قضايا و اراء

42388‏السنة 126-العدد2002ديسمبر26‏22 من شوال 1423 هـالخميس

أسئلة إجبارية تحتاج إلي فكر جديد‏!‏
بقلم: مرسي عطا الله

عندما دعوت الأسبوع الماضي من هذا المكان إلي ضرورة تحرير الفكر العربي وتحديثه فان منطلقي إلي هذه الدعوة كان مزيجا من الاحساس بالخطر الراهن الذي تواجهه الأمة العربية في هذه اللحظات المصيرية من ناحية والاستشعار بقتامة الصورة المستقبلية اذا استمر بقاؤنا في أوضاع العجز والحيرة والتردد من ناحية أخري‏..‏ وأعتقد ـ ولست وحدي في هذا الاعتقاد ـ بأن الخروج من المأزق الراهن بأقل التكاليف والتأهب للمستقبل بأفضل استعداد لايمكن بلوغه بأي نوع من أنواع القوة المؤهلة لذلك في غيبة من قوة وحداثة التفكير الذي يعيد صياغة العقل العربي علي أسس سليمة‏.‏

‏***‏
والحقيقة انه إذا كان للانسان من امتياز حصل عليه في هذا الكون الفسيح المليء بالكائنات الحية الأخري‏,‏ فانه امتياز التفكير الذي وفره الله للانسان بعد أن منحه العقل الذي يعوضه عن ضخامة الجسم والبدن المتوافرة لبعض الكائنات أو رقة المشاعر والاحاسيس عند بعض الكائنات الأخري‏.‏
وليست هناك قوة حتي الآن تعادل قوة التفكير الانساني‏,‏ لان كل مدهش وعجيب من غرائب العلم والتكنولوجا يرجع الفضل فيه إلي عقل الانسان الذي فكر وخطط وأعطي اشارة التنفيذ‏!‏

والفرق بين عقل الانسان وتفكيره وبين عقل الانسان الآلي وتفكيره ان الانسان يملك مرونة فكرية أكبر بكثير مما يتوافر للرجل الآلي المسمي بالكمبيوتر‏!‏
واذن فان مرونة التفكير هي جوهر ومصدر قوة التفكير التي يتميز بها الانسان عنه سائر الحيوانات الأخري وعن سائر الاختراعات الحديثة العظمي مهما توافر لها من برامج ومعلومات‏.‏

ومن المؤكد أن مرونة التفكير هي التي جعلت الانسان ملكا ومتوجا علي امتداد هذا الكون الفسيح لان هذه المرونة وفرت للانسان القدرة علي أن يعيد صياغة كل شيء بما في ذلك سلوكه الانساني وفق متغيرات الحياة ومتطلباتها‏,‏ في حين أن كثيرا من الكائنات الحية لاتستطيع أن تطور من سلوكها برغم ما تتميز به من نظام وانضباط ومهارة واتقان‏!‏
وعلي سبيل المثال فان جماعات النحل تعيش معيشة اجتماعية تعد مثالا يحتذي به في النظام والدقة والقدرة علي توزيع المسئوليات‏..‏ ولكنه مجرد سلوك غريزي يتصف بالثبات ولايكاد يتناوله أي تغيير أو تبديل‏..‏ فجماعات النحل الحالية تعيش كما كان يعيش اجدادها منذ ملايين السنين‏,‏ وكما سوف يعيش احفادها بعد ملايين السنين‏,‏ أما السلوك الانساني فيتغير ويتعدل ويتبدل طبقا للظـروف والمتغيرات وبما يلبي المطالب والاحتياجات ويتماشي مع رغبات التحديث والتطوير اعتمادا علي ذكاء المرء ومرونة تفكيره‏!‏

ان مرونة التفكير تعني ببساطة ان المرء ينبغي أن يملك القدرة الدائمة علي مراجعة كل شيء وتصحيح أي شيء يري بعين بصيرته وبرصيد خبرته أنه يحتاج إلي المراجعة والتصحيح بعد أن تكشفت الأسرار واتضحت الأمور وأصبح ما كان خفيا ومجهولا أمرا ظاهرا ومعلوما‏!‏
ولاشك أن مرونة التفكير عند الانسان هي التي تساعد علي استمرار فتح ابواب الأمل ومواصلة السعي لبلوغ الأهداف بعد التغلب علي جميع العقبات‏.‏

وهذه المرونة الفكرية لاتكتسب بالوراثة وانما تجيء بالتجربة والممارسة‏,‏ فكلنا نولد بعقولنا وبداخلها قدر لا بأس به من الذكاء‏,‏ ولكن الفرق بين انسان وآخر أن هناك من يتصور انه يستطيع أن يعيش إلي الابد بفكره وحده‏,‏ بينما أصحاب المرونة الفكرية هم أولئك الذين يستفيدون من أفكار من سبقوهم ومن يعاصرونهم‏!‏
ولعله ليس اكتشافا من جانبي أن أقول إن المرونة الفكرية مرادف طبيعي للديمقراطية السياسية‏,‏ وان الجمود الفكري علامة مميزة للمجتمعات التي تحكمها انظمة ديكتاتورية‏.‏

والسبب في ذلك أن الديمقراطية تحترم ذكاء الفرد وتمنح له أوسع مساحة للعمل دون قيود الا مايضر الصالح العام حتي لايكون هذا الذكاء مدخلا لتدمير المجتمع أو الحاق الضرر به‏.‏
وكل الانظمة الديمقراطية تتباهي بمدي ما تمنحه من مساحة لتنمية قدرة الافراد علي التفكير السليم وتهيئة الاجواء الملائمة للابتكار والابداع وكشف الأسرار وانجاز الاختراعات‏.‏

ومن أسف أن البعض ـ عندنا ـ لايري في الديمقراطية إلا حرية الصراخ والعراك وتبادل الشتائم والاتهامات وأغلب هؤلاء من الذين يصرون علي العيش في أجواء الجمود الفكري ويخاصمون الميزة النسبية التي منحها الله للانسان عن طريق مرونة التفكير‏.‏
وهؤلاء البعض هم أخطر اعداء الديمقراطية ـ في بلادنا ـ برغم أنهم يرتدون ثيابها وينطقون مفرداتها‏,‏ لان الديمقراطية في البداية والنهاية نوع من أمانة المسئولية‏,‏ وإذا لم يعرف الفرد كيف يصون الأمانة ويحسن التصرف فان الديمقراطية قد تتحول تدريجيا إل ديكتاتورية مقنعة أو سافرة‏!‏
‏***‏
واذن ماذا؟
إن علينا أن ندرك أننا نعيش عصرا جديدا بمفاهيم جديدة‏,‏ عصر تتزايد فيه المطالب وتتسع فيه مساحة الطموح في الحرية والديمقراطية والاستقلال والسيادة الوطنية واستعادة اجواء الشموخ القومية‏,‏ ومن هنا فان بعض دعوات التضامن والتكامل العربي ترتبط دائما باحلام عريضة تحتاج لتحقيقها إلي إعادة استنساخ زمن الخوارق والمعجزات‏!‏
والذين يحلقون في سماوات الأحلام العربية لابد لهم أن يدركوا أن زمن المعجزات قد انتهي منذ أن اكتملت الرسالات السماوية‏,‏ ولم تعد البشرية بحاجة إلي نبي جديد بعد نبي الله محمد سيد الانبياء وخاتم المرسلين‏,‏ ومن ثم فان أمل الاقتراب من منطقة الحلم يرتهن نجاحه بأن يتوافر علي إدارة معركة التضامن والتكامل الذي تنشده الأمة اناس من ذوي الكفاءة العالية والخبرة المتميزة التي تجمع بين حكمة الشيوخ وجرأة الشباب تحت مظلة شفافة من النقاء والنزاهة‏,‏ والاخلاص‏,‏ والتفاني‏!‏

وعندما يحلم الناس بمواكبة العصر ومتغيراته فانهم لايكونون معنيين بأكثر من الرغبة في تأمين احتياجات الحاضر وضمان القدرة علي التعامل مع الغد‏,‏ خصوصا في عصر تقتحم تحدياته ومخاطره عقول الناس ومشاعرهم بغير استئذان في ظل نهضة المعرفة المعلوماتية التي وفرتها ثورة الاتصالات وأصبح العالم في ظلها مجرد قرية صغيرة بالفعل‏!‏
لقد أصبحت قمة الحلم لدي عقلاء الأمة هي أن يعود الوعي والرشد للعقول التي جرفتها تيارات الحضارة المزعومة وثقافة التغريب بعيدا عن قيم وتقاليد مجتمعنا العربي الذي عاش سنوات الهناء والسعادة بمفهوم القناعة التي لاتعرف التواكل وحق الطموح الذي لايقترب من المستحيل ومنهج الصمود الذي لامجال فيه للتنازل أو الاستسلام‏!‏

ليست القضية إذن في مجرد التعلق بشعارات التضامن والتكامل وانما القضية هي كيف نشترك جميعا في أن نضمن سرعة الانتقال بهذه الشعارات إلي أرض الواقع وحيز التنفيذ من خلال ثقافة جديدة تنتصر للوطنية والانتماء وتخاصم الانانية والانعزالية وحب الذات‏!‏
بوضوح شديد أقول إن جوهر القضية يتمحور حول كيفية إيجاد اجواء صحية يشعر فيها الجميع حكاما ومحكومين بأن ذلك هو السبيل الوحيد لتجنب مخاطر المجهول الذي يتربص بمن يتخلفون عن اللحاق بالعصر وفهم مفرداته ومفاهيمه‏..‏ ثم إن المصائب عندما تحل لاتستثني احدا وانها سوف تصيبنا جميعا في مقتل‏!‏

القضية بوضوح إذن هي كيفية حشد كل قوي الأمة العربية خلف رايات التضامن والتكامل من أجل الفعل والانجاز‏,‏ وليس مجرد تغيير اللافتات واستحداث الشعارات‏!‏
ان وضوح الرؤية وجدية الاداء هما أهم ما نحتاجه الآن لكي نشعر بأننا نفعل شيئا يرتقي لمستوي ما نجابهه من تحديات وعندما يحدث ذلك يصبح الحديث عن الأمل في غد مشرق أمرا منطقيا ومقبولا يجد صداه بسرعة وإيجابية في صفوف الرأي العام الذي يصاب بالصدمة إذا لم يكن الشعار المطروح بشأن التضامن والتكامل يحمل في جوهره اختلافا جذريا يؤكد ان الأمر ليس مجرد كلام في الهواء وأن الهدف هو الارتقاء إلي مستوي الحلم في بناء قوة حقيقية للأمة والدفع بسياسات جديدة تعيد تصحيح الأمور تصحيحا سليما‏.‏

وما أحوج امتنا العربية الآن إلي قراءة أوراق العصر بمفاهيم جديدة ترتقي إلي مستوي الاخطاء وحجم التحديات وذلك لن يتحقق إلا من خلال مرونة فكرية مستنيرة تستند إلي ثقافة عصرية جديدة‏!‏

‏****‏
وأظن أن الحلم والطموح نحو قراءة أوراق العصر بمفاهيم جديدة يحتاج أول ما يحتاج إلي ضرورة توافر القدرة لدي الأمة العربية علي التصالح مع النفس‏.‏
والحديث عن المصالحة مع النفس ليس نوعا من الرومانسية السياسية‏,‏ كما يعتقد البعض وانما هو قراءة موضوعية لدروس التاريخ وتجارب الأمم‏..‏ وكل هذه الدروس والتجارب تؤكد بما لايدع مجالا لاي شك أن نقطة البداية الحقيقية نحو الانطلاق والتقدم ارتكزت علي قدرة الشعوب والدول علي بلوغ مرحلة المصالحة مع النفس‏..‏ وهي مرحلة لاتتحقق بالاكراه وانما تنشأ بالتراضي والاقتناع الذي يحتاج أول مايحتاج إلي مرونة فكرية مستنيرة وثقافة عصرية جديدة‏!‏
لعل أكون أكثر وضوحا وأقول انه ليس هناك ما يهدد مسيرة أي أمة سوي ابتعادها عن المصالحة مع النفس وابقاء تبعة الصراعات الذاتية التي تمزقها والمخاطر التي تهددها علي قوي خارجية مع أن الازمة في جوهرها أزمة صراعات مكتومة في الداخل‏..‏ وهذه الصراعات المكتومة هي التي تعطل قدرة الرؤية السليمة للقضايا والأحداث وتدفع بمسارات العمل القومي في اتجاهات مكلفة وربما غير مجدية من أجل استرضاء الغير والمصالحة مع الآخرين‏!‏

وعندما نتكلم عن المصالح مع النفس فاننا لانتكلم عن أمور تجيء طوعا وحسب اجتهاد كل فرد أو جماعة علي حدة وانما يتحقق التصالح المنشود من خلال نظام عام يحكمه ميثاق واضح المعالم يجري تطبيقه علي الجميع دون تمييز أو استثناء‏..‏ فالميثاق هو الفيصل والحكم وهو الخط الفاصل بين الخطأ والصواب بين المسموح به والمحظور الاقتراب منه‏!‏
وإذا كنا نقول إن سلام الأمم والشعوب هو السبيل الوحيد لتجنب البشرية جمعاء مخاطر الحروب والصراعات والفتن فان المصالحة مع النفس داخل الأمة الواحدة هي أبرز علامات قدرتها علي أن تبني سلاما مع نفسها قبل أن تبحث عن صنع وبناء السلام مع الآخرين‏,‏ وتتمكن من حماية نفسها من شرور الصراعات ومخاطر الفتن‏.‏

واذن فان سلام النفس لايتحقق إلا بعد بلوغ مرحلة التصالح مع النفس وعندما تنجح الأمة في بناء سلامها الذاتي مع نفسها يصبح سهلا عليها وميسورا لها أن تبني سلامها مع الآخرين من أرضية القدرة والتكافؤ‏!‏
ان الامة التي تتمكن من التصالح مع نفسها هي الأمة التي تتوافر فيها كل ضمانات احترام حقوق الجوار ومراعاة عدم طغيان المصالح الذاتية علي المصالح المشتركة وتوحد الرؤية باتجاه المستقبل بعيدا عن عقد الماضي وحساسياته البغيضة‏.‏
والأمة التي تتمكن من التصالح مع نفسها هي الأمة التي تتكافأ فيها الحقوق مع الواجبات ويسبق فيها الاحساس بالواجب والمسئولية والرغبة في العطاء والتضحية علي آية مطالب أو استحقاقات في ظل شعور صادق بأن العائد والمردود سوف يلقي بفضائله وخبراته علي الجميع دون استثناء‏.‏

‏****‏
ثم أصل إلي قرب الختام في حديث أعرف مدي حساسيته وإقول أن الامة العربية ليست بحاجة إلي شئ الآن قدر احتياجها إلي تعلم واستيعاب اساليب التفكير الصحيح‏.‏
ثم لعلي أضيف قائلا‏:‏ ان معظم همومنا سببها غياب التفكير السليم‏!‏

وبعض عواصف الخطر التي هبت علينا ـ اخيرا ـ دون استئذان في عدة اتجاهات سببها الاساسي جمود الفكر وعدم الاستخدام الصحيح للمرونة الواجبة التي تؤدي إلي التفكير الصحيح‏!‏
اننا بحاجة إلي روح جديدة ترتكز إلي فكر جديد يتواءم مع الأوضاع الدولية الراهنة وما استجد بها من قوانين مستحدثة ومتسارعة‏.‏

اننا أمام أوضاع جديدة وحسابات متغيرة تقتضي سرعة التوصل إلي حد ادني من وحدة الفكر العربي المشترك حول كيفية التعامل مع هذه الأوضاع والحسابات والموازين الجديدة‏.‏
لابد لنا ان نعيد قراءة الواقع الجديد وأن نجيب علي اسئلته الاجبارية وأهمها‏..‏ أين نحن من هذا الواقع الجديد‏..‏ وكيف نتعامل معه‏..‏ وما السبيل لكي نأخذه لمصلحتهم‏..‏ ولماذا لانفوت الفرصة علي من يريدون أن يوظفوا هذا الواقع الجديد لصالحهم وعلي حساب حقوقنا ومصالحنا المشروعة؟

وتلك ـ وغيرها ـ أسئلة جديرة بالاهتمام والبحث والتحليل في أوساط المفكرين والمثقفين فربما تساعد علي تخطي العديد من العقبات التي مازالت تحول دون تحرير الفكر العربي وتحديثه‏.‏
وأيضا فان هذه الاسئلة يجب أن تحظي باهتمام النظام العربي الرسمي وحكوماته لأن ذلك ربما يساعد علي تعديل بنود الأجندة العربية وطبيعة علاقات العرب ببعضهم البعض من ناحية‏,‏ وعلاقاتهم مع المجتمع الدولي ككل من ناحية أخري‏!‏

وليته لايغيب عن ذهن أحد منا أننا نعيش عصرا جديدا بمفردات جديدة أهمها ان العالم لايحترم الا اولئك الذين يثبتون علي أرض الواقع عمق معرفتهم لانفسهم ومايملكون من عناصر القوة قبل أن يحددوا أهدافهم الواضحة التي يريدون التحرك علي طريقها‏,‏ ويظهرون أقصي درجات الاستعداد لكي يعيشوا من أجل هذه الأهداف النبيلة‏...‏ وأيضا أقصي درجات الاستعدادات للموت من أجلها‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية