قضايا و اراء

42388‏السنة 126-العدد2002ديسمبر26‏22 من شوال 1423 هـالخميس

هـــــذا هــــو الإســــلام‏(47)‏
معجزات الرسل الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ خيردليل علي صدقهم
فضيلة الإمام الأكبر
بقلم: د‏.‏ محمد سيد طنطاوي
شيخ الأزهر الشريف

لقد اقتضت حكمة الله ـ تعالي ـ ان تكون معجزة كل نبي من جنس ما نبغ فيه قومه‏,‏ وان يتحدي بها من أرسل اليهم‏,‏ وبذلك تكون حجته علي قومه أوقع‏,‏ وإلزامه لهم أتم‏,‏ والاقتناع بها أعظم لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد
ولقد كانت المعجزات التي أيد الله ـ تعالي ـ بها نبيه موسي ـ عليه السلام ـ من أوضح الأدلة‏,‏ ومن أسطع البراهين‏,‏ علي انه صادق فيما بلغه عن ربه‏..‏

ولقد أدي ظهور هذه المعجزات علي يد موسي ـ عليه السلام ـ الي ان آمن سحرة فرعون‏,‏ لاعتقادهم بأن ماجاء به موسي ـ عليه السلام ـ ليس سحرا‏,‏ وانماهو شيء فوق طاقتهم‏,‏ لانه لو كان سحرا الاستطاعوا هم ان يقابلوه بما هو أعظم منه‏,‏ لأنهم هم اساتذة السحر في عهدهم‏..‏
كما أدي ظهور هذه المعجزات علي يد موسي ـ عليه السلام ـ ان أعلن فرعون عندما أدركه الموت أن قال‏:‏ آمنت أنه لا إله الا الذي أمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين‏.‏

‏***‏
وقصة المعجزات الي أيد الله ـ تعالي ـ بها سيدنا موسي ـ عليه السلام ـ والمحاورات التي دارت بينه وبين فرعون‏,‏ قد وردت في سور متعددة منها‏:‏ سورة الشعراء‏,‏ وطه‏,‏ والأعراف‏,‏ والنمل‏,‏ والاسراء‏..‏
ومن أجمع الآيات التي فصلت الحديث عن المحاورات المتنوعة الي دارت بين موسي عليه السلام ـ وفرعون‏,‏ ومن المعجزات التي أيد الله ـ تعالي ـ بها نبيه موسي ـ عليه السلام‏..‏
من أجمع هذه الآيات ما جاء في سورة الشعراء من عشرات الآيات تبدأ بقوله ـ سبحانه ـ‏(‏ واذ نادي ربك موسي أن أتت القوم الظاليمن قوم فرعون الا يتقون‏)‏ سورة الشعراء‏:‏ الآيتان‏11,10‏ والمعني‏:‏ واذكر ـ أيها العاقل لتزداد ايمانا علي ايمانك ـ وقت ان نادي ربك نبيه موسي ـ عليه السلام ـ وقال له‏:‏ ياموسي‏,‏ أذهب إلي القوم الظالمين وهم قوم فرعون الذين تركوا عبادتي‏,‏ لكي تأمرهم باخلاص العبادة لي‏,‏ وقل لهم اما آن الاوان لكي يتركوا عبادة فرعون‏,‏ ويخلصوا العبادة لي فأنا خالقهم وخالق فرعون؟

ثم قص علينا ـ سبحانه رد موسي ـ عليه السلام ـ فقال‏:(‏ قال رب اني اخاف ان يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني‏,‏ فأرسل الي هارون ولهم علي ذنب فأخاف ان يقتلون‏.‏
أي‏:‏ قال موسي ـ عليه السلام ـ في رده علي خالقه ـ عزوجل‏:‏ يارب اني اخاف ان يكذبني هؤلاء القوم الظالمون‏,‏ وينتابني الغم والحزن بسبب تكذيبهم لي‏,‏ ويعجز لساني عن إقناعهم‏,‏ فأرسل معي أخي هارون ليعاونني‏..‏

وفضلا عن كل ذلك فان هؤلاء القوم أنا قد قتلت منهم شخصا‏,‏ فأخاف ان ذهبت اليهم ان يقتلوني وقد رد الله تعالي علي نبيه موسي بقوله‏:(‏ قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل
أي‏:‏ قال الله ـ تعالي ـ لنبيه موسي‏:‏ ياموسي‏,‏ كلا لا تخف فأنت وأخوك في رعايتي فاذهبا ومعك ياموسي معجزاتي التي سأويدك بها‏,‏ وقل لفرعون اني رسول رب العالمين‏,‏ وقد ارسلني اليك لتطلق سراح بني اسرائيل‏.‏

‏***‏
وبعد هذا التوجيه من الله ـ تعالي ـ لنبيه موسي ـ عليه السلام ـ قص علينا القرآن الكريم مادار بين موسي وفرعون من محاورات فقال ـ تعالي ـ‏(‏ قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين‏,‏ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين‏.‏
أي‏:‏ قال فرعون لموسي بعد ان التقي به ياموسي الم يسبق لك ان عشت في بيتي فترة من الزمان‏,‏ وقتلت رجلا من شيعتي وانت من الجاحدين لنعمتي‏,‏ وبعد كل ذلك جئتني انت واخوك لتطلبا مني عبادة ربكما وان ارسل معكما بني اسرائيل فهل هذا جزاء احساني اليك؟

ولكن موسي عليه السلام رد عليه ردا شجاعا حكيما فقال له‏:(‏ قال فعلتها اذا وأنا من الضالين ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي ان عبدت بني إسرائيل؟
أي‏:‏ قال موسي في جوابه علي فرعون‏:‏ يافرعون انا قتلت الرجل الذي من شيعتك خطأ لأني كنت أجهل ان هذه الضربة تقتله‏,‏ فلما حدث مني ذلك فررت منك ومن قومك‏,‏ فأعطاني ربي النبوة‏,‏ وان ما تمن به علي هو في الحقيقة نقمة وليس نعمة‏,‏ لأنك قد استعبدت قومي وانا واحد منهم‏,‏ وذبحت ذكورهم‏,‏ وابقيت إناثهم فهل هذه نعمة؟‏!!‏

وبهذا الجواب التوبيخي أفحم موسي ـ عليه السلام ـ فرعون‏,‏ وجعله يحول الحديث عن هذه المسألة التي تتعلق بتربية موسي في بيته‏,‏ الي الحديث عن رب موسي فقال‏:‏ وما رب العالمين؟ أي‏:‏ قال فرعون لموسي‏:‏ ومارب العالمين الذي تطالبني بعبادته؟
فيجيبه موسي‏:‏ ربنا هو‏(‏ رب السموات والارض وما بينهما ان كنتم موقنين‏)‏ وفي هذا الجواب‏:‏ استصغار لحال فرعون‏,‏ وتحقير له‏,‏ فكأن موسي يقول‏:‏ ربنا هو رب هذا الكون‏,‏ اما ربوبيتك يافرعون فهي كاذبة‏,‏ وهنا يلتفت فرعون الي من حوله فيقول لهم‏:(‏الا تستمعون‏)‏ الي مايقوله موسي من أقوال غريبة وعجيبة؟

فيجيبه موسي في الحال‏:‏ الله ـ تعالي ـ هو‏(‏ ربكم ورب آبائكم الأولين‏)‏ سواء أرضيتم أن لم ترضوا وهنا يقول فرعون بغضب‏:(‏ إن رسولكم الذي ارسل اليكم لمجنون‏)‏ أي‏:‏ ان موسي الذي يخاطبكم ياقومي رجل مجنون‏,‏ لأنه يأمركم بترك عبادتي أنا‏,‏ ويلزمكم بعبادة إلهه هو‏.‏
ولكن موسي ـ عليه السلام ـ لم يلتفت الي بذاءة فرعون بل رد عليه بقوله‏:‏ ربي وربكم هو‏(‏ رب المشرق والمغرب وما بينهما ان كنتم تعقلون‏)‏ اي‏:‏ ان كانت لكم عقول تعقل ما قلته لك يافرعون‏,‏ وما قلته لكم ايها الملأ من قوم فرعون‏.‏

وهنا استشاط فرعون غضبا وقال لموسي‏:(‏ لئن اتخذت الها غيري لأجعلنك من المسجونين‏).‏
أي‏:‏ لئن اتخذت الها غيري ياموسي لأجعلنك واحدا من بين المسجونين في سجني‏,‏ فهذا شأني مع من يعصي أمري‏.‏ ولكن موسي ـ عليه السلام ـ لم يأبه لهذا التهديد من فرعون‏,‏ بل رد عليه ردا حكيما فقال له‏:(‏ أولو جئتك بشئ مبين‏)‏ أي‏:‏ قال موسي لفرعون أتجعلني في سجنك حتي ولو جئتك بمعجزة واضحة تدل علي صدقي وعلي أني رسول من رب العالمين؟
فيرد فرعون علي موسي بقوله‏:(‏ فأت به ان كنت من الصادقين‏)‏ اي‏:‏ قال فرعون لموسي علي سبيل التحدي فأت بهذا الشئ المعجز الواضح ان كنت من الصادقين في دعواك أنك رسول من رب العالمين‏!!‏

‏***‏
وهنا كشف موسي ـ عليه السلام ـ عما أيده الله ـ تعالي ـ به من معجزات حسية خارقة فألقي عصاه علي الأرض امام فرعون وقومه فاذا هي ثعبان مبين أي‏:‏ فاذا هي حية عظيمة كاملة الوضوح‏.‏
ووصف ـ سبحانه ـ عصا موسي بأنها تحولت الي ثعبان مبين‏,‏ ووصفها في موضع آخر بأنها تحولت الي حية تسعي‏,‏ ووصفها في موضع ثالث بأنها صارت تهتز كأنها جان‏..‏

ولا تعارض بين هذه الأوصاف‏,‏ لأن الحية اسم جنس يطلق علي الصغير والكبير‏,‏ وعلي الذكر والانثي والثعبان‏:‏ هو الضخم منها‏,‏ والجان‏:‏ هو الحية الصغيرة الجسم‏,‏ السريعة الحركة‏.‏
ولم يكتف موسي ـ عليه السلام ـ بهذه المعجزة وهي تحول عصاه الي ثعبان عظيم‏,‏ في الدلالة علي صدقه في رسالته بل‏(‏ نزع يده‏)‏ من جيبه‏(‏ فاذا هي بيضاء للناظرين‏)‏

أي‏:‏ وأخرج موسي يده من جيبه فاذا هي بيضاء بياضا يخالف لون جسمه‏,‏ فهي تتلألأ كأنها قطعة من القمر‏,‏ ولها شعاع يغشي الابصار‏,‏ وليس فيها ما يشير الي ان بها سوءا أو مرضا‏.‏
وقد تكرر الحديث عن هذه المعجزة في مواطن شتي منها قوله‏..‏ تعالي ـ في اية اخري‏(‏ واضمم يدك الي جناحك تخرج بيضاء من غيرسوء أية اخري‏)(‏ سورة طه‏:22)‏

والضم‏:‏ الجمع يقال‏:‏ ضم فلان اصابعه اذا جمعها والجناح يطلق علي العضد والمراد باليد هنا‏:‏ كف يده اليمني‏,‏ والمعني‏:‏ واضمم ـ ياموسي ـ يدك اليمني الي عضد يدك اليسري بأن تجعلها تمتد عند الابط ثم اخرجها فانها تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض‏,‏ دون أن يتعلق بها أي سوء من مرض أو برص أو غيرهما‏,‏ وإنما يكون بياضها بياضا مشرقا بقدرة الله تعالي ـ وإرادته‏.‏
وخروج يدك ـ ياموسي ـ بهذه الصورة العجيبة‏,‏ سيكون معجزة أخري سوي معجزة العصا التي ألقيتها أمام فرعون وقومه‏,‏ فقد تحولت ـ بقدرة الله عز وجل ـ إلي حية تسعي‏.‏

وهاتان المعجزتان لموسي ـ عليه السلام ـ هما أعظم معجزاته‏,‏ كما قال ـ تعالي ـ‏:[‏ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء‏,‏ واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلي فرعون وملئه انهم كانوا قوما فاسقين‏].‏
أي‏:‏ أدخل ـ ياموسي ـ يدك في فتحة ثوبك‏,‏ تخرج بيضاء من غير مرض أو عيب‏,‏ وافعل ـ ياموسي ـ ما أمرناك به‏,‏ فإذا أفزعك أمر يدك وما تراه من بياضها وشعاعها‏,‏ فأدخلها في فتحة ثوبك‏,‏ تعد إلي حالتها الأولي‏,‏ وإذا أصابك خوف عندما ينظر لعصاك وقد تحولت إلي ثعبان عظيم‏,‏ فاضمم يدك إلي صدرك يذهب عنك الخوف‏,‏ واعلم ـ ياموسي ـ أن هاتين المعجزتين ـ وهما العصا واليد ـ هما أعظم معجزاتك وأقواها‏,‏ فاذهب بهما إلي فرعون وقومه‏,‏ لعلهم عند رؤيتهما يثوبون إلي رشدهم‏,‏ ويعترفون لك بالنبوة‏,‏ وبأنك صادق في دعوتك‏,‏ ان فرعون وقومه كانوا من القوم الفاسقين‏,‏ الخارجين من الحق إلي الباطل‏,‏ ومن الطاعة إلي المعصية‏.‏

وبعد أن أظهر موسي ـ عليه السلام ـ هاتين المعجزتين أمام فرعون وملئه‏,‏ أحس الجميع بالرعب يسري في أوصالهم‏,‏ وبأن ألوهية فرعون المزعومة قد أوشكت علي الانكشاف‏,‏ وأن ماجاء به موسي من معجزات يوشك أن يجعل الناس يؤمنون به‏..‏
ولكن فرعون التفت إلي حاشيته وكأنه يحاول جذبهم إليه‏,‏ واستطلاع رأيهم فيما شاهدوه‏,‏ فأشاروا إليه بأن يجمع كبار السحرة في مملكته لكي ينازلوا موسي ـ عليه السلام ـ ويأتوا بسحر أشد ـ مما رآه من موسي‏...‏

وتحدد يوم العيد ليكون موعدا للمبارزة بين موسي ـ عليه السلام ـ والسحرة‏,‏ وتجمع الجميع في هذا اليوم وعلي رأسهم فرعون‏,‏ وقال السحرة لموسي‏:(‏ ياموسي إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقي‏).‏
أي‏:‏ وقال السحرة لموسي إما أن تلقي عصاك قبلنا‏,‏ وإما أن تتركنا لنلقي حبالنا وعصينا من قبلك؟

فقال لهم موسي بل ألقوا أنتم ما معكم أولا ففعلوا‏,‏ فإذا حبالهم وعصيهم التي طرحوها‏,‏ جعلت موسي لشدة اهتزازها‏,‏ يخيل إليه من شدة سحرهم أنها حيات تسعي‏..‏ ثم ألقي موسي عصاه فابتلعت كل ماصنعه السحرة من تمويه وخداع‏,‏ فما كان من السحرة بعد أن رأوا وشاهدوا ذلك‏,‏ إلا أن قالوا‏:(‏ آمنا برب هارون وموسي‏).‏
ولم يلتفتوا إلي تهديد فرعون بل قالوا له بكل شجاعة وقوة‏:(‏ لن نؤثرك علي ما جاءنا من البينات‏,‏ والذي فطرنا‏,‏ فاقض ما أنت قاض‏,‏ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا‏,‏ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا‏,‏ وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقي‏).‏

وهكذا كانت معجزات موسي ـ عليه السلام ـ علي رأس الأسباب التي جعلت عددا كبيرا من الناس يؤمنون بالحق‏,‏ ويخلصون العبادة لله الواحد القهار‏.‏
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال‏:[‏ ما أعجب أمر هؤلاء السحرة‏,‏ لقد ألقوا حبالهم للكفر والجحود‏,‏ ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود‏,‏ فما أعظم الفرق بين الالقاءين‏].‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية