|
|
قد لا نكون بحاجة إلي تبيان العلاقة بين التربية والثقافة, فالعلاقة بينهما باتت واضحة معروفة, وتضرب بجذورها في أعماق الفكر الاجتماعي والإنساني, وتعد من حقائق العلم في هذا الميدان, فالثقافة بالنسبة للتربية الإطار العام المحدد لحركتها وتوجهاتها, وعلي ضوئها تصوغ فلسفتها, وتستمد غاياتها وأهدافها, والتربية بالنسبة للثقافة: إحد عناصرها ومكوناتها, ومقوماتها, والشرط الضروري لحفظها واستمراريتها ونقلها للأجيال, والعامل الفاعل في تجديدها وتطويرها, وانتقاء عناصرها ذات الفائدة في بناء المجتمع, ونهوضه وتقدمه, والحفاظ علي تماسكه ووحدته, وهويته وذاته القومية. فالتربية وإن كانت إحد عناصر الثقافة إلا أنها بمثابة القلب منها, الذي تتحرك حوله مختلف العناصر والمنظومات الأخري, مما يؤكد أن العلاقة بين التربية والثقافة علاقة تفاعل, وتأثير متبادل, بالدرجة التي لا يمكن تصور وجود إحداهما دون وجود الأخري, ولقد ازدادت العلاقة وثوقا, تلاحما وترابطا في ظل التغيرات والتطورات الحادثة ذات التأثير العميق علي مختلف جوانب الحياة الإنسانية. من هذا المنطلق نتناول ـ في هذا المقال ـ دور التربية في قضية حوار الثقافات أو ما يطلق عليه البعض حوار الحضارات, وإن كنا نؤثر استخدام المفهوم الأول الثقافات لعشرات الأسباب التي يطول شرحها, وفي مقدمتها ارتباطه الوثيق بالتربية.
ولن نطيل في بيان أهمية الحوار سواء أكان بين الثقافات أم بين الحضارات, فقد تناولته العديد من الكتابات والدراسات والتحليلات, حيث يعد ـ علي حد تعبير د. حمدي زقزوق ـ اللغة الحضارية الوحيدة التي تليق بالانسان, وتحمل تبعاته ومسئولياته في عالم أصبح مثل قرية كونية كبيرة, هو عالمنا, ونحن مسئولون عنه, ولايجوز أن يترك لبعض القوي العالمية ان تفعل بمصيره ما تشاء, كما أن الحوار طريق البشرية الوحيد, بل هو ضرورة حياتية في ظل الظروف الراهنة من اجل انقاذ سفينة العالم التي توشك ان تغرق ونغرق معها جميعا, ومن ثم فإنه ينبغي علي الجميع في الشرق والغرب توفير الظروف المناسبة للقيام بهذا الحوار من اجل مستقبل الأجيال القادمة. وتعد التربية أحد العناصر المهمة القادرة علي توفير هذه الظروف من خلال العمل علي تنمية قيم واتجاهات التفاعل والمشاركة والإخاء بين الأمم والشعوب, وتحقيق التفاهم والسلام الدولي.
وهذا ما أدركته منظمة اليونسكو منذ زمن طويل, يؤكد هذا مقولتها المشهورة التي تتصدر ميثاقها لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر ففي عقولهم يجب أن تبني حصون السلام ولتحقيق هذا الشعار أوصت بضرورة ان تعمل التربية علي تعزيز احترام حقوق الإنسان, وحرياته الأساسية, وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب وغيرها من العناصر التي تساعد علي تهيئة المناخ والظروف المناسبة للحوار بين الثقافات. كما تبنت اليونسكو اخيرا مفهوم التعليم للعيش معا واعتبرته ضرورة في جميع مناطق العالم في ظل التحديات والمشكلات التي تواجهها كل المجتمعات, بل وأصبح موضوعا للجلسة السادسة والأربعين للمؤتمر الدولي للتعليم الذي عقد في جنيف في سبتمبر2001.
لكن اللافت للنظر ـ والجدير بالإشارة إليه في هذا المجال ـ أن الدارس للفكر التربوي, وللمؤسسات التربوية عبر تطورها التاريخي يتبين له بوضوح أنه كان هناك تفاعل حضاري تربوي بين الأمم والشعوب في الحضارات القديمة, كما كانت آراء الفلاسفة والمفكرين في مجال التربية ذات أبعاد عالمية إنسانية, واستطاعت أن تجد طريقها إلي المجتمعات الأخري. وخير دليل علي هذا تأثر فلاسفة المسلمين بالأفكار والآراء التربوية لفلاسفة اليونان القدامي من أمثال افلاطون وأرسطو وغيرهما, ولم تعرف أوروبا هذه الأفكار والآراء إلا من خلال الفلاسفة المسلمين في عصور ازدهارهم ونهضتهم الكبري, مما يشكل إرثا تربويا يكشف عن الجانب الإيجابي لدور التربية في التقارب بين الشعوب والثقافات. لكن في العصر الحديث تغير الوضع إلي السلب, حيث تم استخدام نظم التعليم لإثارة النعرة القومية, واستثارة الحماس ضد الشعوب والثقافات. وخير مثال علي هذا المانيا النازية,
وإيطاليا الفاشية, كما لعبت التربية دورا هاما وخطيرا في مخططات الهيمنة والسيطرة, مثلما حدث للجزائر في فرنسا, وبريطاينا في مصر, وما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية في اليابان بعد هزيمتها من الحرب العالمية الثانية. والخطير في الأمر أنه- وكرد فعل لهذه المحاولات- عملت الشعوب والمغلوبة علي أمرها علي اتباع الأسلوب نفسه في إثارة النعرة القومية, والتقوقع حول الذات خشية هذا الاختراق, الأمر الذي ترتب عليه مزيد من التباعد والافتراق بين الشعوب والثقافات.
والجدير بالذكر أن هذا الأمر لم يقف عند حد الدول المغلوبة, وإنما امتد إلي الدول القوية المتقدمة, حيث نشاهد بينها صراعا ذا طابع تربوي, فالولايات المتحدة باتت تخشي فجوة تربوية عبر الباسفيك تفصل بينها وبين اليابان, بعد أن استشعرت لهيب التفوق التكنولوجي المقبل إليها من الشرق, وباتت أوروبا تخشي فجوة تربوية أخري عبر الأطلنطي نتيجة للتفوق الأمريكي علميا وتربويا. لكن هذا الوضع يجب آلا يقف حجر عثرة امام الثقافات, التي يجمعها إررث انساني مشترك, وخصائص و أبعاد حضارية مشتركة تمكنها من إقامة الحوار الثقافي بينها, مستثمرة في ذلك وموظفة له امكانياتها التربوية, والمشاركة الفاعلة في تحقيق ما يطلق مفهوم التربية الدولية التي تقوم علي أسس معينة قوامها- كما يشير حسان محمد حسان في دراسته القيمة في هذا لمجال- وحدة الجنس البشري, والمساواة بين البشر, واحترام حقوق الانسان, وحرية العقيدة, والديمقراطية او الشوري, واحترام حقوق الأقليات, والتعايش السلمي, والتسامح ونبذ العنف, وغيرها من الأسس التي نجد لها تأصيلا في فكرنا الاسلامي, وتلتف عندها الغايات العليا للديانات السماوية, كما نجد لها صدي في المواثيق الدولية, ويمكن ان يقوم عليها حوار مثمر وفعال بين الثقافات, يكون للتربية فيه الدور المحوري العام, وذلك من خلال:
1- الدراسة الموضوعية للثقافات المختلفة من خلال المناهج الدراسية, مما يتيح للمتعلمين فهما أفضل لهذه لثقافات, وما بينها من اختلافات وصراعات. 2- توضيح ما بين هذه الثقافات من نقاط التقاء واتفاق لتقويتها وتعزيزها, ومن أوجه تباين واختلاف للاعتراف بها واقرارها, حفاظا علي الهويات والخصوصيات الثقافية للأمم والشعوب.
3- الكشف المستمر عما يدور داخل الكتب الدراسية من تحيزات ثقافية تحول دون التواصل والتقارب والعمل علي استبعادها والقضاء عليها. 4- تأكيد أهمية التبادل الثقافي والتربوي من خلال البعثات والزيارات, وتبادل الطلاب والأساتذة والباحثين بين البلدان المختلفة.
5- قيام المؤسسات التربوية الدولية بتشجيع التعاون التربوي, واستثمار مؤسسات التربية والتعليم النظامية وغير النظامية بما فيها وسائل الاعلام والتأثير, والاتصال لتأكيد القيم والاتجاهات التي تعمل علي تقبل الآخر, والتعامل معه وفق قيم وأخلاقيات المساواة والتسامح ونبذ الكراهية والعنف. 6- تحديث وتطوير المناهج الدراسية بحيث تعكس- كما تتضمن توصيات اليونسكو- التغيرات السياسية والاجتماعية الجارية, والأبعاد الأخلاقية والثقافية للتقدم العلمي والتكنولوجي. وضمان ارتباط هذه المناهج بالمستويات المحلية والقومية والدولية.
7- تنمية المدماخل المتخصصة ومتعددة التخصص, ودعم وتعزيز التجديدات التربوية. 8- الاهتمام بالمعلم وتسهيل مشاركته الحقيقية في صنع القرارات المدرسية والتعليمية, والعمل علي حسن اعداده وتدريبه بحيث يصبح قادرا علي تنمية أفضل لقيم التسامح, والتعايش السلمي, واحترام التنوع الثقافي.
9- العمل علي استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في عمليات التدريب والتدريس. 10- العمل علي تنمية ثقافة الديمقراطية داخل المدرسة, تعميقا لقيم التسامح والاحترام المتبادل, والتعبير عن الرأي والحوارالمثمر وتشجيع التلاميذ علي المشاركة في عمليات صنع القرار
11- تنمية قيم المواطنة لدي الشباب, لضمان مشاركتهم الفعالة في الحياة السياسية, وتحقيق الأهداف المنشودة, والقدرة علي نقدها وتقويمها. 12- مساعدة الشباب علي اتقان اللغات والالمام بالمعارف المختلفة والثقافة العلمية والتكنولوجية وغيرها من الاحتياجات التربوية الضرورية للتعايش مع الآخرين والتفاعل معهم.
13- تشجيع البحوث والدراسات التي تتناول مفاهيم الحوار والتعلم من أجل العيش معا. 14- تشجيع الدراسات المقارنة علي مختلف المستويات المحلية والاقليمية والدولية. عشرات الاجراءات والتوصيات التي يمكن أن تغيير في هذا المجال, وتساعد التربية علي القيام بدور فعال في تعميق الحوار بين الثقافات. وهذا يتطلب تضافر كل الجهود مع مراعاة خصوصيات الشعوب, وتقاليدها الحضارية والمجتمعية, والاحترام المتبادل بينها, واتباع طرق الحاور والتعاون كأداة مثلي لحل الخلافات والصراعات, مما يخلق مناخا مناسبا لقيام التربية بدور فعال في هذا المجال. |
|
|
|
|
|