تحقيقات

42385‏السنة 126-العدد2002ديسمبر23‏19 من شوال 1423 هـالأثنين

حتي لا يتحول المرضي إلي حيوانات تجارب‏!‏
مشروع قانون مقترح لتنظيم إجراء التجارب الإكلينيكية
الخاصة بالأدوية المستحدثة والمماثلة
رئيس لجنة الصحة بالشوري‏:‏ الشركات متعددة
الجنسيات تريد محاصرة الشركات الوطنية

تحقيق‏:‏ عـبدالمحسـن سـلامة
لأن صناعة الدواء شهدت تطورا هائلا أدي إلي اكتشاف العديد من الأدوية المستحدثة التي تعالج أمراضا لم يكن لها علاج‏,‏ وكذلك أدوية متطورة تمتاز بالفاعلية الأكثر والآثار الجانبية الأقل‏,‏ وقد أكدت الاحصاءات تزايد نسبة اكتشاف الأدوية وتطويرها في السنوات العشر الأخيرة أربعة أضعاف عن السنوات العشر التي سبقتها بما يعني تزايد إجراء التجارب والاختبارات للتأكد من فاعلية وأمان الدواء علي الجسم البشري قبل السماح بتسجيله وطرحه في الأسواق‏.‏
لكل ذلك تقدم د‏.‏ حسام بدراوي الأستاذ بكلية طب قصر العيني ورئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشعب بمشروع قانون بشأن إجراء الدراسات الدوائية في مصر وهو الأمر الذي يتم تنظيمه بقرارات وزارية مختلفة لا تغطي جميع النواحي الواجب توافرها لحماية المرضي أولا‏,‏ ولقبول الأدوية المصنعة في مصر في السوق العالمية بسبب عدم إحاطتها بإطار علمي وتقني من الضمانات والاشتراطات نتيجة الاختلافات التي قد تحدث في هذه الدراسات باختلاف ظروف إجرائها ومكانها‏.‏
وبالنسبة للموقف الحالي للتجارب الإكلينيكية في مصر فلم يكن لهذه التجارب أوالدراسات تنظيم في مصر حتي عام‏1985‏ عندما أعدت مؤسسة الأدوية في ذلك الوقت قرارا وزاريا تحت رقم‏56‏ لسنة‏1985‏ وكان أهم ما في هذا القرار هو ألا يتم إجراء التجارب الإكلينيكية علي الشعب المصري إلا بالنسبة للأدوية التي يكون قد تم تسجيلها فعلا في بلد المنشأ‏,‏ وهذا يعني أن التجارب الإكلينيكية لهذا الدواء قد تم إجراؤها والانتهاء منها في بلد المنشأ‏,‏ وهي إجراءات لازمة للسلطات الصحية في هذه البلاد حتي تسمح بتسجيل هذه الأدوية‏,‏ وقد كان من نتيجة هذا القرار إيقاف التجارب الإكلينيكية التي كانت تتم بدون تنظيم أو رقابة‏,‏ بالإضافة إلي إخراج مصر من قائمة الدول التي تلجأ إليها مراكز الأبحاث والشركات العالمية لإجراء دراسات إكلينيكية بها علي الأدوية الجديدة التي تنقسم إلي ثلاث مراحل مما أدي إلي خسارة كبيرة وتخلف صناعة الدواء المصرية عن ركب الأبحاث والاختراعات الدوائية حيث لم تكن هناك قوانين أو تنظيمات محددة يتم اتباعها مثلما تفعل معظم الدول‏.‏

استيراد الأدوية
بعدها صدر قرار وزير الصحة رقم‏107‏ لسنة‏1993‏ بتنظيم استيراد بعض الأدوية غير المسجلة في البلاد وإجراء التجارب الإكلينيكية عليها‏,‏ وخص هذا القرار استيراد الأدوية الخاصة بطلبات الأفراد والجهات بغرض العلاج‏,‏ بالإضافة إلي استيراد الأدوية لإجراء تجارب إكلينيكية عليها واشترط القرار أن تكون هذه الأدوية المطلوب إجراء التجارب عليها مسجلة ومتداولة في بلد المنشأ‏,‏ أو أن تكون في المرحلة الرابعة النهائية بعد التسجيل أي انتهت من المراحل الثلاث الأولي بالنسبة للدول التي بها هيئات دوائية فعالة مثل الولايات المتحدة‏,‏ والسويد‏,‏ وسويسرا مع وضع بروتوكول لإجراء التجارب الإكلينيكية لكنه لم يحدد شروط هذه البروتوكولات وفي عام‏1994‏ صدر قرار لوزير الصحة آنذاك برقم‏132‏ ودمج طلبات العلاج للأفراد والهيئات مع الأدوية التي يتم استيرادها لإجراء التجارب الإكلينيكية واشترط أن تكون هذه الأدوية مسجلة ومتداولة في بلد المنشأ وأن يكون المستحضر مسجلا في بعض الدول التي توجد بها أجهزة رقابة فعالة ومتداولة في دولة واحدة علي الأقل من الدول المتقدمة مثل السويد وانجلتر واشترط القرار شرطا جديدا هو الا تتجاوز الكمية التي يتم استيرادها‏100‏ علبة من أ
صغر علبة للمستحضر‏.‏
وفي رأي الدكتور حسام بدراوي أن هذا القرار قضي تماما علي قيام مصر بدورها العلمي ومنعها من الاشتراك في هذه النوعية من الأبحاث والدراسات الإكلينيكية‏,‏ بالرغم من توافر الأساتذة الأطباء والصيادلة والباحثين وتوافر المستشفيات الجامعية والحكومية والخاصة مما جعل شركات الأدوية تلجأ إلي أسلوب آخر لإجراء هذه الدراسات في مصر وهو إجراؤها داخل الكليات الجامعية والتي لا يشترط أن تحصل علي موافقة وزارة الصحة علي هذه التجارب التي تجري داخل مستشفياتها لأنها تتبع وزارة التعليم العالي‏.‏

اللجان العلمية
وفيما يخص اللجان العلمية فقد تم تشكيلها بقرار وزاري وأعطيت الحق في تسجيل الدواء وإجراء الدراسات والتجارب الإكلينيكية علي الأدوية التي تحال إليها من اللجنة الفرعية للتسجيل‏,‏ وكلها دراسات تتم علي أدوية يكون قد تم تسجيلها فعلا في بلد المنشأ‏.‏
بعدها حدث تغيير مختلف نسبيا فتح الطريق مرة أخري أمام إجراء التجارب الإكلينيكية علي الأدوية غير المسجلة‏,‏ حيث صدر قرار وزاري رقم‏255‏ لسنة‏1998‏ بتشكيل لجنة الرقابة علي نظم العلاج المستجد ويدخل في اختصاصها اقرار التجارب الإكلينيكية علي الأدوية الحديثة‏,‏ وبدأت اللجنة توافق علي إجراء التجارب الإكلينيكية علي الأدوية غير المسجلة في بلد المنشأ لأن القرار لم يحظرها مما جعل صناعة الدواء تسترجع وضعها الطبيعي في المشاركة في الاتجاه العالمي‏,‏ ووضعت لجنة الرقابة علي نظم العلاج المستجد بعض القواعد التي تسير عليها لكنها لم تكن كافية ولا ينطبق عليها قواعد ومعايير الممارسة الجيدة للتجارب الإكلينيكية طبقا للاشتراطات العالمية‏...‏ إلا أن إجراء التجارب الإكلينيكية ظل قائما في كليات الطب ومعاهد البحوث العلمية علي الأدوية المسجلة وغير المسجلة بهدف الحصول علي شهادات علمية كالماجستير والدكتوراه للأطباء والعلماء حيث يتقدم الباحث ببروتوكول بحث إلي مجلس القسم وبعده إلي مجلس الجامعة‏,‏ وبعده يصبح من حق الباحث الحصول علي عينات من الدواء عن طريق الإدارة المختصة بالافراج الجمركي ليقوم الباحث بإجراء بحثه باستخدام المرضي لهذا الدواء الجديد برغم أنه لايتم إعلامهم ولا تؤخذ موافقتهم طبقا للاشتراطات العلمية العالمية في هذا الشأن‏,‏ ولا يتم تقويم البحث أو التأكد من الظروف التي تجري عليها خاصة ما يتعلق بالشروط الواجب توافرها في المريض الذي يسمح بدخوله ضمن عينة هذه الدراسات والمحاذير التي تستوجب إخراج المريض من هذه العينة‏.‏

ويحدث في بعض الأحيان أن يقوم أحد الأساتذة من الأطباء المشهورين عالميا بالاشتراك في بحث متعدد الجنسيات ويتم اختياره من قبل شركة الدواء التي تشترط أحيانا حصوله علي موافقة وزارة الصحة‏,‏ وهنا فقط يلجأ الأستاذ إلي وزارة الصحة للحصول علي موافقتها‏,‏ وغالبا مايتم الموافقة علي البحث دون متابعة البحث أو الرقابة عليه من جانب وزارة الصحة‏,‏ كما يحدث في العالم‏,‏ في حين إشراف وزارة الصحة إجباري وضروري في أمريكا وأوروبا‏,‏ حيث إن وزارة الصحة هي المسئولة عن صحة وسلامة مواطنيها‏,‏ وعلي العكس فإن‏75%‏ من الدراسات والتجارب في مصر تحدث دون إشراف من وزارة الصحة أو أخذ موافقتها والنسبة الباقية تجري تحت إشراف صوري لوزارة الصحة نتيجة غيبة القوانين والتشريعات الحاكمة والملزمة‏.‏
والفرق بين التجارب التي تجري في الكليات ومعاهد البحوث ينحصر في ضرورة قيام المعهد باختيار أستاذ جامعي للإشراف علي البحث حتي ينطبق عليه ما ينطبق علي الكليات الجامعية‏.‏
الخطورة في أن هناك بعض الأبحاث يمكن أن تكون لتحديد جرعات مختلفة لدواء معروف أو لتحديد مفعول جديد لنفس الدواء أو حتي أدوية جديدة تماما لكن لم يتم تسجيلها في بلادها بعد ولم يتم التأكد من أمانها وسلامتها علي المرضي في حين لاتوجد أي رقابة صحية من جانب وزارة الصحة لرعاية المرضي والمتطوعين الذين يتم إجراء أبحاث عليهم دون علمهم بها أو بالقواعد التي يتم اتباعها في مثل هذه التجارب العلمية طبقا للقواعد العالمية لحماية المريض والتي جاءت في إعلان هلسنكي‏.‏

جمعيات أخلاق البحث
وفيما يخص جمعيات أخلاق البحث العلمي التي تلجأ بعض الجامعات ومراكز البحوث إلي تكوينها والحصول علي موافقتها علي الأبحاث يري د‏.‏ حسام بدراوي أن أغلبها جمعيات صورية‏,‏ حيث لا توجد قواعد محددة لعمل هذه الجمعيات ولا يوجد لها دور واضح أو فعال في الإشراف أو الرقابة علي الأبحاث‏,‏ كما لا يوجد تقويم أو تحكيم علي البحث من قبل أي جهة أو جهاز علمي أو حكومي‏,‏ فالباحث الرئيسي هو أستاذ في أغلب الأحوال وهو الذي يقيم البحث ويقبله أو يرفضه برغم أنه لم يتم رفض أي بحث طوال السنوات الماضية مما يفقد هذه الأبحاث مصداقيتها في ظل عدم تنظيم قانوني قوي خاصة أمام الجهات العلمية والتي باتت ترفض الاعتراف بالتجارب الإكلينيكية التي تجري في مصر نتيجة عدم وجود قانون لها‏,‏ بالإضافة إلي عدم وضوح الشروط والالتزامات الواجب توافرها داخل الأماكن التي تجري بها هذه الدراسات‏,‏ وكذلك عدم حماية المرضي وأخذ موافقتهم علي إجراء هذه التجارب والتأمين عليهم أثناءها وبعدها‏,‏ مشيرا إلي خضوع آلاف المرضي المصريين حاليا لهذه النوعيات من التجارب والدراسات بما تحمله من مخاطر وأخطار نتيجة غياب التشريع‏.‏

التجارب العربية
لقد لجأت بعض الدول العربية إلي إصدار قانون لتنظيم إجراء التجارب الإكلينيكية وفتح مراكز لإجراء دراسات التكافؤ الحيوية علي أعلي مستوي مثل الأردن‏,‏ وبالتالي فإن الدراسات التي تجري حاليا هناك يتم الاعتراف بها في أوروبا وأمريكا كمستند ضمن مستندات تسجيل الأدوية الأردنية في الوقت الذي يوجد حاليا في مصر‏7‏ مراكز تكافؤ حيوي غير معترف بها عالميا‏,‏ ومن هنا تأتي أهمية إصدار قانون لتنظيم التجارب الإكلينيكية في مصر حتي تتمكن صناعة الدواء من المنافسة في الأسواق العالمية وحتي يتم قبول دراسات التكافؤ الحيوي التي تجري في مصر والأمر يحتاج أيضا إلي أكثر من مركز لإجراء هذه الدراسات مع قانون لتنظيم قواعد واشتراطات اقامة هذه المراكز‏.‏

رقابة صارمة
من جانبه فإن د‏.‏ مصطفي إبراهيم رئيس إحدي شركات الأدوية يري أن الأبحاث التي تجريها شركات الأدوية تخضع لرقابة علمية صارمة وتحت إشراف أساتذة متخصصين من الجامعات المصرية‏,‏ وقد قامت شركته بانتاج عقار لعلاج أمراض الربو تحت إشراف علمي دقيق وحاليا نقوم بتصديره إلي‏35‏ دولة وننتج‏3‏ ملايين عبوة سنويا‏,‏ ولم تصدر شكاوي من هذا الدواء في الداخل أو الخارج‏,‏ وقد تمت تجارب هذا الدواء تحت إشراف د‏.‏ محمد عوض تاج الدين قبل أن يكون وزيرا للصحة باعتباره أستاذا للأمراض الصدرية بطب عين شمس‏,‏ ولابد أن يكون القانون المقترح إضافة حقيقية لصناعة الدواء الوطنية وليس خصما من رصيدها أو إضافة أعباء أو تعقيدات لا فائدة منها‏.‏

قانون مهم
في حين يري د‏.‏ محمود عبدالمقصود أمين عام نقابة الصيادلة أن القانون المقترح هو قانون مهم لتنظيم الأبحاث الإكلينيكية التي تجري في مصر غير أنه يعترض علي إطلاق إجراء الأبحاث الإكلينيكية خاصة للشركات الأجنبية حتي لا يتعرض المواطن المصري للخطر فهذه الشركات لو فتحت الباب أمامها في المرحلتين الأولي والثانية من الأبحاث‏,‏ سوف يتحول المرضي إلي فئران تجارب لكنه قد يكون مقبولا قصرها علي المرحلتين الثالثة والرابعة لها تحت إشراف كلي من جانب وزارة الصحة علي أن تجري هذه الأبحاث في مراكز متخصصة تحتوي علي المعامل اللازمة وملحق بها مستشفي وألا تفتح الأبواب علي مصراعيها كما هو وارد في مشروع القانون المقترح والذي أشار إلي إمكانية إجرائها في المراكز العلمية والمستشفيات العامة والخاصة‏,‏ فلا يجوز إطلاق إجراء الأبحاث الإكلينيكية بهذا الشكل ولا يجوز إعطاء هذا الحق لشركات الدواء‏.‏
وبالنسبة لتشكيل اللجان المشرفة علي الأبحاث الإكلينيكية يؤكد علي أن تكون اللجان تابعة لوزارة الصحة ولا تدخل فيها شركات الأدوية العامة والخاصة لأنها صاحبة مصلحة ولأن لجان التسجيل لابد أن تكون محايدة بنسبة‏100%‏ وألا تكون لها علاقة بالشركات من قريب أو بعيد حتي نضمن حيادتها وسلامة قراراتها‏.‏

متعددة الجنسيات
ويتخوف د‏.‏ صالح الشيمي رئيس لجنة الصحة بمجلس الشوري من أن يكون استصدار هذا القانون بهدف خدمة أهداف الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة وضغطها علي الشركات الوطنية التي تمارس دورها في رعاية المرضي بالداخل‏,‏ وقد يكون من المناسب استصدار قرار وزاري من وزير الصحة بتنظيم إجراء هذه الأبحاث من جميع الجوانب سواء من حيث لجان الدراسة أو لجان فرض العقوبات علي أن يتم تطويع هذا القرار بصفة دورية تبعا للظروف المحلية والعالمية‏.‏
ويشير إلي أن تطور صناعة الدواء في العالم قد شهد قفزات هائلة ولابد من تشكيل هيئة مصرية علي غرار مؤسسة الدواء والغذاء الأمريكية ولا يسمح للدواء بالتداول إلا بعد موافقتها وأن تجري الأبحاث والتجارب الإكلينيكية تحت إشرافها وأخذ كل الضمانات الواجبة لسلامة المريض سواء كان الدواء أجنبيا أم محليا‏,‏ ولابد أن يكون المسئول الرئيسي في كل الأحوال هو وزير الصحة لأنه المسئول عن صحة كل المصريين‏,‏ ورغم وجود لجان أعطيت الحق في تسجيل الدواء فإن استصدار قانون للتجارب والبحوث الدوائية يؤدي إلي تنظيم الدراسات الدوائية الإكلينيكية قبل تداول الدواء علي جميع المستويات أسوة بما تم عمله في بعض الدول مثل الهند وبعض الدول العربية الأخري‏,‏ مؤكدا أن المستشفيات الجامعية والمستشفيات العلمية هما الأقدر علي إجراء هذه التجارب والدراسات نظرا لتوافر الكوادر الفنية المؤهلة والمعامل التي تساعد مع متابعة الدراسات الإكلينيكية‏,‏ وفي كل الأحوال لابد أن تكون هذه التجارب متوافقة مع إعلان هلسنكي والذي قامت مصر بالتوقيع عليه لأنه يضمن الجدية والدقة وسلامة الأداء ومراعاة أخلاقيات العمل الطبي‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية