ثقافة و فنون

42312‏السنة 126-العدد2002اكتوبر11‏5 من شعبان 1423 هـالجمعة

قبيل افتتاح مكتبة الإسكندرية
المكتبة القديمة‏...‏ واختراع الكتابة
بقلم‏:‏ د‏.‏سامي عبد العزيز الكومي

جمعت مكتبة الاسكندرية القديمة كل معارف الأمم والشعوب والحضارات وثقافاتها حتي تاريخ انشاء هذه المكتبة‏.‏
ولم يكن انشاء مكتبة الاسكندرية القديمة ممكنا علي هذا النحو الا بتوافر شروط وامكانات وفرتها مصر علي نحوما سنشرح في هذا المقال‏.‏ وكان أول ما أهدته مصر إلي العالم هو اختراع الكتابة‏,‏ بدأت وتطورت في مصر واخذتها عنها الحضارات اللاحقة‏.‏

وكذلك كان اختراع ورق البردي الذي احتكرت مصر صناعته في العالم القديم ودون عليه كل نتاج الحضارات القديمة‏,‏ ومع هذا الاختراع كان اختراع الاقلام والحبر اختراعين مصريين أيضا‏.‏
لقد كانت مصر مهيأة ليقوم علي أرضها هذا البناء الحضاري العالمي الشامخ وهذه المنارة العالية لأسباب اخري‏.‏

انها تملك عبقرية المكان باجتماع موقع جغرافي أمثل مع موقع طبيعي مثالي‏.‏
وتملك عبقرية الزمان‏,‏ فالتاريخ الحضاري لمصر الذي امتد قرونا قبل انشاء المكتبة القديمة وحتي انشائها جعل مصر مركز حضارات العالم وثقافته وفنونه‏,‏ وجعل الاسكندرية ومكتبتها في القلب من هذا المركز‏.‏

اختراع الكتابة‏:‏
يعتبر اختراع الانسان الكتابة تطورا بالغ الأهمية في تاريخ الاتصال الانساني‏,‏ والحضارة الانسانية وهو التطور الاتصالي الرئيسي بعد اختراع اللغة المنطوقة‏.‏
وارتبط اختراع الكتابة بمهارات وتقنيات توصل اليها الانسان من قبل مثل اللغة المنطوقة والبحث عن السطح الذي يكتب عليه والأسافين أو الاقلام المستخدمة في الكتابة‏,‏ ثم اختراع أنواع من الورق والحبر في حقب لاحقة‏.‏

يقول الاستاذ رالف لينتون مؤلف كتاب شجرة الحضارة‏.‏
الذي ترجمه الي اللغة العربية الدكتور احمد فخري‏:‏ إن الكتابة ظهرت في مصر منذ خمسة أو ستة آلاف سنة مضت وقد بدأت بالتعبير بالصور‏.‏
ويري شرام‏
Schramm‏
عالم الاتصال المعروف أن التعبير بالصور مر بثلاث مراحل قبل ظهور الحروف الهجائية والأبجدية الكاملة‏.‏

المرحلة الأولي‏:‏
وتمثلها الرسوم الموجودة علي جدران الكهوف‏,‏ وهي صور للأشياء المرسومة كما هي في الواقع‏,‏ وان كانت قد هذبت وبسطت حتي يمكن رسمها أو حفرها بسرعة‏.‏

المرحلة الثانية‏:‏
هي الصورة التي تدل علي معني مجرد مأخوذ من الصورة نفسها وعلي سبيل المثال تكون صورة السهم أو الرمح لاتدل علي هذه الأشياء‏,‏ ولكنها تستخدم لبعث فكرة التهديد أو الصراع بصفة عامة‏.‏

والمرحلة الثالثة‏:‏
تمثل فيها الصورة مقطعا صوتيا‏,‏ وعلي سبيل المثال ـ أيضا ـ تمثل صورة الطائر بجناحيه في اللغة الهيروغليفية المقطع الصوتي‏(‏ با‏),‏ وكان من الممكن أن تتطور الكتابة الهيروغليفية الي الدرجة التي تمثل كل اللغة المنطوقة بغض النظر عن الصور المستخدمة فيها‏(‏ انظر شكل‏1).‏
ولكن اللغة الهيروغليفية لم تصل إلي أبجدية كاملة وانما حدث هذا التطور ـ وهو ظهور الأبجدية ـ في وقت متأخرعن ذلك قليلا في شبه جزيرة سيناء ثم علي أيدي الفينيقيين الذين قامت حضارتهم شرق البحر الأبيض المتوسط ثم نقلها الفينيقيون الي اليونانيين‏.‏

ويجمع علماء تاريخ الحضارة أن الكتابة نشأت في مصر وتطورت في منطقة سيناء الي حروف هجائية اقتربت كثيرا من الابجدية‏,‏ ولكن الذين أخذوا هذه الحروف الهجائية السيناوية وطوروها الي الابجدية الكاملة هم الفينيقيون ثم نقلوها الي اليونان‏,‏ ثم أخذها عنهم الرومان ومنها تطورت وتفرعت الي الابجديات الأوروبية الحديثة‏.‏
أما التأكيد علي أن حروف الهجاء والكتابة كانت اختراعا مصريا وثمرة من ثمار الحضارة المصرية القديمة أهدتها مصر للحضارات التي تلتها كلها فإننا نرجع إلي مؤلفات علماء الحضارة وعلماء الاتصال الكبار من أمثال ول ديورانت مؤلف موسوعة قصة الحضارة‏,‏ وفرنسيس روجرز مؤلف كتاب قصة الكتابة والطباعة من الصخرة المنقوشة حتي الصفحة المطبوعة‏,‏ وولبور شرام في كتابه تاريخ الاتصال الانساني وغيرهم الذين اكدوا هذه الحقيقة‏.‏

ومن ثم فيمكن تتبع الأبجدية التي تستخدم الآن الي اصل واحد نجده في شبه جزيرة سيناء فقد قام المصريون بعمليات تعدين واسعة النطاق في تلك المنطقة واستخدموا اعدادا كبيرة من الشاميين من البدو الرعاة الذين كانوا يضطرون الي العمل لحساب المصريين عندما تقل موارد طعامهم المعتادة‏,‏ وكان شيوخ الشاميين يعملون كملاحظين لأعمال التعدين‏,‏ وكان مطلوبا منهم أن يكتبوا التقارير عن انتاجهم وعن أجور العمال‏,‏ ولما كانت الطريقة المصرية في الكتابة أعقد من أن يستخدموها‏,‏ فقد اخذوا الرموز البسيطة التي تعبر عن أصوات مفردة في الكتابة المصرية وتوصلوا بهذه الطريقة الي أول حروف هجائية معروفة‏(‏ شكل‏2)‏
أما معرفة العلاقة بين هذه الحروف المصرية التي استخدمت في سيناء والابجدية الفينيقية واليونانية فترجع إلي سنة‏1905‏ م حين كان الاثري البريطاني فلندرز بتري يعمل في منطقة سرابيط الخادم في سيناء عندما عثر علي كتابات علي جوانب بعض مناجم الفيروز القديمة وعلي بعض النصب المقامة في المعبد‏,‏ كانت هذه الكتابات بحروف يشبه بعضها الكتابة المصرية القديمة وبعضها الاخر لا يشبهها‏,‏ وحدثت محاولات كثيرة لفك رموزها‏,‏ ولكن منذ البداية اطلق عليها علماء الدراسات اللغوية اسم الكتابة السينائية‏,‏ وأدركوا الصلة بينها وبين ماكان معروفا من الكتابة الفينيقية واليونانية القديمة‏,‏ وكانت آخر محاولة لفك رموز هذه اللغة ومعرفة معانيها هي المحاولة الناجحة التي قام بها العالم الامريكي أولبرايت عام‏1948‏ م‏.‏

وتاريخ هذه الحروف السينائية هو منتصف الألف الثاني قبل الميلاد أي حوالي‏1500‏ ـ‏1400‏ ق‏.‏م‏.‏ أول من استخدمها هم بعض العمال أو الأسري السوريين الذين كانوا يعملون مع المصريين في تلك المناجم‏.‏
وانتقلت هذه الحروف الهجائية المصرية من سيناء الي المناطق الشامية الأخري‏,‏ ووصلت في النهاية الي الفينيقيين الذين اشتهرت حضارتهم بالتجارة وركوب البحر‏,‏ وتولي الفينيقيون هذه الكتابة بالتبسيط والتحسين لتناسب عملياتهم التجارية‏,‏ كما أن هذه البساطة تناسب ذلك السطح الكتابي الذي استخدموه بكثرة وهو الواح الخشب المغطاة بالشمع‏,‏ وبهذا صارت الحروف الاثنان والعشرون التي تتألف منها الابجدية الفينيقية تمثل نمطا جديدا في الكتابة أخذ به العالم منذ أكثر من ثلاثة الاف سنة‏.‏

ونقل الفينيقيون هذه الأبجدية الي اليونانيين الذين كانوا يعيشون الي الغرب منهم‏,‏ وكانوا سريعي الالتقاط كعادتهم دائما فتقبلوها بسرعة وادخلوا عليها عددا من التعديلات البسيطة عند استعمالها‏(‏ شكل‏3).‏
لقد أعطي اختراع الكتابة الانسان ذاكرة أخري أكثر شمولا واتساعا من ذاكرته الطبيعية‏,‏ انها ذاكرة يمكن أن تبقي علي الزمان للأجيال التالية ويمكن لكل جيل أن يضيف اليها‏,‏ وبذلك استطاع الانسان ان يحفظ تجاربه وثقافاته دون ان يجهد نفسه في اختزان كل التفاصيل في رأسه‏,‏ وساعده علي ذلك أن يكرس كل طاقاته للعمل علي تقدم المعرفة‏,‏ وبالاضافة إلي ذلك وفر تعلم الكتابة للانسان طريقة جديدة لكي يشاركه غيره في المعرفة‏,‏ وأن يوسع نطاق ادراكه واكتشافاته‏,‏ وعلي ذلك أصبح كل شعب يستطيع أن يبدأ التقدم من النقطة التي وصل اليها أي شعب آخر قبله‏.‏ وأصبح كثير من الناس قادرين علي الاشتراك في الاكتشاف‏,‏ وكثير منهم قادرين علي التعلم الذاتي‏.‏

لقد فتح ظهور الابجدية وتطور الكتابة الطريق الي ظهور المكتبات واعظمها واشهرها في العالم القديم مكتبة الاسكندرية التي فتحت ابوابها في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد‏,‏ وجمعت معارف كل شعوب العالم وحضاراته وثقافاته في ذلك العصر عطاء للحضارة الانسانية المتواصلة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية