تقارير المراسلين

42388‏السنة 126-العدد2002ديسمبر26‏22 من شوال 1423 هـالخميس

البترول يحسم الموقف في فنزويلا‏!‏
بقلم : محمود مراد

خرجت المظاهرات تتطالب بإسقاط شافيز
يمكن القول إن البترول يلعب الآن الدور الأساسي في صراع البولفاريين ـ أصحاب التيار اليساري ـ ورجال الأعمال ومؤيديهم ـ أصحاب التيار اليميني ـ والذي بدأ منذ شهور في فنزويلا ودخل منذ ثلاثة أسابيع مرحلة الذروة‏,‏ بل انه قد حسم الموقف لمصلحة شرعية النظام الحاكم للرئيس هوجو شافيز‏,‏ وخلال أيام ـ كما أكدت لي مصادر رسمية ـ فان الحياة ستعود إلي طبيعتها بعد موجة الاضرابات‏,‏ كما سيجري استئناف تصدير شحنات البترول إلي الاسواق المتعاقدة‏..‏ وأكثر من ذلك فلقد جري بالفعل استئناف التصدير إلي الولايات المتحدة الأمريكية حيث أبحرت إليها الأحد الماضي سفينة تحمل ستمائة ألف برميل بترول تحت حماية القوات البحرية‏...‏ وباشراف من رئيس الجمهورية‏!‏
إن فنزويلا تنتج ثلاثة ملايين برميل بترول يوميا‏..‏ وهي تستخدم في صناعاتها المختلفة‏,‏ والتحويلية‏,‏ وفي استهلاكها واحتياجاتها نصف مليون برميل‏..‏ وتصدر إلي الاسواق التي تعاقدت معها مليون برميل‏..‏ أما الباقي وهو مليون ونصف مليون برميل يوميا فانه يصدر إلي الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ الحريصة علي استيراد كميات من مختلف البلاد المنتجة والابقاء علي آبارها تحسبا للمستقبل والظروف‏!‏

وبسبب الانتاج الفنزويلي الوفير للبترول فقد ارتفعت اسعاره وارتجفت مؤشرات بورصاته‏..‏ وأصبح السؤال المطروح هو‏:‏ إلي متي يستمر توقف البترول الفنزويلي‏..‏ وإلي أي مدي سيستمر ارتفاع سعر البترول مما يؤثر سلبا علي الدول المستهلكة وأسواقها في الولايات المتحدة والدول الأوروبية‏..‏ خاصة ونحن في فصل الشتاء وموسم العواصف والبرد القارس الذي يزداد فيه الطلب علي الطاقة بأنواعها‏,‏ وقد أدي هذا بالفعل إلي تراجع معدلات تخزين الوقود في هذه الدول بنسب أثارت قلقها‏,‏ ولهذا صار من مصلحتها الحيوية‏,‏ حتمية استمرار تدفق البترول‏..‏ وكانت هذه ورقة نجح الرئيس شافيز في استخدامها للضغط غير المباشر علي القوي الخارجية التي تتعاطف أو تؤيد التحرك ضد النظام الحاكم نظرا لتوجهاته الثورية البوليفرية ـ نسبة إلي سيمون بوليفار محرر المنطقة ـ التي تدعو إلي عدم التبعية والعمل لمصلحة الاغلبية‏,‏ ومن ذلك الاستيلاء علي الاراضي الزراعية وسحبها من كبار الملاك ـ في حالة تركها لتبويرها ـ وتوزيعها علي صغار المزارعين‏..‏ ومثل قرارات رفع مرتبات وأجور العاملين والاتجاه إلي التأمينات الاجتماعية والصحية‏..‏ وغير ذلك‏,‏ اضافة إلي السند القانوني وهو شرعية الحكم الذي جاء نتيجة لانتخابات ديمقراطية سليمة‏..‏ وليس سرا القول حسب معلومات غير معلنة ـ ان اتصالات سرية جرت بين ممثلي الرئيس الفنزويلي وبين مسئولين غربيين وأمريكيين أكد الرئيس خلالها أمرين‏:‏ انه لن يرضخ لمطالب المعارضة فهو رئيس شرعي سيستمر حتي نهاية ولايته عام‏2006‏ ـ أو كحل وسط وتنازل منه ـ حتي نهاية منتصف المدة عام‏2003,..‏ وانه اذا لم تقبل الأطراف هذا وتتوقف عن إثارة الاضطرابات‏..‏ فسوف يصمد بتأييد من الأغلبية وسوف يتوقف تصدير البترول‏!‏

‏***‏
وفي الوقت نفسه فان نتائج وساطة سيزار جافيريا الأمين العام لمنظمة الدول الأمريكية انتهت إلي نتائج تضمنها تقرير عرضه جافيريا علي المجلس الدائم للمنظمة المشكل من مندوبي الدول‏..‏ وبعد مناقشته طلب استمرار الأمين العام في مهمته حتي تستقر الأوضاع‏...‏ وقال المجلس في تقرير ختامي حصلنا عليه انه بعد الاطلاع علي الشرح الذي عرضه ممثل فنزويلا الدائم في المنظمة حول الأحداث الراهنة التي تهدد بزعزعة النظام الديمقراطي في فنزويلا‏..‏
وبعد سماع تقرير الأمين العام للمنظمة ومساعيه في انهاء الازمة‏.‏

ومع الوضع في الاعتبار الظروف السياسية التي تمر بفنزويلا وأعمال العنف التي تجتاح البلاد‏..‏ وبعد الاطلاع علي ميثاق منظمة الدول الإسلامية الذي يشير إلي خطورة الوضع الراهن علي الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة‏.‏
وبالاشارة إلي البند رقم‏1‏ من الميثاق الذي ينص علي ان شعوب الدول الأمريكية تتمتع بالحق في حياة ديمقراطية مع التزام الحكومات بدعم النظم الديمقراطية والدفاع عنها‏.‏
واقتناعا بأن جهود الأمن العام تمثل ركنا جوهريا ومهما في التوصل إلي حل سلمي للازمة‏..‏ ووضعا في الاعتبار‏..‏ مبادرة حكومة فنزويلا وجهودها الرامية إلي التوصل إلي حوار بناء‏.‏

فقد تم الاتفاق علي‏:‏
‏1‏ ـ المساندة الكاملة للنظام الديمقراطي في فنزويلا ولحكومتها‏.‏
‏2‏ ـ تقديم الدعم والمساندة للأمين العام للمنظمة لمواصلة جهوده واستمرارها حتي يتحقق الاستقرار الكامل‏.‏

‏3‏ ـ حث حكومة فنزويلا علي تبني النهج الديمقراطي الهاديء في التعامل مع الأزمة‏.‏
‏4‏ ـ الوقوف خلف شعب فنزويلا للممارسة حقوقه الديمقراطية في اجواء من الحرية الكاملة‏.‏

‏5‏ ـ دعوة جميع القوي الفاعلة في فنزويلا لاحترام حقوق المجتمع وممارسة الديمقراطية والعمل علي التوصل إلي حل سلمي دستوري‏.‏
‏6‏ ـ اعتبار مجلس المنظمة الدائم في حالة انعقاد دائم لتلقي تقارير الأمين العام ومتابعة الموقف‏.‏

وبهذا التوازن فيما توصل إليه المجلس الدائم لمنظمة الدول الأمريكية‏..‏ وبتراجع ملموس ومحسوس في تأييد القوي الخارجية لمحركي الاضرابات الداخلية‏,‏ ازدادت صلابة الرئيس هوجو شافيز‏..‏ بينما تراجعت نسبيا شعبية قائدي الاضطرابات وهما كارلوس فيرنانديز‏:‏ رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية‏..‏ و كارلوس أورتيجا‏:‏ السكرتير العام لاتحاد العمال الفيدرالي‏.‏
وبدأت جماعات من العمال تعترض علي تحالف الكارلوسين فكيف تتفق مصالح فرنانديز ممثل الرأسمالية مع مصالح أورتيجا ممثل العمال؟

وبعد حصوله علي تأكيد واضح من القوي الغربية ـ والأمريكية بالذات ـ بعدم التدخل ضده ـ التفت رئيس الجمهورية إلي البترول وخطط لاستئناف انتاجه وحركته كما كانت وتحت اشرافه شخصيا‏..‏ فان البترول سلاح مهم فعال كما انه الثروة الأولي للبلاد‏..‏ وبسببه تحتل فنزويلا مكانة كبري إذ انها خامس دولة ـ علي مستوي العالم ـ في تصديره‏..‏ واستعان هوجو شافيز بالقوات البحرية لتأمين ميناء الشحن‏,‏ وحماية الناقلات‏,‏ وبالفعل أمكن تصدير‏600‏ ألف برميل ـ الأحد الماضي ـ إلي الولايات المتحدة‏..‏ كبداية لانطلاق الناقلات حاملة مليون ونصف مليون برميل يوميا إلي الولايات المتحدة‏,‏ ومليونا برميل أخري إلي اسواق وموانيء في بلاد أخري‏.‏
قال لي فيكتور كارازوا سفير فنزويلا في مصر‏..‏ ان وكالات الأنباء تبالغ كثيرا في‏:‏ نقل صورة‏..‏ وتضخيم أحداث الاضرابات ببلادنا‏..‏ فإنني رسميا وبشكل شخصي‏..‏ أعرف ـ وأؤكد هذا ـ ان كثيرا من قطاعات الحياة تعمل بانتظام ومنها المواصلات‏,‏ والمتاجر ـ والاسواق بصفة عامة ـ وعديد من المصانع والشركات‏...‏ وبالطبع حقول البترول‏.‏
ويضيف ان الطبقة الوسطي ـ التي تضم المهنيين والتجار والمثقفين وغيرهم ـ يبلغ حجمها نحو نصف عدد سكان‏..‏ وهي ـ بكوادرها وأفرادها ـ ترفض مايجري وتحرص علي استمرار الحياة‏,‏ وحل أي مشكلات ـ ان وجدت ـ بالاسلوب الديمقراطي السلمي‏..‏ ولهذا فان هذه الطبقة تستمر في العمل وتسعي للسلام والاستقرار‏,‏ ومعها حجم كبير من الطبقة العاملة‏...‏ بل ومن الطبقة العليا‏..‏ فلا احد يوافق علي التعامل بالعنف‏..‏ وتجميد الحياة‏!‏

‏***‏
وأعود إلي تأكيد ان موجة الاضطرابات التي سادت فنزويلا منذ أكثر من ثلاثة اسابيع‏,‏ قد اخذت في الانحسار‏..‏وان العدد التنازلي لانتهائها قد بدأ‏..‏ ومادام ذلك قد حدث دون اتفاق الأطراف الداخلية وانما بصلابة النظام واستخدامه الأدوات المتاحة‏..‏ فان الأرجح ان يستمر الرئيس هوجو شافيز حتي نهاية ولايته عام‏2006,‏ وسوف يسرع في تطبيق كل مبادئه البوليفارية‏...‏ ما لم تحدث مفاجأة‏..‏ فالمفاجآت عديدة في منطقة أمريكا اللاتينية‏..‏ خاصة في زمن العولمة والهيمنة‏..‏ وأشياء أخري‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية