عن خططنا المتعددة للإصلاح من منطلق تقديرنا الخاص لخصوصية أوضاعنا السياسية والاجتماعية والثقافية‏.‏
النقد الذاتي إذن هو أحد أضلاع النقد المزدوج الذي ينبغي أن يقوم عليه أي حوار حضاري ناضج غير أن تفكيك خطاب الآخر هو الضلع الثاني‏.‏ ويعني ذلك علي وجه التحديد ـ وفي حالة الحوار العربي الغربي تحديدا ـ التحليل النقدي للرؤي الغربية عموما وللأمريكية خصوصا في ضوء معطيات ومناهج سوسيولوجيا المعرفة‏(‏ علم اجتماع المعرفة‏)‏ ـ الذي في مجال التحليل الإيديولوجي يربط بين التوجهات السياسية وقواعدها الاجتماعية أو بعبارة أدق بينها وبين جماعات المصالح المختلفة التي تعبر عنها حتي تستبين بوضوح الأغراض التي يهدف إليها صاحب الخطاب والأهداف التي يرنا إلي تحقيقها‏.‏
وهكذا حين يصرح الرئيس جورج بوش بضرورة أن تقدم الدول العربية علي إصلاح بنيتها السياسية التي تقوم علي الاستبداد السياسي المولد للتطرف والاغتراب والإرهاب لدي جموع متعددة من الشباب العربي‏,‏ وحين يتولي كولن باول وزير الخارجية الأمريكي التعبير عن هذا التوجه الأمريكي بإطلاق مبادرته للإصلاح السياسي العربي الموجه أمريكيا والممول سنويا بمقدار تسعة وعشرين مليونا من الدولارات فينبغي في الواقع أن نتوقف طويلا لكي نحلل مكونات هذا الخطاب الأمريكي‏.‏

المبادرة الأمريكية للشراكة
وقد أعلن كولن باول هذه المبادرة التي أطلق عليها‏'‏ مبادرة الشراكة‏'‏ بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط وذلك في‏12‏ ديسمبر‏2002‏ في خطاب رئيسي ألقاه أمام مؤسسة هيرتيج التراث وهي مؤسسة فكرية محافظة‏.‏
وحين قرأت بدقة النص الرسمي لخطاب باول الذي تضمن المبادرة الأمريكية سواء باللغة الإنجليزية أو في ترجمته الرسمية إلي العربية‏,‏ لاحظت علي الفور المهارة الفنية ـ إن صح التعبير ـ في صياغة الخطاب‏.‏ فقد تعمد ـ في مجال تشخيص الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية الراهنة ـ أن يعتمد علي مراجع عربية أبرزها تقرير‏'‏ التنمية الإنسانية العربية‏'‏ الذي صاغه فريق من الخبراء العرب وأصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة‏.‏ ودلالة الاستناد إليه واضحة لأنه أراد أن يضفي مصداقية علي تصويره للأوضاع العربية بحكم أن هذا التقرير بالذات كان جسورا في إبراز السلبيات العربية‏,‏ وإن كان قد انتقدته أصوات عربية متعددة بطريقة غير موضوعية في بعض الأحيان‏.‏ كما أنه قد لفت نظري بشدة أن كولن باول يستشهد ببيت شعري للشاعر المصري الشهير حافظ إبراهيم بصدد أهمية التعليم حين قال‏:‏ الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق‏!‏ وهكذا دخل الشعر العربي في صميم الخطاب الأمريكي الذي يدعو للإصلاح السياسي‏!‏

ومبادرة باول تنقسم إلي شقين‏:‏ الأول منهما تشخيصي والثاني برنامجي ونعني إعلان برنامج مفصل يتناول الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية‏.‏
وبداية يمكن لتأكيد ـ من منطلق الأمانة العلمية والنقد الموضوعي ـ أن جميع مفردات السلبيات العربية التي رصدها خطاب باول صحيحة ولا خلاف بشأنها‏.‏ وكأمثلة بارزة لهذه السلبيات نسوق هذه الاقتباسات الحرفية من نص الخطاب‏.‏

‏1‏ ـ إن حوالي‏14‏ مليون راشد عربي يفتقرون إلي وظائف هم بحاجة لها‏..‏ وسيدخل زهاء مليون عربي آخر من الشبان والشابات سوق الوظائف المزدحمة أصلا خلال الأعوام الثمانية القادمة‏.‏
‏2‏ ـ الاقتصاديات لا تولد ما يكفي من الوظائف فالنمو ضعيف والناتج المحلي الاجمالي لـ‏260‏ مليون عربي وهو أقل من ذاك الذي لأربعين مليون أسباني‏,‏ أخذ هذه العبارة من تقرير التنمية الإنسانية العربية‏.‏

‏3‏ ـ داخليا كثير من الاقتصاديات تخنقها التنظيمات والمحسوبيات وتنغلق في وجه مغامرات في التجارة والأعمال وفي وجه استثمار وتجارة‏.‏
‏4‏ ـ دول الشرق الأوسط غائبة أيضا عن الأسواق العالمية‏.‏ إنها بالكاد تولد‏1%‏ من صادرات العالم غير النفطية‏.‏

‏5‏ ـ بعد اعتراف الخطاب ببعض التقدم في المجال السياسي يقرر‏:‏ مع ذلك مازالت تحكم كثيرا من الشرق أوسطيين أنظمة سياسية مغلقة وكثير من الحكومات تكافح مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها تهديدا بدلا من أن يرحب بها كأساس لمجتمع حر ديناميكي ومبشر بالأمل‏,‏ ناهيك عن أن لغة الكراهية والاستبعاد والتحريض علي العنف لا تزال هي اللغة السائدة‏.‏
‏6‏ ـ عدد كبير من أطفال المنطقة يفتقر إلي المعرفة ليستفيد من عالم الحرية الاقتصادية والسياسية‏,‏ فعشرة ملايين طالب في سن الدراسة هم إما في المنازل أو يعملون في الشوارع بدلا من أن يكونوا في صفوفهم المدرسية‏,‏ وحوالي‏65‏ مليونا من آبائهم لا يحسنون القراءة أو الكتابة دع عنك مساعدتهم في دروسهم‏,‏ وبالكاد يستطيع شخص واحد من كل مائة الوصول إلي كمبيوتر‏,‏ ومن أولئك النصف فقط يستطيع الوصول إلي العالم الأوسع عبر الإنترنت‏.‏

‏7‏ ـ وهناك موضوع دائم يبرز من خلال هذه التحديات ألا وهو تهميش المرأة في كثير من دول الشرق الأوسط‏,‏ فأكثر من نصف نساء العالم العربي هن أميات وهن يعانين أكثر من جراء البطالة والافتقار إلي فرص اقتصادية‏.‏
هذه هي أبرز مفردات السلبيات في الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية كما وردت في خطاب باول حرصنا علي اقتباسها بالنص حتي نتيح الفرصة للقارئ أن يتعرف علي ملامح صياغتها‏.‏

والواقع أن كل هذه السلبيات سبق لعديد من المفكرين والباحثين العرب أن أشبعوها رصدا وتحليلا ليس ذلك فقط ولكن عددا منهم بادروا بتقديم رؤي استراتيجية وفكرية جسور لعبور الأزمة والانتقال إلي جسر الأمل من خلال سياسات مقترحة لتحسين أوضاع الحياة في الوطن العربي علي اتساعه‏.‏
ليس هناك في الواقع خلاف مع الخطاب الأمريكي الداعي للشراكة الأمريكية ـ العربية للإصلاح السياسي فيما يتعلق برصد الواقع ولكن يبدو أن الخلاف ـ كما ظهر من ردود الفعل العربية ـ يتعلق بنقد منطلقات الخطاب والأساليب المقترحة لتنفيذ مقترحاته‏.‏ فلنأمل في فرصة قادمة أن نناقش البرنامج الأمريكي المقترح للإصلاح السياسي العربي الذي تقاعست النظم العربية عن القيام به بالرغم من الدعوات الملحة للمثقفين العرب بضرورة التغيير‏,‏ حتي لا تقوم الواقعة وهي كما يقرر القرآن الكريم ليس لوقعتها كاذبة‏.‏ خافضة رافعة‏!.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية