|
|
في الفترة من16 ـ17 ديسمبر2002, عقد الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية, مؤتمره السنوي تحت عنوان الجمعيات الأهلية وتحديث مصر, والموضوعات علي درجة عالية من الأهمية, إذ يطرح ويناقش مسئوليات الجمعيات الأهلية في اطار عملية التحديث في إطار عالمي وإقليمي وقومي يشهد كثيرا من التحديات في هذا السياق فإن تحديث الجمعيات ذاتها يصبح علي درجة عالية من الأهمية وفاقد الشئ لا يعطيه بمعني أن الجمعيات الأهلية إذا افتقدت التحديث القيمي والثقافي والمؤسسي فهي تصبح غير قادرة علي الاستجابة لتحديث الوطن ومن الملاحظ من المتابعة التاريخية أنه كلما طرحت قضية التحديث أو النهضة برزت الجمعيات الأهلية كفاعل أساسي, واستجابت بمرونة عالية سواء في تسارع تأسيس جمعيات معنية, أو في أنماط النشاط والقضايا التي تتصدي لها. ففي مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر, وفي إطار الدعوة للنهضة, تم تأسيس عشرات من الجمعيات الأهلية التي اضطلعت بأدوار ثقافية واقتصادية واجتماعية, بالاضافة إلي التصدي للنفوذ الأجنبي وتردي الأوضاع. كان ذلك واضحا علي وجه الخصوص منذ عام1859, حين تأسست جمعية المعارف والجمعية الجغرافية( لرسم خرائط مصر) وجمعية معهد مصر( للبحث في الحضارة المصرية), ثم سلسلة من الجمعيات التي اهتمت بالدفاع عن الهوية المصرية وبث روح الانتماء الوطني والتعليم والصحة والعمل الخيري.
كذلك حين طرحت قضية المرأة في آواخر القرن التاسع عشر, تأسست جمعيات نسائية في العقد الأخير من القرن التاسع عشر( مثل جمعية يد المساعدة النسائية) اتجهت نحو المطالبة بحقوق المرأة واتساع المجال لها في المشاركة في العمل العام. إن دور الجمعيات الأهلية في التحديث يتوقف علي الفلسفة والرؤية التي تتبناها الجمعيات. وما إذا كانت تنطلق من الدور الرعائي والخدمي أو تنطلق من المفهوم الدفاعي وفكرة تمكين المواطن, وهو ما يعد الجيل الرابع في اجيال الجمعيات الأهلية, فالأول هو جيل الجمعيات الذي ينطلق من المفهوم الخيري, والثاني خدمي ورعائي, والثالث تنموي, والجيل الرابع هو الذي يسعي إلي التمكين والدفاع عن الفئات المهمشة.
إن التحديث مفهوم شامل وسياق متكامل يضم الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومن ثم نتوقع من الجمعيات الأهلية لكي تقوم بدورها في التحديث ان تنطلق من هذا المفهوم الشامل, وتتبني رؤية موضوعية نقدية للواقع وتسهم في التغيير. والسؤال الآن هو ماذا عن مفهوم تحديث الجمعيات؟ هل ينصرف إلي البعد المؤسسي فقط؟
إن مفهوم تحديث الجمعيات يشير إلي عملية تدخل ارادية لتحسين وتطوير أداء المنظمة في علاقتها برسالتها وأهدافها, وفي علاقتها بالبيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, وفي توظيف مواردها, بما يحقق لها الاستدامة ويبني قدراتها في مواجهة القضايا والتحديات المجتمعية. من هذا التعريف يمكن ان نستنتج سمات أساسية لمفهوم تحديث الجمعيات, أولاها ان التحديث يمتد إلي رسالة المنظمة وأهدافها, ثانيتها ان التحديث يضم متغيرات ومكونات كثيرة, التطوير المؤسسي هو أحدها, وثالثتها ان تحديث الجمعيات يعكس تدخلا فراديا مخططا, رابعتها أن التحديث يمتد إلي علاقة المنظمة بالإطار الثقافي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي, فهو يسعي إلي إحداث تغيير في هذا الإطار, وأخيرا فإن التحديث ينبغي أن يرتبط بمفهوم الاستدامة الذي يمثل مطلبا رئيسيا ـ من الجمعيات.
وأخيرا وفي هذا السياق, ينبغي ان ننتبه إلي الملاحظات التالية: 1 ـ إن التحديث يمتد إلي الثقافة المدنية السائدة التي تتضمن قيم الحوار والتعاون وقبول الآخر, والممارسة الديمقراطية, وتوسيع المشاركة, والإدارة السلمية للنزاعات أو الصراعات.
2 ـ إن تحديث الجمعيات الأهلية يستهدف تنمية القدرات البشرية ويتضمن ذلك العمل بروح الفريق وتعبئة المتطوعين وتوزيع الأدوار والاختصاصات. 3 ـ إن التحديث يستهدف تطوير قدرات إدارة الجمعيات فيما تعلق بالتخطيط والتنفيذ والرقابة والتقويم.
4 ـ إن تحديث الجمعيات يتضمن مكونا تكنولوجيا اتصاليا في عالم يشهد تطورات متسارعة في تكنولوجيا الاتصال. والحديث قد بدأ في العالم عن المنظمات الأهلية الالكترونية 5 ـ وأخيرا فإن تحديث الجمعيات يستهدف تطوير قدرات المنظمات فيما تعلق بالتأثير في عملية صنع السياسات وصنع القرارات.
ما أبرز القضايا والإشكاليات التي يواجهها المجتمع المدني عامة والجمعيات الأهلية خاصة فيما يتعلق بمستقبل تحديث الجمعيات؟ 1 ـ تحديات العولمة: هي تحديات تفرض الالتزام بأولويات قضايا المجتمع المصري, وليس الالتزام بأولويات المانح, تفرض استقلالية المجتمع المدني وتفرض الانخراط فيما يعرف باسم المجتمع المدني العالميGlobalCivilSociety للتعامل مع العولمة ومحاولة التأثير فيها من داخلها. والاستقلالية لاتتناقض مع الانخراط في المجتمع المدني العالمي والتأثير فيه, هي فقط تستلزم وعيا كافيا ورؤية واضحة للاجندة القومية, والتيارات العالمية.
وأخطر مايمكن ان تؤثر فيه العولمة هو النخب القومية في مؤسسات المجتمع المدني من منظور التأثير سلبا في علاقتها وتمثيلها للمنظمات القاعدية الشعبية, وربطها بنحبة كونية كأحد مظاهر العولمة. أيضا فإن العولمة تؤدي إلي فصل المجتمع المدني إلي شطرين أولهما يمثل أقلية مؤسسات المجتمع المدني يتعامل مع خطاب العولمة ولغة العولمة وتياراتها ويجيد التعامل مع المانح الأجنبي, ويمتلك مؤسسات مدنية محدثة تكنولوجيا. وثانيهما قطاع يمثل غالبية مؤسسات المجتمع المدني, يمارس أدوارا تقليدية, يفتقد التحديث ويفتقد التعامل مع خطاب ولغة العولمة. في إطار العولمة والانخراط في مؤسسات المجتمع المدني تبرز بعض المحاذير, منها قضية التمثيل من الذي يمثل المجتمع المدني القومي؟ وتبرز قضية تأثير المانح الأجنبي علي اجندة عمل مؤسسات المجتمع المدني, وتبرز قضية العلاقة والتفاعل بين مؤسسات المجتمع المدني علي المستوي القومي, وعلي الجمعيات الأهلية ان تواجه ذلك بوعي وفهم.
2 ـ قضية تحديث الابنية المؤسسية والأداء المهني المتميز: اذا تحدثنا عن مؤسسات مجتمع مدني تلتزم بالقضايا القومية وتسعي إلي تمكين المواطن, فإن ذلك يفترض ابنية مؤسسية وليس منظمات هشة تتعامل مع تحديث المجتمع هذه الابنية المؤسسية تلتزم بقواعد القانون, ولاتدار بـ الشللية واهل الثقة, ولاتتسم بأنها منظمات الشخص الواحد, مؤسسات تحدد بدقة الهدف والرسالة وإجراءات العمل وتوزيع الأدوار والاختصاصات بين العاملين والمتطوعين. إن احد محكات أو معايير التطور في الثقافة المدنية هو نضج المهنية, والمجتمع المدني لم يعد مجرد نيات طيبة وإنما اصبح تحكمه تقاليد مهنية راسخة تحترم الأداء المتميز, تقبل التنوع وتقبل الاختلاف وتعترف بآليات محددة لحسم المنافسة من جهة وصنع السياسات من جهة أخري. وهذه القاعدة ترتبط بما يعرف باسم ثقافة بناء المؤسسات وتنعكس علي احترام العمل التطوعي. وفي هذا الإطار توجد اختلافات شاسعة بين مؤسسات المجتمع المدني فيما يتعلق بمستوي التطور المهني وفيما تعلق بنضج البناء المؤسسي. فالبعض قد طور تقاليد أداء مهني متميز يقوم علي احترام قيمة العمل لتوزيع السلطات والأدوار, ونجح في تطوير الرقابة علي الأداء, وإجراء تقويم لانعكاسات عمله, بينما البعض الآخر ـ وهم الغالبية ـ لازال ينطلق من منظور النيات الحسنة ولم ينجح في إيجاد مؤسسة تحترم القواعد القانونية, تقوم علي فريق العمل, توزع الأدوار, تبتعد عن الشللية والشخص الواحد. ومن ثم يصبح تحدي بناء القدراتCapacitybuiliding من تحديات المستقبل أمام المجتمع المدني.
3 ـ قضية التمويل والاستدامة: تمثل قضية مستقبلية علي درجة عالية من الأهمية تحدد مستقبل مؤسسات المجتمع المدني. فقد أبرزت جميع البحوث الميدانية السابقة أن التمويل ـ من وجهة نظر المؤسسات المدنية ـ يمثل الاشكالية الأولي. في هذا السياق تجدر الاشارة إلي أن مؤسسات المجتمع المدني في مصر لم تنجح بعد( باستثناء المنظمات الدينية ومنظمات العمل الخيري) في إيجاد مصادر تمويل قومية تدعم بها الأنشطة التي تقوم بها, فالعلاقة مع القطاع الخاص ضعيفة للغاية, والعلاقة مع الحكومة تقوم علي مشروعات الاسناد وفقا لخطة الحكومة, والعلاقة بالمجتمع ضعيفة, خاصة فيما يتعلق بتمويل مشروعات تنموية.. ومن ثم تتسابق مؤسسات المجتمع المدني لتمويل نشاطاتها من المانح الأجنبي, وفي الأغلب فإن التمويل يتحقق وفقا لمنظور المانح الأجنبي لماهية الأولويات, واحيانا ما تبادر بعض المؤسسات المدنية للقيام بنشاط تعتقد انه يمثل اولوية لدي المانح الأجنبي. وهناك مؤسسات مدنية تعتمد في تمويل نشاطها بالكامل علي المؤسسات الأجنبية من ذلك اغلب منظمات حقوق الإنسان. إن طرح قضية التمويل كإشكالية ينتهي بنا إلي طرح إشكالية استدامة العمل بمؤسسات المجتمع المدني, الذي يعتمد علي مصادر دائمة للتمويل, وهنا فإن احد محددات المستقبل سوف تكون قدرة مؤسسات المجتمع المدني علي تدبير التمويل من المصادر القومية أولا والتزامها بأجندة عمل قومية, مع تطوير دور المجتمع ككل لدعم ومساندة نشاطاتها.
4 ـ قضية التوافق حول مرجعية قانونية تقبلها الأطراف, إن أحد مظاهر الصراع بين الدولة والمجتمع المدني, من المنظور التاريخي, تتمثل في معركة القوانين أو بعبارة أخري عدم التوافق بين الطرفين حول مرجعية قانونية تقبلها الأطراف وتشارك في صياغتها. ولعل نموذج التوافق حول قانون الجمعيات الأهلية هو دليل علي ذلك, فقد رفض المجتمع المدني القانون32 لسنة1964 للجمعيات في مصر وانتقده في المحافل والمؤتمرات التي نظمها القطاع الأهلي, وفي أجهزة الإعلام, ثم بدأ التحضير لصياغة قانون جديد للجمعيات في مرحلة استمرت نحو ثلاث سنوات, وسعي القطاع الاهلي للمشاركة في صياغة القانون, فصدر القانون153 لسنة1999 الذي ظل ساريا لمدة ستة أشهر, وحكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته. ورغم المشاركة الجزئية للقطاع الأهلي في صياغة القانون المذكور, إلا أنه كان منتقدا وموضعا لعدم الرضا من جانب البعض, وكان ذلك في النصوص التي تحدد العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني( خاصة ما يتعلق بالرقابة علي التمويل). ثم صدر القانون84 لسنة2002 ولائحته التنفيذية, واستمر معه الجدل بين الدولة والمجتمع المدني فيما تعلق بحق الجهة الإدارية المختصة في الاشراف والرقابة علي الجمعيات وحق الحل. الخلاصة إذن أن التوافق ضعيف بين الدولة والمجتمع المدني فيما يتعلق بقوانين المجتمع المدني, وهو أمر قد يعكس ميل الأولي, أي الدولة إلي تبني السلطة الأبوية وميل الثانية أي الجمعيات, إلي التحرر من سلطة الأولي, وهو أمر يرتبط مستقبلا بعملية بناءالثقة بين الطرفين.
5 ـ قضية الممارسة الديمقراطية والشفافية والمحاسبية في المجتمع المدني: تصبح تحديا اخر وايضا محددا يرتبط بمستقبل مؤسسات المجتمع المدني في مصر إن مؤشرات البحوث الميدانية, وكذلك متابعة وملاحظة مسار المجتمع المدني في مصر, تكشف عن ممارسة ديمقراطية محدودة داخل بعض مؤسسات المجتمع المدني كما تكشف عن قصور تطبيق مبدأ الشفافية والمحاسبية, هذه المؤسسات المدنية قد يديرها شخص واحد حتي إنها تعرف باسمه وترتبط به, أو قد ينفرد بصنع القرارات والسياسات قلة محدودة داخل مجلس الإدارة, مع ضعف تقاليد انعقاد الجمعية العمومية وضعف مشاركتها. يرتبط بذلك ان الإعلان الصادر عن الموارد المالية ومصادر التمويل أمر محدود ويرتبط بقلة من المؤسسات المدنية. ومن الأمور بالغة الصعوبة توفير بيانات دقيقة عن ميزانيات قطاع كبير من الجمعيات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان. هذا وتكشف الممارسة عن ضعف فكرة المحاسبة في أغلب المؤسسات المدنية. فهدر المال مثلا لايرتبط بإعلان مسئولية قيادات بعينها عن ذلك أو تقديمها للاستقالة. ومن ثم فإن في اعتقاد الكاتب, أن مسار المجتمع المدني مستقبلا سوف يتوقف علي احترام مؤسساته للمارسة الديمقراطية ـ وهي ركن أساسي في الثقافة المدنية ـ كما سيتوقف علي احترام مباديء الشفافية والمحاسبية.
6 ـ النزوع للعمل التطوعي: إن النزوع للعمل التطوعي مكون رئيسي في ثقافة بناء المؤسسات المدنية, وعلي الرغم من مظاهر تزايد المبادرات التطوعية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين, فإن القرن الجديد قد بدأ وهناك أزمة متطوعين. هذه الازمة قد يكون مصدرها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يتعرض لها المواطن المصري, بالاضافة إلي ضعف المشاركة في الحياة العامة المرتبط بالثقافة السياسية إلا ان هناك ضرورة لنشر ثقافة التطوع وإرسائها عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية, مع التركيز علي قطاعين علي درجة عالية من الأهمية وهما الشباب والنساء. فالظواهر والدراسات الميدانية تشير إلي انسحاب الشباب من العمل التطوعي وقصور مشاركتهم السياسية كما تشير إلي تراجع المرأة عن العمل الطوعي حتي في الميدان التقليدي لها وهو الجمعيات الاهلية.
خلاصة إن القضايا والاشكاليات السابقة تحدد مستقبل المجتمع المدني في مصر, ولا يعني طرحها رسم صورة قاتمة للمجتمع المدني, وإنما تهدف إلي توفير رؤية واقعية للوضع الحالي, وصياغة مستقبل قادر علي مواجهة التحديات. ولو أمعنا النظر في القضايا والاشكاليات, سوف نتبين ان البعض منها يرتبط بطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة, والبعض يرتبط بسمات الثقافة المدنية في اللحظة الحالية, والبعض الآخر يرتبط بالابنية المؤسسية المدنية والقدرة علي تطويرها. إننا نتطلع إلي مجتمع مدني صحي وقوي, له رؤية نقدية في مواجهة عملية التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي, ويلعب دور الفاعل في عملية التغيير هذه, ويهدف إلي تمكين المواطن. إن مؤتمر الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية, الذي عقد في مصر يومي17,16 ديسمبر عام2002, قد طرح بصراحة وبواقعية تحديات مستقبلية تواجه المجتمع المدني, واشكاليات علينا أن نتصدي لها حتي يتحقق اسهام الجمعيات الأهلية في تحديث مصر. |
|
|
|
|
|