قضايا و اراء

42330‏السنة 126-العدد2002اكتوبر29‏23 من شعبان 1423 هـالثلاثاء

معركة العلمين وعبق التاريخ
بقلم : عائشة عبدالغفار

لا شك أن الاحتفال الرائع الذي شهدته منطقة الساحل الشمالي بمناسبة إحياء ذكري مرور ستين عاما علي معركة العلمين الشهيرة والتي اعتبرت النقطة الحاسمة في هزيمة جيوش المحور وانتصار الحلفاء كان حدثا سياسيا ودبلوماسيا وثقافيا هاما أعاد إلي الأذهان أن الأنظمة الشمولية أو الديكتاتورية لا يكتب لها البقاء طويلا‏,‏ ولابد أن تنتصر في النهاية قوي الديمقراطية‏.‏
لقد جذبت تلك المظاهرة الصاخبة عدد ضخم من جمعيات المحاربين القدامي وشخصيات عالمية مهمة وأسر ضحايا الحرب العالمية الثانية الذين جاءوا جميعا من أنحاء المعمورة لتحية الجنود الذين سقطوا علي رمال الصحراء المصرية في أشرس معارك تاريخنا المعاصر‏.‏

كما أعادت ذكري هذه الحرب إلي الأذهان أهمية إقرار السلام العالمي بحيث تكون هذه الحرب آخر الحروب‏.‏
ولقد تحول الساحل الشمالي بمناسبة هذا الحدث إلي منطقة تروج بالسائحين وبالمزارات وعلي رأسهم المقبرة الإيطالية التي قام بتشييدها المهندس العالمي الشهير باولو كاشيا دومينيوني كونت سيلا فينكو وهو النبيل الإيطالي الذي شارك في معركة العلمين تلك المعركة التي سقط فيها‏12‏ ألف جندي من زملائه دفنوا في الرمال الناعمة أو تحت أشجار التين الشوكي وتبعثر أيضا عدد كبير من الجثث لم يتم العثور عليها بسبب الألغام الفتاكة المنتشرة في هذه المنطقة وهذا هو ما دفع دومينيوني إلي إنشاء هذه المقبرة الرائعة بالعلمين وقام بافتتاحها رئيس وزراء إيطاليا أمينتوري فانفاني يوم‏9‏ يناير‏1959‏ ويرقد فيها‏4634‏ جنديا إيطاليا‏.‏

أما المقبرة البريطانية التي قام بتصميمها النبيل البريطاني سير هيبير ورثينجتون‏
Sir Hubert Worthington‏
فلقد قام المارشال بيرنارد مونتجومري بافتتاحها في أكتوبر‏1954‏ مصطحبا معه عددا من جنوده وعددا كبيرا من المدنيين
وفي أكتوبر‏1959‏ تم افتتاح المقبرة الألمانية التي قام بتصميمها مهندس ألماني اسمه روبيرت تيسغلير
‏RobertTisghler‏
و بفضل قرار مصر بإهداء قطعة الأرض للحكومة الألمانية‏.‏ كانت مشاركتي في هذه الاحتفالية بدعوة من سفيري إيطاليا وبريطانيا بالقاهرة إضافة هامة لي كصحفية مصرية اضطلع وأناقش تاريخ أوروبا علي أرض مصر‏,‏ فالدراسة لم تعد نظرية مثل كل ما قرأته عن الحرب العالمية الثانية في المراجع التي تزخر بها المكتبة القومية بفرنسا وإنما اليوم الدراسة الميدانية هي علي أرض الواقع‏,‏ رمال العلمين وتواصل التاريخ حيث وجدت نفسي أسير إلي جانب نجل المارشـــــــال مونتجومري ليقول لي إن هذه الاحتفالية تحرك المشاعر وتصل إلي ا أعماق القلوب‏.‏ فكلما قمت بزيارة مقابر العلمين فإنني أشفق علي هؤلاء الجنود الشباب الذين ماتوا من أجل قضية كبيرة ـ كان أبي يعشق هذه المنطقة وكان حريصا علي زيارتها كلما أتيحت له الفرصة ـ لقد درست بدقة تاريخ أبي مونتي كما يسمونه وهو أحد أبطال تاريخ الامبراطورية البريطانية‏..‏ إن معركة العلمين كانت نقطة تحول في تاريخ سيرته العسكرية‏,‏ لقد عشت في الإسكندرية من عام‏1932‏ إلي‏1934‏ وعشقت في هذه المدينة الساحرة وكان والدي آنذاك قائدا للجيش الانجليزي ثم يصف لي الموقف الإقليمي بأنه خطير مشيرا إلي أنه لابد من الفصل بين السياسيين والعسكريين الذين يقومون بتنفيذ أوامر السياسيين حتي وإن كانت هذه الأوامر لا تروق لهم‏!...‏

ويختتم قائلا أنني هنا بالعلمين لأنني أمثل إرث والدي مونتجومري وأن ما سوف يجري في العراق سيكون فعل السياسيين وليس العسكريين‏!.‏
ويقول لي رودولف شنايدر آخر المحاربين القدامي في كتيبة روميل أنها كانت حربا قذرة قدتها وعمري ثمانية عشر عاما واليوم أبلغ من العمر‏84‏ عاما‏...‏ ولقد استخلصت دروسا كثيرة من هذه الحرب وأنا حريص علي زيارة العلمين في كل احتفالية والأماكن التي التقي بها روميل بالقادة المصريين ويضيف لم أفهم ما أراده هتلر إلا بعد الحرب‏!‏

تركت العلمين وفي ذهني كلمات الرئيس الإيطالي كارلوشيامبي ودوك كنت ورئيسة وزراء نيوزيلندا هيلين كلارك وجميعها تطالب بنتجنب الحروب المدمرة وتحمل في طياتها الدعوة إلي السلام‏...‏
وعندما سمعت أن هذه الاحتفالية الستين سوف تكون الاحتفالية الأخيرة لأن المحاربين القدامي سوف ينقرضون في الاحتفال السبعين‏,‏ شعرت بالحزن لأنني أدركت أن القارة الأوروبية العجوز تريد أن تسدل الستار وأن تطوي صفحة علي تاريخ الانقسامات الأوروبية بعد أن حققت الوحدة الأوروبية في ثوبها الجديد‏...‏ وذاكرة التاريخ يجب أن تستمر كموعظة للأجيال‏...‏ ليتلافوا أخطاء الأسلاف‏....‏

ومن ناحية أخري فإن العلمين تستطيع أن تجلب رواجا سياحيا لمصر مثلما تجلب شواطئ النورماندي بفرنسا عشاق تاريخ الحرب العالمية الثانية‏.‏
ولذلك يجب الدفاع عن مواقع السياحة التاريخية في مصر‏.‏

وتساءلت أيضا أليس هناك دور هام يجب أن يلعبه اليوم الاتحاد الأوروبي لإزالة الألغام الأرضية التي تهدد حياة أهل العلمين‏,‏ فالمعركة كانت معركتهم وعلي أرضنا‏...!‏
وإنما تنتهي تلك الاحتفالات ومازالت ملايين الألغام تقف عائقا أمام تنمية الصحراء الغربية‏,‏ وتهدد البدو‏,‏ ورعاة الأغنام‏,‏ وتعرض الأبرياء للموت‏,‏ برغم مرور‏60‏ عاما علي معركة العلمين‏,‏ فلابد أن يتحرك بالفعل المجتمع الدولي‏,‏ وأن تتحول وعود الدول المانحة الي واقع ملموس‏.!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية