قضايا و اراء

42362‏السنة 126-العدد2002نوفمبر30‏25 من رمضان 1423 هـالسبت

السيول والطرق الحيوية الصحراوية
بقلم‏:‏ د‏.‏ محمد رياض

قوي الطبيعة علي سطح الكرة الأرضية لها موازين دقيقة لا تحيد عنها الا في صورة ذبذبات محدودة كأن تزيد الأمطار سنة وتقل سنوات ثم تعاود الزيادة مرة اخري وهكذا دواليك‏.‏ ولكن يجب ألا يتبادر الي الذهن أن تلك الموازين تدور في حلقة خالدة من الأزل والي الأبد فقد اعترت سطح الأرض تغيرات جسيمة في ظواهرها وانماطها مرات عديدة علي مدي ملايين السنين طوال المليارات الخمسة من السنين التي هي عمر الأرض منذ تكوينها حسب قدر معلوماتنا الراهنة‏.‏ وفي الملايين الخمسة الأخيرة كان سطح الأرض من جبال وهضاب وسهول قد تشكل فعلا علي صورته الحالية مع تغيرات ناجمة عن حركة الألواح القارية وبعض التغيرات الطفيفة الناجمة عن تبادل العصور الجليدية وعصور الأمطار والجفاف مما أثر بشدة علي توزيع اشكال المناخ‏.‏

وفيما يخص منطقتنا العربية فقد أدي التغير المناخي نحو الجفاف التدريجي بالانسان الي تركز مستوطناته عند مصادر المياه‏,‏ وبخاصة الأنهار‏.‏ ولم يكن النيل في الفترة الأخيرة علي ما نعهده عليه الآن‏,‏ بل في خلال عشرة آلاف سنة تغير من نهر مضطرب جامح نتيجة اضافات وتغيرات في منابعه ومصادر مياهه الي نهر يمكن استئناسه والمعيشة حوله ثم استخدامه في إقامة أسس حضارة زراعية دائمة‏.‏ وظلت الأودية النهرية التي تكونت في عصور سابقة في سيناء والصحراء الشرقية مجرد أودية جافة تستخدم كطرق يتنقل فيها جماعات البدو أو كطرق تجارة تعبر الصحاري من النيل الي البحر الأحمر أو الي فلسطين والجزيرة العربية‏.‏ وفي كلتا الحالتين من استخدام تلك الأودية الجافة كان الناس بخبرة مئات السنين ـ يعرفون مخاطر المروور أو السكن في بطون الأودية في الفترات التي يتوقعون فيها سقوط الأمطار المولدة للسيول التي تجرف أمامها كل شيء‏.‏ ومن ثم فقد أصبح من المفارقات أن يتعرض الانسان والحيوان للموت غرقا وسط صحراء جدباء‏!‏ لهذا كان البدو يقيمون مضارب خيامهم علي سفوح أعلي من بطن الوادي وبعيدة عن مناطق التقاء الأودية الصغري بالوادي الرئيسي حيث تتكون مخرات قوية للسيول الطارئة‏.‏ كما أن مصبات الأودية الجافة كانت في الأغلب تتشكل من دلتاوات مختلفة الأحجام تكونت إبان العصور الممطرة لكنها تتعرض للكثير من عوامل النحت والنحر في حالات السيول المعاصرة مما يجعل مناطق المصبات أماكن غير مرغوبة لاقامة اشكال سكن دائم لمخاطرها‏.‏ وبرغم ذلك فهي أماكن جيدة للحصول علي الماء الجوفي ونمو الحشائش لرعي الحيوان‏.‏ بل قد تصبح أماكن للتنمية الزراعية إذا اتخذت التدابير اللازمة لتجنب مسارات السيول لحماية المحاصيل والأشجار المثمرة‏.‏ مثال ذلك مدينة نويبع التي تقع جزئيا في دلتا وادي وتير وبذلك تتعرض في أحيان الي غضب السيول كما حدث في‏1987‏ و‏1994‏ و‏1995‏ الخ‏..‏ وقد دمرت سيول‏94‏ الطريق الرئيسي وجزءا من جنوب شرق نويبع وأودت الي وفاة‏15‏ شخصا‏.‏

وفي عصرنا الحالي كان سهلا إقامة الطرق الحديثة في مسارات الأودية لأنها تشكل فعلا طرق اختراق كونتها عناصر الطبيعة‏.‏ لكن مخططي وخبراء هندسة الطرق لم يستعينوا بالقدر الكافي من تجارب مئات السنين ولا من المعارف الجيولوجية والجغرافية والحضارية السابقة والحالية‏.‏ وقد آن الأوان للاستفادة من المعارف الموروثة وتقنية العلوم الحديثة والصور الفضائية لسنوات عديدة لعمل نماذج كومبيوترية لهيدروليكا مياه السيول في الوديان التي تمر فيها الطرق المهمة عبر سيناء وجبال البحر الأحمر‏.‏ من أمثلة ذلك وادي العريش في سيناء الشمالية‏,‏ ووادي وتير الذي يصب عند نويبع ويشكل الطريق الأساسي الي ميناء الربط العربي نويبع ـ ووادي كيد عند مدينة دهب‏,‏ والأودية الصغري عند شرم الشيخ ومنها العاط الشرقي‏,‏ ووادي فيران ورافده وادي الشيخ الذي يربط خليج السويس بطريق اختراق الي كتلة سانت كاترين العالية‏.‏ أما الطريق الشرقي من كاترين الي خليج العقبة فهو شديد التعقيد ويرتبط بأجزاء عليا من أودية متعددة وممرات جبلية عالية‏.‏ وفي غرب سيناء قد لا نجد مثل هذه المخاطر لوجود سهول واسعة تغور فيها معظم مياه السيول قبل أن تصل الي مياه خليج السويس باستثناء المنطقة شمال أبو زنيمة حيث تقترب الجبال وتخرج أودية قوية مثل وادي غرندل قرب منتجعات رأس سدر السياحية‏.‏

وفي محافظة البحر الأحمر هناك وادي حجول الذي ينتهي قرب العين السخنة ووادي عربة عند الزعفرانة وأودية درب ودب وابو حد عند رأس غارب وشقير ووادي القصير ووادي الجمال ووادي حوضين الخ‏..‏ وكلها تمثل محاور للسيول تتقاطع مع الطريق الساحلي وتحدث اضرارا بالغة به من السويس الي العين السخنة والغردقة وسفاجا والقصير ومرسي علم وانتهاء بحلايب‏.‏ وعلي الجانب الآخر من جبال البحر الأحمر هناك أودية جافة كثيرة تنتهي في النيل تبدأ بوادي دجلة ووادي حوف بين المعادي وحلوان ووادي اطفيح ووادي طرفا عند الشيخ فضل ووادي الأسيوطي ووادي قنا والحمامات وشعيت وخريط عند كوم أمبو الخ‏.‏ والدمار الذي تحدثه الأودية التي تنتهي الي وادي النيل كبير لأنها تنتهي الي قري ومدن ومزارع وناس يموتون وآلاف يشردون وإغاثة حكومية وتغطية صحفية كبيرة أما الدمار الذي يحدث في مصبات الوديان التي تنتهي الي البحر الأحمر فلا نسمع عنه الشيء الكثير لخلو معظم هذه المناطق من السكن الكثيف الا في حالات محددة كحصار السيول لمطار الغردقة منذ بضع سنوات‏.‏ لكن نمو النشاط الاقتصادي متمثلا في مواني السخنة وسفاجا والمنطقة الصناعية الجديدة في السخنة والامتداد العمراني السياحي من السخنة علي طول الساحل الضيق اسفل كتلة جبل الجلالة البحرية‏,‏ والتوسع في الغردقة جنوبا الي سفاجا والنمو المرتقب لمرسي علم كلها مؤشرات علي أننا قد نسمع عما قريب عن آثار السيول وفداحة الخسائر في العقار والأرواح‏.‏

بعد كل سيل متوسط الي جارف تحدث خسائر متمثلة في انهيار أو انجراف بعض الطرق الأساسية‏,‏ أو تغطيتها بكميات من الرواسب الطينية والمفتتات الحجرية والجلاميد الصخرية كلها تجثم علي الطريق‏.‏ ويحتاج الأمر الي إعادة بناء أجزاء الطريق الذي أزاله السيل أو دق اسفين تحته
‏Undermine‏
فتتخلخل بنية الطريق وتهبط معها وتتكسر مساحات من اسفلت الطريق بطول كيلو مترات عديدة‏,‏ وإزالة الترسبات الطينية والصخرية من أجزاء أخري من الطريق‏.‏ وكل هذه العمليات تتكلف مئات الملايين من الجنيهات فضلا عن ضرورة وجود المعدات والعمال المتخصصين‏.‏ وباختصار هناك جهد مبذول لإعادة الطريق الي الحياة بصورة شبه سنوية‏.‏
في أحيان قليلة توجد بدائل للطريق المصاب مثل طريق رأس النقب كبديل لطريق وادي وتير في سيناء الذي دمرت سيول اكتوبر المتوسطة القوة‏17‏ كيلو مترا منه فضلا عن قطاعات أخري تضررت بصورة أخري‏.‏ وحتي طريق رأس النقب البديل معرض هو الآخر لانجراف اجزاء منه علي طول الطريق الساحلي الي نويبع لتقاطعه مع كثير من الوديان الصغيرة في قطاعه الشمالي بخاصة‏.‏ وفي أغلب الأحيان لاتوجد بدائل جيدة أو قابلة لاستخدام أوتوبيسات السياحة الكبيرة‏.‏ وبالتالي تغلق أماكن سياحية بضعة ايام أو أكثر إلي أن يتم اصلاح الطريق كما حدث بعد سيول اكتوبر الماضي بالنسبة لطريق سانت كاترين الذي خسر نحو خمسين كيلو مترا من مساره في وادي الشيخ وفيران‏.‏ وفي هذا ابلغ الضرر بصناعة السياحة التي تتأثر بشدة نتيجة فقدان السمعة وعدم مصداقية برامج الزيارات التي تعلن عنها وكالات السياحة‏.‏

القصد من هذه الموضوع أنه بدلا من الانفاقات الباهظة لاصلاح الطرق المهمة بعد كل سيل هو تأكيد المطلب بضرورة تكوين لجان متعددة التخصصات من اجل اجراء دراسات جيومورفولوجية وجيولوجية وهيدرولوجية للوديان التي تشكل مسارات طرق مهمة في أودية مثل وتير وفيران وطريق قنا ـ سفاجا أو ادفو ـ مرسي علم‏,‏ أو الوديان التي تهدد مدنا سياحية وعلي رأسها مدن ومنتجعات خليج العقبة‏(‏ شرم الشيخ ودهب ونويبع‏)‏ وشمال خليج السويس في رأس سدر أو تلك التي تقع جنوب العين السخنة وتمتد في نطاق ساحلي شديد الضيق تحت اقدام مرتفعات الجلالة البحرية‏(‏ ولا أدري لماذا اعطيت تصاريح باقامتها رغم خطورة مواضعها‏)‏ أو منطقة التنمية الصناعية في العين السخنة ووادي حجول‏,‏ أو التهديد المستمر لخطوط السكك الحديدية بين أسوان وكوم امبو‏,‏ والتهديد المرتقب للخط الحديدي الي سفاجا الذي يمر في وادي قنا وغيره من الأودية‏.‏ ومن المخاطر التي يجب حسابها الطريق الفاخر شديد الأهمية بين القطامية والعين السخنة الذي يسير في أجزاء من أودية قد تتعرض للسيول في يوم ما‏.‏ وكذلك الطريق العرضي الزعفرانة ـ الكريمات وطريق رأس غارب والشيخ فضل‏(‏ المنيا‏)‏ والطريق المقترح سوهاج البحر الأحمر‏,‏ وكلها تستفيد من مسارات أودية تتعرض للسيول بين حين وآخر‏.‏

وربما نقترح إعادة النظر في أجزاء من الطرق التي تتكرر فيها اثار السيول بإقامة الطريق علي ارتفاع بضعة أمتار علي أحد جانبي الوادي مع عمل كباري ذات فتحات عريضة عند التقاء الوادي الرئيسي بالأودية الفرعية‏,‏ وعمل شبكات من الصلب علي الواجهات الصخرية شبه العمودية علي الوادي لتقليل انهيار الصخور وغير ذلك من الوسائل المتبعة في بلاد مماثلة كالسعودية وعمان‏.‏ كما اقترح احد الزملاء المتخصصين ضرورة مشاركة الهيئات والشركات الصناعية والسياحية في بعض اعباء هذه الأعمال لأنها تعود عليهم بمردود محسوب ومؤكد‏.‏

إن بناء السدود علي بعض الأودية أمر وارد ومجرب لكنه يتعرض للانهيار في حالة السيول القوية مثل قناطر لحفن‏(‏ جنوب العريش بنحو عشرين كيلو مترا‏)‏ التي هدمها سيل‏1979‏ وسد خزام‏(‏ محافظة قنا‏)‏ الذي هدم في عام‏1985‏ بعد بنائه بأيام أو قد يتعرض السد للاطماء بالطين والمفتتات بصفة مستمرة مما يؤدي الي فقدان وظيفته ومن ثم يحتاج الي تعلية للسد كما حدث في سد الروافعه علي وادي العريش‏(‏ بني‏1946‏ واعيدت تعليته عام‏1982‏ بعد أن فقد نحو نصف حجم حوض التخزين‏).‏ وربما يكمن الحل في اقامة مجموعة من السدود الركامية الغاطسة بحيث تقلل من قوة تيار السيل دون أن توقفه‏.‏ فهذه غالبا اقل تكلفة من إقامة سدود بالشكل التقليدي التي تصبح فيما بعد قليلة النفع أو تتعرض للانهيار‏.‏
وعلي أية حال فالأمر متروك لبحوث قابلة للتنفيذ من جانب المتخصصين في هندسة الطرق وأبحاث ميكانيكية التربة والاقتصاديين والبيئيين والكثير من التخصصات العلمية والبشرية من أجل احكام القدرة علي تجنب المخاطر بنسبة أعلي مما هو قائم حاليا‏.‏ أما تجنبها تماما فأمر غير ممكن لأننا لم نلم بعد بكل اطراف موازين طبيعة الغلاف الجوي والي أي مدي يتأثر بعوامل غير أرضية أو بعوامل أرضية بعيدة أو قريبة منا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية