قضايا و اراء

42388‏السنة 126-العدد2002ديسمبر26‏22 من شوال 1423 هـالخميس

نهر الوزاني وملف الأمن المائي العربي‏(4)‏
استحداث وتنشيط آليات التعاون المائي العربي
بقلم: د‏.‏ أحمد يوسف القرعي

لاتزال إسرائيل تستبيح لنفسها‏(‏ كما أوضحت المقالات السابقة‏,‏ سرقة المزيد من مياه الاراضي العربية المحتلة‏(‏ علي حساب السكان العرب‏)‏ أكثر من أي وقت مضي وتحكم سيطرتها علي كل نقطة ماء تسقط فوق الضفة الغربية أو تجري تحت أرضها وتقنن الاستهلاك العربي بتحديد كمية المياه الواجب صرفها من قبل العرب أو سحبها من الآبار الارتوازية وأكثر من هذا‏,‏ فإن إسرائيل تساوم مساومة غير الشرفاء في تقنين حقوق قانونية لها في بعض الأنهار العربية وفي مقدمتها نهرا الليطاني والوزاني فهي تتلكأ وتتعنت رغم انسحابها من جنوب لبنان في إعطاء اللبنانيين حقوقهم المسلوبة من المياه بما يكشف دوافعها من احتلال الجنوب اللبناني‏(1982‏ ـ‏2000)‏ وإقامتها للحزام الأمني‏,‏ والحقيقة أنه حزام مائي بدليل أن نهر الحصباني يدخل ضمن الحزام الأمني المزعوم نبعا ومجري ومصبا في بحيرة الحولة بعد أن يلتقي بنهر بانياس‏.‏
وفي ظل ظروف عربية صعبة‏,‏ فإن الأمر يتطلب استحداث وتنشيط الأطر والآليات المعنية بالأمن المائي العربي التي يمكن ـ بالإرادة السياسية الواحدة والموحدة أن تكون سندا للمفاوض العربي علي مختلف المسارات الثنائية ومتعددة الأطراف إذا قدر لها أن تنعقد وتقديم رؤية عربية موحدة لقضية المياه في المحافل الدولية وليس خافيا أن عمل مثل تلك الأطر والآليات لن يبدأ من فراغ فهناك أوراق وأبحاث وتقارير ووثائق مراكز البحوث والدراسات العربية العديدة والمتنوعة بشأن قضية المياه التي يجب أن تكون مرجعيات العمل العربي المشترك وأداة ربط وتنسيق بين جهود الباحثين والخبراء العرب بشئون المياه في المنطقة وبشئون المياه علي مستوي المعمورة من منظور القانون الدولي‏,‏ قضية المياه تستحق إذن وقفة عربية حاسمة لاتحتمل التعليق علي قضية أخري و التأجيل لموسم آخر وتتطلب حلا عربيا متكاملا غير تقليدي لعل أبرز عناصره استحداث وتنشيط آليات وأطر عربية معنية بالعمل المائي العربي المشترك

اولا‏:‏ اجتماع دوري مشترك لوزراء الري والزراعة والاقتصاد والخارجية والإعلام‏:‏ مع التقدير لدور وزراء الري والموارد المائية والزراعة الذين يلتقون عادة في مؤتمر سنوي ويحرصون علي محاولة التنسيق وتبادل الرأي فيما يخص الأمن الغذائي العربي بصفة عامة‏,‏ إلا أن مؤتمر هؤلاء الوزراء ليس مؤهلا وحده لمناقشة ما يدعي باستراتيجية مائية عربية موحدة‏,‏ فالأمر جد خطير فقد ينجح وزراء الري والموارد المائية العربية في وضع تصورات ما في مثل هذه الاستراتيجية‏,‏ إلا أن وزراء كل من الخارجية والدفاع والاقتصاد العرب لهم تصوراتهم التي لاغني عنها باعتبار أن قضية المياه أصبحت في عالم اليوم من أبرز قضايا الأمن القومي‏.‏
والأجدي أن يتدارس الوزراء المتخصصون مثل هذه الاستراتيجية من أبعادها المختلفة ثم يتركوا لقادة الأمة اتخاذ قرارهم السياسي بإقرار مثل هذه الاستراتيجية في مؤتمر القمة الدوري أو مؤتمر قمة خاص بالمياه العربية‏.‏

ثانيا‏:‏ استحداث قمة سنوية لرؤساء مجالس الوزراء العرب كآلية جديدة علي أن تتمتع بصلاحيات سياسية تفوق اجتماع مجلس الجامعة علي مستوي وزراء الخارجية فقط كالمعتاد‏.‏ واستحداث تلك القمة فيما بين دورتي انعقاد القمة العربية في مارس أو أبريل من كل عام من شأنه تسيير وتنشيط دولاب العمل العربي المشترك خلال تلك الفترة‏.‏
ولا شك في أن انعقاد مجلس الجامعة علي مستوي رؤساء الحكومات وبحضور وزراء الخارجية والدفاع والري والاقتصاد يمكن أن يشكل آلية عربية جديدة تناقش قضية المياه وكل قضية طارئة لا تحتمل التأجيل‏,‏ فالقضية قضية أمن قومي عربي مما يتطلب فعلا التعجيل باستحداث مثل تلك الآلية‏.‏ وإذا رجعنا إلي مشروع تعديل ميثاق الجامعة العربية فسوف نجد أن المشروع قد أسند إلي هذا المجلس مسئوليات مهمة منها رسم السياسة العامة للعمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وفقا للاستراتيجية العربية للتنمية التي يقرها مؤتمر القمة كما يضع الخطط والبرامج المتصلة بها ويتابع تنفيذها وتقدمها في كل مرحلة‏.‏

ومما يضفي أهمية علي مسئوليات مجلس رؤساء الحكومات العربية العمل علي هدي عدة مبادئ في مقدمتها تحييد العمل الاقتصادي الاجتماعي العربي المشترك بالتزام الدول العربية بإبعاده عن الخلافات السياسية الطارئة وتعهدها بضمان أقصي حد من الاستقرار لهذا العمل‏.‏ ومثل هذا المبدأ يهيئ مناخا صالحا لمناقشة قضية المياه العربية التي تشكل أعلي مراحل المصلحة العربية العليا‏.‏ ومن المبادئ الأخري نذكر أيضا وضع السياسات التي يتطلبها الأمن الاقتصادي والاجتماعي العربي بمختلف جوانبه‏.‏
ثالثا‏:‏ تشكيل اللجنة السياسية الفنية القومية للمياه‏:‏ وهي اللجنة التي سبق لمجلس الجامعة العربية التوصية بإنشائها لتتولي دراسة جميع الجوانب المتعلقة بالأمن المائي العربي‏.‏

لقد تدارك مجلس الجامعة العربية أهمية إنشاء مثل هذه اللجنة منذ انعقاد مؤتمر مدريد عام‏1991,‏ وللأسف الشديد فإن المفاوض العربي دخل هذا المؤتمر وبعده جولات المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف غير مستند إلي موقف موحد بشأن المياه العربية والترتيبات المائية لا تقل أهمية عن الترتيبات السياسية علي مختلف مسارات التفاوض العربية الإسرائيلية‏.‏
رابعا‏:‏ إنشاء لجنة فنية سياسية للمياه تتولي دراسة جميع الجوانب المتعلقة بالأمن المائي العربي وعلي وجه الخصوص وضع استراتيجية مائية عربية ومساعدةالشعب الفلسطيني في نضاله لاستعادة حقوقه المشروعة في موارده المائية‏.‏

خامسا‏:‏ تشجيع تأسيس الهيئة المشتركة بين الدول الأربع المتشاطئة لحوض الأردن‏(‏ سوريا ـ لبنان ـ الأردن ـ فلسطين‏).‏
سادسا‏:‏ إنشاء مركز للدراسات المائية والأمن المائي العربي ومن مهامه الاهتمام بالجوانب السياسية والقانونية المتعلقة بالأمن المائي العربي بوجه عام‏.‏

وأخيرا فإن أي اتفاق للسلام العادل والدائم سوف يكون هشا ولن يعمر طويلا إذا أغفل الحقوق العربية في المياه لصالح الاحتياجات‏(‏ بل الأطماع‏)‏ الإسرائيلية التي لا تتورع عن الإعلان عنها وكأنها حق مكتسب‏.‏ ومثل تلك الآليات والأطر المقترحة تؤكد حقوقنا المائية وتجهض محاولات دول المنبع والتقليل من تدفق المياه لدول المصب وتقرر مبدأ التعويض عن سرقة المياه من قبل قوات الاحتلال العسكري‏.‏
وعندئذ يصبح من حقنا كعرب أن نستعيد قيمة ما سرقته إسرائيل من المياه العربية منذ عام‏1967.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية