|
|
 |
الحميمية التي تميزت بها العلاقات المصرية- الهندية خلال خمسينات وستينات القرن العشرين, والتي رمز لها كل من الرئيس المصري جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو, لم تنشأ من فراغ, وإنما كان لها جذورها في ذات القرن وسابقه, بل في التاريخ الحديث عموما. من هذه الجذور ما هو معلوم من أن أغلب من مثلوا بريطانيا في العاصمة المصرية وقبضوا علي شؤون الحياة في البلاد كانوا من أبناء المدرسة الاستعمارية الذين تربوا في الهند, علي رأسهم السير إيفلين بيرنجBaring والذي عرف باسم اللورد كرومرCromer, وقد ظل يحكم مصر بقبضة حديدية لنحو ربع قرن(1883-1907), هذا فضلا عن أغلب من انبثوا في سائر الإدارات المصرية خاصة في الجيش والري والمالية.
منها ما هو معلوم أيضا أن سببا من أهم الأسباب التي دعت المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية إلي أن تكون جزيرة سيشل مقرا للمنفي الثاني للزعيم المصري الأشهر سعد زغلول, وليس سيلان التي سبق ونفي إليها أحمد عرابي, قرب الأخيرة من الهند, الأمر الذي دعا حاكمها إلي إبداء مخاوفه من أنه لو نفي سعد باشا إليها أن تصبح مزارا لرجال الثورة الهندية التي كانت قد تفجرت في نفس التوقيت تقريبا. تأسيسا علي ذلك لم يكن غريبا أن يهتم المصريون بتطورات الحركة الوطنية في الهند التي اتخذت مسارا فريدا منذ مطلع الثلاثينات, وكان لديهم من الأسباب ما يدفعهم إلي ذلك الاهتمام; الأزمة الاقتصادية العالمية التي عانت منها مصر والتي استثمرها الهنود علي نحو غير مألوف, نجاح قصر عابدين في الهيمنة علي شؤون البلاد من خلال عهد صدقي مدعوما بتأييد بريطاني غير معلن, وهو ما عاني منه الهنود علي أيدي حكام من المهراجات, وواجهوه بأسلوب جديد.. المقاطعة الشعبية أو العصيان المدني, ويبقي أخيرا تلك الأسطورة التي لفتت أنظار العالم, وليس المصريين وحدهم, الزعيم مهاتما غاندي, الذي أعاد إلي ذاكرة المصريين ذكري زعيمهم الراحل سعد باشا زغلول!
عبرت الأهرام عن ذلك الاهتمام في ملاحقتها لأخبار أعمال العصيان المدني التي تعاظمت خلال ربيع عام1930 منها ما جاء في4 مارس من أن غاندي سيطلب إلي موظفي القري أن يستقيلوا جملة ويسأل الفلاحين أن يسحبوا أقاربهم من خدمة الحكومة ويعلنوا المقاطعة الاجتماعية لموظفي الحكومة ومقاطعة المحاكم والمدارس' وسينصح المحامون المشتغلون بعدم دفع الضرائب حيثما يكون الناس مستعدين'. وتقدم جريدتنا وصفا ممتعا للميدان الأول من ميادين الصدام, وكان تحدي' ضريبة الملح' التي كانت قد فرضتها السلطات الاستعمارية علي تلك السلعة الحيوية, والسعي إلي الحصول عليه بأية وسيلة دون الالتجاء إلي مخازن الحكومة التي تحتكره, وبينما واجه الأمريكيون مثل هذا العمل من جانب السلطات البريطانية في ديسمبر1773 بالعنف, وذلك بإغراق السفن التي كانت تحمل تلك السلعة( الشاي) في ميناء بوسطون, فإن الهنود قد فعلوا أمرا مختلفا.
بدا ذلك في تجميع المتطوعين ليقصدوا مصادر الملح الطبيعي أينما كانت, في البحار أو الجبال لاستخراجه, وتوفيره للمستهلكين بسعر رمزي علي عكس نفس السلعة التي تبيعها مخازن الحكومة محملة بالضريبة الثقيلة, ويقدم مراسل الأهرام في بومباي وصفا لما كان يجري بقوله أن مظاهر العصيان المدني أخذت مظهرا جديدا وهو وجود عدد كبير من النساء بين المتطوعين' وقد أخذن يبعن الملح المهرب في أحياء المدينة وقد رزمنه في رزم متقنة وتحصلن علي أثمان طيبة', ويقول في موقع آخر أن حركة العصيان المدني امتدت إلي البنغال حيث تزايدت الاصطدامات بين المتطوعين ورجال البوليس وأن الأخيرين حاولوا انتزاع الملح من المتطوعين ولكنهم عجزوا عن ذلك. وعندما تصورت السلطات الاستعمارية أنها قادرة علي إيقاف حركة العصيان المدني بالتخفيف من الضريبة المكروهة حتي يقترب في ثمنه مع تلك السلعة التي يستخرجها ويبيعها المتطوعون, خرج عليهم غاندي بما يفيد أن الحركة أوسع كثيرا من ذلك, وأنها تستهدف التخلص من الوجود البريطاني مستغلا في ذلك نتائج الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها بريطانيا.
ففي خطاب ألقاه الزعيم الهندي في مانجرول, وبعد أن عبر عن اعتقاده بأن ضريبة الملح سوف تلغي خلال فترة قصيرة, تحول إلي الحديث عن أن ذلك لن يكون نهاية المطاف فهناك حصن آخر ينبغي اجتياحه وهو المنسوجات الأجنبية' فإذا استطاعت البلاد التخلص من شرها فإنها تقتصد ستمائة مليون روبية في العام, وحصن ثالث يجب دكه وهو تجارة المشروبات الروحية فإن البلاد تنفق عليها250 مليون روبية علي الأقل, وهذه قوة لا يستهان بها تعزز قوة الشعب للكفاح والنضال في معترك الجهاد الوطني'. أما القضاء علي حصن المنسوجات الأجنبية فقد أراد الرجل أن يقدم النموذج الذي يحذوا الهنود حذوه بشراء مغزل صغير وصناعة مئزر خفيف من قطن البلاد لم يخلعه أبدا, وأما القضاء علي حصن المشروبات الروحية فقد كانت بالدعوة للإقلاع عنها واستهجان فعل شاربيها, ووقوف المتطوعين علي أبواب الحانات لمنع الهنود من ارتيادها.
بعد فشل محاولات السلطات الاستعمارية احتواء حركة العصيان المدني أقدمت علي الخطوة التي ألهبت البلاد, وهي القبض علي غاندي يوم4 مايو عام1930, الأمر الذي كان محل اهتمام بالغ من الأهرام التي كتبت تحت عنوان' تفاصيل مؤثرة عن القبض علي غاندي' بأن قوة من رجال البوليس المسلح وضعت حول معسكر الزعيم الفقير في سورات, تبعها قدوم قاضي بوليس المدينة ومعه قوة يزيد عددها عن العشرين' وكان المتطوعون نائمين مطمئنين فاجفلوا إذ وجهوا أضواء مصابيح كاشفة إلي معسكرهم من كل صوب وسمعوا وقع أقدام بسرعة, وكان غاندي نائما خارج كوخه ولما فتح عينيه رأي أنه محاط بنطاق من رجال البوليس فابتسم وسأل قاضي البوليس الإنجليزي: هل أنا مطلوب؟ فأجاب: نعم, وناوله أمر القبض عليه, فشكره وطلب إليه أن يسمح له بالقيام بفريضة الصلاة فأذن له, وتأهب للذهاب حيث وضع في مركبة خاصة في القطار ونقل إلي مكان يقع جنوبي بومباي بنحو130 ميلا'. كما كان متوقعا اشتعلت البلاد بأعمال العصيان المدني, وقد واجهت السلطات الاستعمارية مشكلة نتجت عن أن القائمين بتلك الأعمال, وبناء علي فلسفة الحركة, لم يرفعوا يدا لمقاومة رجال السلطة الذين نزلوا فيهم ضر با وتفريقا واعتقالا, الأمر الذي دعا الأخيرين إلي النكوص علي أعقابهم خجلا من فعالهم, خاصة مع ما كان يجري من تدبير مظاهرات يسير فيها مئات الألوف لضحايا العنف, حتي أن مراسل الأهرام في بومباي كتب إلي الجريدة بأن رجال البوليس' لا يميلون إلي الاصطدام بالمتطوعين المسالمين الذين لا يعمدون إلي استخدام العنف, وأن المسئولين في بيشاور أعربوا عن عدم رضائهم من سلوك أورطتين من البوليس في تلك المدينة في التعامل مع السالكين هذا السبيل, الأمر الذي دعاهم إلي نقلهما إلي موقع آخر'.
وأمام هذا المأزق لم يجد البريطانيون حلا سوي الإفراج عن غاندي بعد نحو تسعة شهور(25 يناير1931), الأمر الذي هللت له الصحف المصرية علي رأسها الأهرام حتي أن الأستاذ أحمد الصاوي محمد خصص ما قل ودل في العدد الصادر بعد ثلاثة أيام لهذا الحدث, وصف في مستهله ما جري بأنه' يوم غاندي. يوم الهند. بل يوم الحرية'! ولم يكن المصريون يعتقدون حتي ذلك الوقت أنه لن ينقضي وقت طويل قبل أن يكون الرجل بين ظهرانيهم..
*** أدي نجاح حركة المقاطعة التي دعا إليها غاندي, والتي واكبت حركة مشابهة في مصر, إلي أن تري الأهرام وجوها للشبه بين الحركتين الوطنيتين, الأمر الذي نرصده في المقال الافتتاحي من عدد الجريدة الصادر يوم10 مارس عام1931, والذي جاء تحت عنوان' الهند ومصر- هل للمسألة الهندية تأثير علي المسألة المصرية؟؟', وكانت الإجابة بالإيجاب.. فقد جاء في موقع من هذا المقال أن' الباحث المدقق يجد أن السياسة الإنجليزية كانت في مصر والهند واحدة, فإذا كان هذا المسلك واحدا كان لما وقع عندنا في سنة1919 تأثيره هناك. وكانت الخطة التي اتبعوها معنا هي هي الخطة التي اتبعوها هناك. وكان المدي الذي وصلوا إليه مع الهنود معلقا في الغداة علي مسلك الهنود ذاتهم. كما أن المسلك الذي سلكوه معنا ظل معلقا علي مسلكنا', وخلصت جريدتنا إلي القول بأنه يمكن الحكم أن لأعمال الهند تأثيرا في المسألة المصرية' أو بالأحري تأثيرا في معاملة الإنجليز لمصر لأنهم وسواهم إذا نظروا إلي الشرق ينظرون إليه وكأنه كتلة واحدة. فلا ينظرون إليه قطعة قطعة فيخصون كل قطعة بسياسة خاصة لا علاقة لها بسواها'!
وفي ذلك الجو من الاهتمام البالغ جاءت الأنباء بأن غاندي قد استقل يوم30 أغسطس الباخرة راجوتانا من بومباي متوجها إلي لندن لاستئناف مفاوضات كان قد بدأها مع نائب الملك في البلاد, وأنه سيمر في رحلته بالأراضي المصرية عندما تعبر الباخرة قناة السويس. وقد رآها' الوفد' فرصة سانحة للتأكيد علي العلاقة القديمة بين الحركتين الوطنيتين في كل من مصر والهند, فبناء علي تعليمات النحاس باشا طلع علي السفينة لدي وصولها إلي السويس نائب المدينة السابق علي رأس وفد من سبعة من أعضاء الوفد في الميناء لإبلاغ تحية رئيس الوفد لزعيم الهند, وهو ما تكرر في بورسعيد, في نفس الوقت تلقي غاندي برقيات التهنئة بسلامة الوصول من كل من النحاس باشا وأم المصريين. مساء يوم الأحد6 سبتمبر وصلت الباخرة التي تقل المهاتما إلي بورسعيد حيث رسمت الأهرام صورة مؤثرة.. خريج أكسفورد' كل ما علي بدنه خرقة بيضاء تساوي خمسة قروش وعلي عينيه نظارة معدنية تساوي ثلاثة قروش وفي قدمه شراك نعل يساوي قرشين.. عشرة قروش تثبت لبريطانيا العظمي أن مئات ملايينها الذهبية لا تساوي عند هذا الرسول شيئا, وهو عندما يجلس إلي موائد الملوك تأدبا لا يمد يده إلي طعامهم المختلف الألوان لأنه يأكل التمر ولبن الماعز'!
في مصر تشكلت لجنة لاستقبال الزعيم الفريد وأعدت له هدية غريبة.. إناء مملوء بعسل النحل منقوش عليه الآية الكريمة' يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس', شال مصنوع من صوف جمل رمادي اللون بطول أربعة أمتار ونصف وعرض متر وربع' ليقي الزعيم من البرد أثناء إقامته بعاصمة إنجلترا', كما أعدوا أيضا عشرين رطلا من لبن الماعز' وكمية من البلح علي أن يكون مصريا, وليس من البلح المستورد من الخارج, وأعدت كمية كبيرة من البلح المصري الأحمر المشهور باسم( بلح زغلول) لتكون فيه دلالة ومعني'! ولم تكن الأهرام لتفوت فرصة وجود الرجل في بورسعيد فأرسلت إليه بأهم مندوبيها, الأستاذ محمود أبو الفتح, الذي تمكن من عقد لقاء مع غاندي خصصت له الجريدة الصفحة الأولي من عددها الصادر يوم الاثنين7 سبتمبر ووضعت له عنوانات ضخمة(( ساعة مع غاندي علي ظهر الباخرة- تصريحات خاصة لجريدة الأهرام- رسالة غاندي إلي الوطنيين المصريين- إنذار غاندي باستئناف حركة العصيان المدني إذا فشل المؤتمر- لمندوب الأهرام الخاص: محمود أبو الفتح)).
وقد وصف المحرر المرموق تلك الساعة بأنها من ساعات العمر المعدودة' ساعة لمسنا فيها البطولة الصحيحة والمثل الأسمي للوطنية والتضحية. ولكم تمنيت علي الله أن يقضي كل مصري مثل تلك الساعة, فإن كثيرين منا في حاجة قصوي إلي ساعات مثل هذه لا ساعة واحدة'. وقدم وصفا للرجل بعد أن رآه علي ظهر الباخرة.. عاري الرأس, عاري نصف الجسم الأعلي, يأتزر بمئزر من قماش القطن الأبيض تتدلي منه سلسلة من معدن أبيض تتصل بها ساعة من معدن أبيض فوسفورية الميناء لتظهر أرقامها في الظلام ولا تساوي إلا بضعة قروش. والمهاتما يغطي أحيانا نصف جسمه الأعلي بقطعة قماش من القطن اتقاء للبرد, وقد لفت نظر الأستاذ أبو الفتح ضمن حاشية غاندي سيدة إنجليزية هي مس سلايد' التي ملأت قلبها دعوة الرجل فاتخذت لنفسها اسما هنديا, وعاشت في بيته منذ عدة سنوات تعني بصحته وتنشر دعوته بين أبناء جنسها'!
عرض الأستاذ أبو الفتح بعد ذلك للأسئلة الخمسة التي وجهها; عن الحالة في الهند, عن الخلاف بين المسلمين والهندوكيين, عما يتوقعه ويرجوه من مؤتمر المائدة المستديرة الذي كان يقصده في العاصمة البريطانية, عن العاقبة في حالة فشل هذا المؤتمر, وطالبه أخيرا بتوجيه رسالة إلي الوطنيين المصريين. نص هذه الرسالة كما أثبتها الأستاذ محمود أبو الفتح:' إنكم مثلنا شعب قديم وإني لأرجو أن لا تقلدوا كل ما هو غربي تقليدا أعمي. وإذا كنت قد أصبت فهم حوادث بلادكم علي الوجه الصحيح يكون لا بد من استمرار العمل لإدراك حريتكم الصحيحة..
' وإذا كان لي رأي متواضع أبديه فهو أن مصر تصل إلي حريتها سريعا جدا لو نالت الهند خلاصها الصحيح في مدي الإثني عشر شهرا التالية إذ اعتقادي الثابت هو أن الهند لو كسبت حريتها بعدم العنف والصدق فإن أثر ذلك يكون عظيما للعالم بأسره وبكل تأكيد بالنسبة لكافة أمم الشرق'. ولم تكن الأهرام وحدها في الميدان إذ لم تفوت جريدة مصرية الفرصة في الترحيب بالزعيم الهندي.. كتب الأستاذ العقاد في' مصر' يصف الرجل بقديس الإنسانية, وكتبت صحيفة السياسة الناطقة بلسان الأحرار الدستوريين تعرب عن أملها بنجاح الرجل في مهمته الصعبة في العاصمة البريطانية, غير أنه نال نصيبا أكبر من العناية من جانب الصحف الوفدية..
' كوكب الشرق' استهلت تعليقها علي رحلة الرجل بالقول بأن مصر أخت الهند في الأسر' تحس اليوم نبضها خافقا, وقلبها سريع الضربات', بينما رأت' البلاغ' أن غاندي يري أن الهند فقيرة لأن الإنجليز يفهمون من الاستعمار أنه اقتصاد فقط, فهو يحاربهم بالاقتصاد' فقد عرف من تاريخهم أنهم قتلوا الصناعة الوطنية, فعمد إلي مغزل اشتراه وقعد إليه بنفسه ويغزل'. أما' الضياء' فقد عزت اهتمام مصر برحلة الرجل لأنه' زعيم بلد شرقي قديم مضطهد يجاهد كما تجاهد مصر ويعاني من مظالم الاستعمار ما تعانيه, وطبيعي أن يكون المظلوم للمظلوم أخا وصديقا رغم المسافات الشاسعة والعقائد المختلفة واللغات المتباينة'.
*** جاءت المبادرة التالية من غاندي نفسه, فقد نقلت الأهرام عن جريدة' الهند الفتاة' ترجمة مقالة للرجل عن مصر وما لقيه فيها عند اجتياز المياه المصرية وصف في مقدمتها الطريق عبر البحر الأحمر وقناة السويس, وكيف أن فتح الأخيرة عام1869 قد' أسال لعاب المستعمرين البريطانيين وأثار فيهم شهية الطموح ونظروا إلي هذا المشروع نظرا ثاقبا وعدوه حيويا للمواصلات البحرية مع الهند وتبين لهم أن بقاء السيادة البريطانية علي الهند مرتبط بوضع يدها علي قناة السويس التي لا يجب أن يعبث بها أحد'. تعرض بعد ذلك لما أسماه خطة شيطانية ناجحة لإغراق مصر في الديون' ونضب معين النضار لدي الخديوي إلي حد اضطره إلي بيع أسهمه في قناة السويس وتمكن اللورد دزرائيللي شرائها لحساب بلاده', الأمر الذي وفر للحكومة البريطانية موضع قدم في البلاد.
انتقل بعدئذ لتسجيل انطباعاته عن الرحلة عبر القناة فتناول بالحديث الرسائل الودية التي وصلته من قرينة زغلول باشا وزعيم الوفد مصطفي النحاس, هذا فضلا عن وفد من التجار الهنود في البلاد, وقد طالبه الجميع أن يقوم بزيارة للقاهرة في رحلة العودة, وإن كان قد علق علي ذلك بالقول أنه علم بأن الحكومة المصرية( حكومة صدقي) كانت غير موافقة علي قدوم وفود مصرية إلي الباخرة' ولم يسمح إلا لمندوب واحد من قبل النحاس باشا بمقابلتي ولكن بعد اللتيا والتي'! دفعه ذلك أن يسجل في جريدته رأيه فيما أسماه' الحالة الحاضرة في مصر الصديقة' وأبدي اعتقاده أنها علي الرغم من كونها محكومة بملك مصري وبرئيس وزارة مصرية فإنها' ليست أكثر استقلالا من الهند', وتعرض في ذلك بالحديث عن الوفد المصري وعن عناد الجانب البريطاني في آخر جولة من المفاوضات المعروفة باسم النحاس-هندرسون وتنصيب صدقي باشا رئيسا للوزارة فوصفه بأنه' في الحقيقة ديكتاتور يعمل بإرادة الملك فؤاد وأن كلاهما خاضعان للسيطرة البريطانية'!
وتوقف في هذه المناسبة عند اسم صحفي مصري بارز, هو الأستاذ توفيق دياب, ليقدمه نموذجا لما تلقاه الكلمة الحرة من اضطهاد في عهد صدقي, فذكر أنه قد بلغه أن جريدة الضياء هي الجريدة الثانية عشرة التي أصدرها الرجل في عام واحد من هذا العهد, وأنها قد أقفلت جميعا! وخلص في هذا المقال إلي القول أنه' لا عجب إذا رأينا مصر متبرمة بالنير البريطاني الذي ترزح تحته الهند أيضا والجميع علي السواء يريدون مني أن أزور مصر في طريق العودة إلي الهند وأن النحاس باشا نفسه عبر عن تلك الرغبة', وأنه أعرب عن أمله أن تقبل مصر رسالة' المقاومة من غير عنف' التي أمكن للهند أن تتبناها.
في لندن زاد إعجاب المصريين بالمهاتما غاندي, خاصة بعد أن سأله مراسلو الصحف عن السبب في ارتدائه لمئزره رغم برودة الجو, مما كان محل تندر بين هؤلاء, فكانت إجابته' هل يخلع الإنجليزي ثيابه الإفرنجية إذا زار الهند؟ وهل يلبس هناك مثل الثياب التي يرتديها الهنود علي رغم ملائمتها لجو البلاد؟ كلا. فأنا أحذو حذو هؤلاء السادة الإنجليز فلا أخلع الثياب الوطنية التي اعتدت علي ارتدائها.. وهذا الرداء شعار الذين أرسلوني, فيجب إذن أن يكون شعاري حتي أفرغ من أداء ما اؤتمنت عليه'! وانتظر المصريون حتي منتصف ديسمبر عندما بدأ غاندي رحلة العودة إلي بلاده, وتوقعوا أنه بعد وصوله إلي بورسعيد سيذهب في رحلة سريعة إلي القاهرة, الأمر الذي دعا النحاس باشا إلي أن يبرق إليه في يوم16 من ذلك الشهر, وهو علي السفينة التي تقله, معربا عن عظيم أمله أن يقبل هو ومن معه الدعوة من الشعب المصري' لتشريف القاهرة ولو لمدة قصيرة بحسب ما يتسع له وقتكم', وإلي أن يبعث بأحد شخصيات الوفد القيادية, محمود فهمي النقراشي, لاستقبال الرجل واصطحابه إلي العاصمة. وتصور الجميع أن الزيارة أصبحت مقررة إلي حد أن الأهرام نشرت برنامجها.. زيارة لدار رئيس الجالية الهندية في مصر لتناول الغذاء الذي سيحتوي علي لبن الماعز والبلح والعسل والفواكه, علي أن يقدم له بعد ذلك كيس من القماش الهندي' المرصع بأسلاك الذهب توضع فيه المبالغ التي جمعت من الهنود في سائر أنحاء القطر' لتشجيع الحركة الوطنية في بلادهم', بعد ذلك زيارة إلي ضريح سعد باشا زغلول, ثم إلي أهرام الجيزة لمشاهدتها, وأخيرا إلي دار النحاس باشا لحضور حفل الشاي الذي يقيمه للزعيم الهندي.
ولم تكن تلك المظاهرة السياسية المؤيدة للوفد لترضي الحكومة الصدقية, الأمر الذي كشف عنه اللقاء الذي تم بين رئيس الجمعية الهندية وبين مدير الأمن العام في العاصمة, فعندما استأذن الأول في قدوم المهاتما إلي القاهرة جاءت إجابة الثاني غير مطمئنة, فقد قال أن الحكومة' لا يهمها إلا المحافظة علي النظام وأنها تمنع كل مخالفة لهذا النظام وأنه يأمل إلا تضطر إلي شيء من ذلك', وكانت أقرب إلي رسالة تهديد مغلفة. في بورسعيد حيث وصلت السفينة في الحادية عشرة وعشرة دقائق صباح يوم18 ديسمبر وضع قبطان السفينة التي أقلت المهاتما عقبة أخري في وجه إتمام زيارته إلي العاصمة المصرية, فقد صمم علي قيامها من السويس في موعدها في الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي, ورفض رجاء النقراشي باشا بتأجيل الميعاد لسويعات قليلة, الأمر الذي قابله الوفد المصري' بالأسف والاستغراب' علي حد قول الأهرام.
كل ما أمكن الزعيم الهندي فعله في تلك الظروف أن وجه خطاب تحية إلي الشعب المصري تمني له فيه الاستقلال التام, ورجاه أن يعني بقضية الهند ويدرسها دراسة مفصلة علي ضوء التجارب السياسية الحديثة, وقد أعار اهتماما خاصا لدور المرأة المصرية في الحركة الوطنية, وحمل السيدة سيزا نبراوي التي صاحبت الوفد كامل أمنياته لتعاظم هذا الدور, وانطلقت سفينة الرجل متجهة إلي السويس بعد أن كتبت صفحة جديدة, وإن ظلت مجهولة في تاريخ العلاقات المصرية- الهندية!
|
|
|
|
|
|