قضايا و اراء

42388‏السنة 126-العدد2002ديسمبر26‏22 من شوال 1423 هـالخميس

وراء الحقيقة
استيراد التكنولوجيا وكيف نوظفها؟
بقلم: محمد التهامي

لاتثريب علي أحد المحافظين حين تضيق أمامه السبل وتتراكم العقبات والمعوقات وتتجمع وتتزاحم المستحيلات في سبيل نظافة الشوارع والمنازل في المحافظة‏..‏ لاتثريب عليه في أن يلجأ إلي عمل غير مسبوق وغير مستساغ وهو ان يعهد إلي شركات أجنبية لتتولي الأمر وتنوب عن المواطنين في تنظيف أنفسهم ومرافقهم‏..‏ ثم تنتقل العدوي من محافظة الاسكندرية إلي محافظة الجيزة لتسري بعد ذلك إلي البلد كله‏.‏
ومما استلفت النظر أن بعض صحفنا علي ما اعتدنا عليه من المسليات حفلت برسوم الكاريكاتير للخواجات في الحواري وهم يجمعون القمامة كما حفلت بشكاوي الكناسين خشية البطالة واغفلت ما هو أهم وهو النظر في أبعاد المشكلة وتكييفها وادراجها ضمن النسيج العام للحركة الحضارية التي نمارسها في هذه الأيام أو التي تدفعنا الظروف دفعا إلي أن نمارسها ولو قهرا عنا والتي تقول صياغتها النظرية أننا نشقي لنوفر العملة الصعبة لشراء أقصي درجات التكنولوجيا العلمية الحديثة لنستعملها أولا ثم نتعلمها ثانيا ثم ننتجها ثالثا لنتدرج في اطار الدول المتقدمة ونصل إلي أقصي درجات التحديث وهو شعار المرحلة الذي نرفضه جميعا قيادة وشعبا علي كل المستويات الرسمية والشعبية‏.‏

مع ذلك يبقي الأمل برغم ما وصلنا إليه في أن نستقبل هذه الشركات وأن نستوعبها من حيث الآلات والادارات ونظم الادارة وطريقة التشغيل وشيوع العلم في العمل واكتساب مهارة الانسان ونواصل العمل في مجالها حتي نتفوق عليها ونضع أقدامنا علي تراكم النجاح في هذا المجال لنثب إلي مواقع أخري في مجالات ثانية حتي نبني حضارتنا المنشودة‏.‏
ان الشعب المصري لايقل عن كل الشعوب المتقدمة بل هو يتملك جينات التفوق عليها ويقال ان مستوي ذكاء الطفل المصري أعلي من مستوي ذكاء أطفال هذه الشعوب ولدينا الدليل من آثارنا الجميلة العريقة الخالدة التي تصور الحياة المصرية العلمية والفنية التي سبقت الشعوب كلها في زمانها‏.‏

وقد كنا إلي أمد قريب نمارس نظافة شوارعنا وتماثيل مياديننا بأساليب كانت في وقتها ناجحة وعندما أخذت مشكلاتنا تتراكم وتراجعت نظافتنا كانت القيادات الرسمية والشعبية تبذل جهد الطاقة في سبيل النظافة ومازلت أذكر صور المشاهير أمثال أم كلثوم وتوفيق الحكيم وغيرهم في مجلة روزاليوسف وهم يكنسون أمام منازلهم ليكونوا قدوة لكل أفراد الشعب العريق الحريص ولاشك علي النظافة وهي أضعف الإيمان‏.‏
ومما أذكره أيضا في هذا المجال حينما كنت في سبعينيات القرن الماضي مديرا لمكتبة جامعة الدول العربية في أسبانيا أني سمعت وزير الصحة الأسباني يخطب في اجتماع أسباني عربي مشترك ويقول في تحيته ومجاملته للعرب‏:‏ اننا معاشر الاسبان تعلمنا من أسلافنا العرب المسلمين كيف نغسل وجوهنا خمس مرات في اليوم‏.‏

واذكر كذلك أني كنت في أمريكا عام‏1966‏ أشارك في مؤتمر الطلبة العرب وكنا نقيم في ضاحية مدينة كلورادو وعند رجوعنا في المساء إلي المنزل ألقي أحدنا عقب سيجارته علي أرض الشارع أمام الجراج وعند عودتنا في الليلة التالية خجلنا جدا عندما وجدنا عقب السيجارة ملقي في مكانة وهو وحدة يشوه نظافة الشارع مما دفع صاحبه إلي التقاطة ووضعه في جيبه‏.‏
وليس عيبا ولاعبثا ولاتكرارا أن أعيد وأزيد فيما سبق ذكره من أنه لاتثريب علينا في أن نستورد حتي شركات جمع القمامة ولكن العيب كل العيب هو ألا نتعلم منها ونتفوق عليها ونصنع كل ادواتها في بلادنا ونقوم بكل أعمالها بأيدينا وأن يكون هذا شأننا في غير النظافة من وسائل التقدم في كل نواحي الحياة ابتداء من الأرض التي نسير عليها إلي السماء التي نتطلع إليها ونطمع في الطيران فيها وان نتخلص من عنت المؤامرة العالمية علي منطقتنا فلا ننكرها لأنه لاشك في وجودها ولكن لانستعملها مشجبا نعلق عليه أخطاءنا بل نتعلم كيف نتغلب علي معوقاتها بكل ما نستطيع من جهد وتضحية ومعاناة لنخرج من عنق الزجاجة ونثب إلي ذروة التحديث وحينذاك نضمن لأجيالنا القادمة حقهم في المكان اللائق بهم بين الشعوب المتقدمة فهم أهل لذلك بما ورثوه في أعماقهم وبما ينجزونه بأيديهم وعقولهم وعلمهم وعملهم ولامناص من أن نواجه الحقيقة وهي أنه قد كتب علي جيلنا المناضل أن يطوع الصعب وان يضاعف الجهد وان يحمل عبء ريادة آفاق التقدم ابتداء من نظافة المدن وحسبنا ان الله سبحانه وتعالي لايضيع أجر من أحسن عملا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية