ملفات الأهرام

41914‏السنة 126-العدد2001سبتمبر8‏20 من جمادى الأخرة 1422 هــالسبت

هــــل يتكــــرر ســــــــــيناريو‏1948..‏ ؟
بقلم‏:‏ د‏.‏ محمد عبد الشفيع عيسي

من بين الأقوال المنسوبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ــ أو الإرهابي المدعو شارون كما قد نفضل أن نسميه ــ أن حرب‏1948‏ لم تنته بعد‏...!‏
والحق أن هذا القول يثير عدة قضايا‏:‏

أولي هذه القضايا هشاشة الأساس القانوني الواقعي للسلام‏,‏ ولنتذكرهنا أن الاتفاق الوحيد الموقع بين‏(‏ إسرائيل‏)‏ وكل من سوريا ولبنان هو اتفاق الهدنة المعقود عقب حرب‏1948...‏ بينما لا يوجد اتفاق للهدنة أو لغيرها بين إسرائيل وأي طرف فلسطيني سوي اتفاقية‏(‏ اوسلو‏)‏ وما تلاه علي طريق العملية التفاوضية التي ثبت فشلها بعد تجربة مرة لمدة ثماني سنوات‏(‏ سبتمبر‏1993‏ ــ سبتمبر‏2000)‏ وتم خرقها خرقا كاملا بالفعل‏.‏
أما بالنسبة لكل من مصر والأردن فقد استبدل باتفاق الهدنة اتفاق أو معاهدة للسلام‏(‏ عام‏1979‏ بالنسبة لمصر و‏1994‏ بالنسبة للاردن‏).‏

ولما كانت الحرب مستبعدة رسميا في حالة كل من مصر والاردن‏,‏ وربما فعليا أيضا‏,‏ إلي أجل غير متيقن منه تماما ــ فإنها غير مستبعدة علي الاطلاق في حالة الصراع الاسرائيلي مع كل من سوريا ولبنان وفلسطين‏,‏ فإذا أضفنا إلي ذلك أن العراق قد اشتركت في حرب‏1948,‏ ولكن لم يوقع معها اتفاق للهدنة اصلا بعد هذه‏(‏ الحرب ــ النكبة‏)‏ لعدم وجود تماس جغرافي بينها وبين الاسرائيليين‏,‏ فإن معني هذا عدم وجود عائق دون افتراض وقوع الحرب معها في أية لحظة‏,‏ وعلي الأقل وقوع اعمال حربية‏,‏ وهو ما يبدو أنه حدث بالفعل ــ من الطرف العراقي ــ اثناء حرب الخليج الثانية عام‏1991.‏
ويبدو علي أي حال أن الاسرائيليين لم يضيعوا فرصة إثبات استمرار حالة الحرب الدائمة بينهم وبين سوريا ولبنان وفلسطين والعراق‏.‏

فقد اعلنوا ضم القدس الشرقية بعد عدوان‏1967‏ وأعلنوا القدس عاصمة لإسرئيل من طرف واحد ــ كما أعلنوا ضم الجولان‏.‏
وقاموا بالإضافة إلي ذلك بالاعتداء المسلح علي نطاق واسع علي الأراضي اللبنانية اكثر من مرة‏,‏ واحتلال قسم منها‏(‏ الجنوب‏)‏ لمدة اثنين وعشرين عاما متصلة تقريبا‏(1978‏ ــ‏2000)‏ قبل أن تجبرهم المقاومة المسلحة علي الانسحاب‏,‏ بدون توقيع اتفاق‏..!‏

كما قام الإسرائيليون بالاعتداء علي المفاعل النووي العراقي عام‏1981.‏
‏...‏ ولما كان الاسرائيليون قد أعلنوا قيام دولة لهم في‏15‏ مايو‏1948,‏ علي رقعة جغرافية أوسع من تلك التي اقترحها قرار الامم المتحدة بتقسيم فلسطين عام‏1947,‏ ثم قبلت عضوية دولتهم تلك في الامم المتحدة بمقتضي موافقة مشروطة بتنفيذ قرار التقسيم بما في ذلك القرار الفرعي بإقامة نظام دولي خاص لمدينة القدس مع اقامة اتحاد اقتصادي بين شرطيها ــ فإن معني ذلك أيضا أن الكيان‏(‏ الجغرا ــ سياسي‏)‏ لإسرائيل يحمل في طياته بذور الحرب المحتملة الدائمة مع الدول العربية‏,‏ برغم نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم‏242‏ لعام‏1967‏ علي إقامة‏(‏ حدود آمنه‏)‏ بين الإسرائيليين والدول العربية شريطة انسحابهم من‏(‏ أراض‏)‏ أو‏(‏ الأراضي‏)‏ التي احتلوها في حرب ذلك العام‏.‏

ولما كان التوازن الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل قد أصابه اختلال جوهري بفعل الالتزم الامريكي بتحقيق التفوق‏(‏ النوعي‏)‏ للقوات المسلحة الاسرائيلية علي مجمل الدول العربية ــ ولما كانت مصر قد وقعت اتفاقها للسلام مع اسرائيل مع استرداد سيناء‏,‏ فقد تفتحت شهية العسكريتاريا الإسرائيلية لاستكمال اللمسات النهائية للوضع الاسرائيلي المسيطر كليا إزاء الشرق العربي‏(‏ سوريا ولبنان والاردن والعراق ــ وقبلهما فلسطين نفسها‏),‏ بما يحقق الشطر المتبقي‏,‏ وغير المنجز من خلال حرب‏1948‏ وتوابعها‏.‏
لذلك يصبح مفهوما قول رئيس الوزراء الحالي في إسرائيل أن حرب‏1948‏ لم تنته بعد‏...!‏

أما القضية الثانية التي يثيرها ذلك القول‏,‏ فهي نهاية حدود الصهيونية كإيديولوجيا سياسية ونشير هنا ــ حسب التتابع الزمني ــ الي عدة حقائق رئيسية تتعلق بهذه القضية‏.‏
‏(1)‏ إن عدوان‏1967‏ في جوهره كان محاولة متفائلة كبري ــ من وجهة النظر الصهيونية ــ لاستكمال حرب‏1948,‏ باحتلال بقية فلسطين التاريخية‏,‏ وفرض القبول بالامر الواقع علي دول الطوق‏,‏ خاصة مصر وسوريا‏,‏ وبصفة اخص‏:‏ مصر عبد الناصر‏.‏

وبالفعل فقد كان احتلال القوات الاسرائيلية للضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان مجتمعة‏,‏ يوحي بالإمكانية الفعلية العالية للادعاء الصهيوني‏.‏
ولكن ما حدث بعد ذلك جاء تكذيبا لهذا الادعاء‏.‏

‏(2)‏ فقد ظهر أن المناطق العربية التي جري أحتلالها هي أكبر من طاقة الإسرائيليين علي هضمها‏,‏ بل وأكبر من قدرتهم علي الدفاع عنها‏,‏ واتضح هذا اول ما اتضح في وقائع حرب الاستنزاف المصرية ضد القوات الاسرائيلية شرق القناة‏,‏ ثم نشوب حرب اكتوبر المصرية ــ السورية والمدعومة بأكتوبر النفطية من قبل بلدان الخليج‏,‏ خاصة السعودية‏.‏
‏(3)‏ ورغم التفاؤل التدريجي لقوة الدفع السياسية المتولدة من حرب أكتوبر فقد كانت تداعياتها علي جميع الجبهات تدل علي الحدود المفروضة علي ايديولوجيا التوسع الصهيونية‏(‏ عربيا‏)‏ وطابعها الاستئصالي ــ العنصري‏(‏ فلسطينيا‏).‏

وجاءت التطورات علي جبهات المواجهة جميعا لتؤكد ذلك‏....‏ كيف؟
‏(4)‏ كان الهدف الاسرائيلي تجاه مصر هو تطويع ارادتها السياسية‏...‏
ولكن تجميد مسيرة التطبيع الشعبي‏,‏ وكذا حيوية التعبير السياسي والتعبوي بعد‏1981‏ قد أكدا فساد المقولة الكامنة وراء هذا الهدف‏,‏ مقولة استبعاد مصر التام من مجال الصراع العربي ــ الصهيوني‏.‏

‏...‏ وكان الهدف الإسرائيلي تجاه سوريا هو تحطيم ارادتها السياسية‏,‏ فإذا بها بعد حرب أكتوبر تجيد التلاعب بمتغيرات الموقف علي ساحة‏(‏ سوريا ــ لبنان‏)‏ إبان الحرب الاهلية اللبنانية المتحدة‏(1973‏ ــ‏89)‏ بما يفضي إلي اعادة بناء هذه الساحة تدريجيا‏,‏ كمجال للمقاومة‏,‏ مع اسناده باحتياطي استراتيجي قادم من ايران الاسلامية‏.‏
‏..‏ اما الهدف الإسرائيلي تجاه العراق فكان تحييده التام من خلال‏(‏ استنزاف القوي‏)‏ في المحيط الاقليمي‏,‏ ثم بتحطيم المفاعل النووي‏,‏ ثم بتداعيات حرب الخليج الثانية‏....‏ ويبدو أن سياسة‏(‏ العقوبات الغبية‏)‏ تجاه العراق في العقد المنصرم‏(1991‏ ــ‏2001)‏ قد تجاوزت حدود الهدف المفترض منها إسرائيليا‏.‏
ــ وهو مجرد التحييد ــ وجاءت بنتيجة عكسية إلي حد كبير‏.‏

وحتي في الاردن فإن اتفاق‏(‏ وادي عربة‏)‏ قد أحدث استقطابا سياسيا علي الساحة الاردنية‏,‏ بين الجسد السياسي المقاوم عموما للتطبيع‏,‏ والنظام السياسي الرسمي‏.‏
اما علي الساحة الفلسطينية‏,‏ فكان الهدف الإسرائيلي‏,‏ معاودة تحقيق الاستراتيجية الصهيونية الاصلية المتغياة من حرب‏1948,‏ بوسائل جديدة تتحصل في طريقة القضم قطعة قطعة‏,‏ والاستيعاب المتدرج‏,‏ بالحروب الصغيرة تارة‏(‏ في مواقع الوجود الفلسطيني المقاوم‏:‏ في الاردن اولا حتي أيلول الأسود‏1970‏ ثم في لبنان ثانيا حتي‏1983)‏ وبالسياسة تارة آخري‏(‏ تكتيك الخيار الاردني ثم تكتيك الحكم الذاتي‏)...‏

ولكن هذه الطريقة لم تحقق المستهدف منها‏,‏ فقد بنت المقاومة الفلسطينية ركائزها في الاردن‏,‏ ثم نقلتها الي لبنان‏,‏ وبعد الخروج من لبنان اشتعلت شرارة الانتفاضة الاولي‏(1988)‏ والتي دفعت اسرائيل إلي قناة التفاوض السرية عبر أوسلو‏,‏ ولما فشلت أوسلو قامت الانتفاضة الثانية ــ انتفاضة الاقصي لتدشن نهاية الحلم الاستراتيجي الصهيوني بالسيطرة التامة علي فلسطين التاريخية‏,‏ ولو بالتدريج‏.‏
‏(5)‏ وفي الخلاصة لقد تحطم حلم‏1967(‏ حلم استكمال تحقيق الهدف الصهيوني الاستراتيجي من حرب‏1948)‏ علي صخرة المقاومة العربية الشعبية لهذا الهدف في مصر وسوريا ولبنان والاردن‏,‏ بحيث استدارت اسرائيل من وراء هذه الصخرة‏,‏ كالمستجير من الرمضاء بالنار‏,‏ فلم تجد امامها سوي صخرة الصمود الفلسطيني‏.‏

وهكذا وجدت اسرائيل نفسها لأول مرة امام الجسد الفلسطيني العاري وجها لوجه‏,‏ تحاول ان تجرب معه اخر بدائلها وهو‏(‏ الاستئصال العضوي‏)‏ للعصب السياسي ـ العسكري الفلسطيني‏,‏ وفرض الاستسلام العضوي‏)‏ الكامل لما يتبقي من الشعب الفلسطيني علي ما يتبقي من أرضه المقطعة اوصالها‏...‏
ولكن كيف يمكن أن يتحقق هذا الاستئصال والاستسلام؟

هنا يطرح التساؤل عن امكان تكرار سيناريو‏1948‏ ــ وتتلخص أهم الخطوات المتصورة للسيناريو المذكور‏,‏ في صورة مستحدثة‏,‏ فيما يلي‏:‏
أ ــ استخدام آلة الحرب الالكترونية‏(‏ الذكية‏)‏ لتحطيم الأجهزة العصبية للهيكل القيادي الفلسطيني‏,‏ سواء منه الهيكل الرسمي‏(‏ السلطة‏)‏ أو الهيكل غير الرسمي‏(‏ غير السلطوي‏)‏ ــ ويشمل ذلك مراكز القيادة‏,‏ وما يسمي بالبنية الاساسية‏,‏ والتصفية العضوية للقيادات‏.‏

‏(‏ ب‏)‏ ــ توظيف المستعمرين الصهاينة في الضفة الغربية وغزة‏,‏ لتنفيذ أسلوب‏(‏ المذبحة‏)‏ المجرب في حرب‏1948‏ وفي أعقابها‏.‏
‏(‏ج‏)‏ ــ التعاون المشترك بين الجيش النظامي والمستعمرين من أجل شن حرب عصابات او ما يشبهها ــ علي مستوي ادني ــ من أجل تطبيق سياسة الترحيل او الترانسفير باتجاه الضفة الشرقية ورفح وما جاورها‏.‏

‏(‏د‏)‏ ــ فرض أمر واقع جديد تقسم بمقتضاه ارض الضفة وغزه إلي ثلاث قطع‏:‏ قطعة تديرها مصر‏(‏ جزء من غزة‏)‏ وقطعة تديرها الاردن‏(‏ جزء من الضفة الغربية‏)‏ ــ وقطعة تضمها إسرائيل مع امكان ترحيل‏(‏ عرب‏1948)‏ او معظمهم إلي الضفة المضمومة للاردن‏.‏
‏..‏ هذه اهم الخطوات المتصورة للتنفيذ المستحدث لسيناريو‏1948‏ ــ فهل توجد فرصة عملية لتحقيق السيناريو؟

من وجهة نظرنا‏,‏ فإن مثل هذه الفرصة ضئيلة جدا للاسباب التالية‏:(1‏ ــ‏)‏ الروح القتالية العالية التي يتصف بها التيار المقاوم للاحتلال الإسرائيلي جذريا‏,‏ يساعده في ذلك رأي عام فلسطيني يشعر بأنه لم يعد لديه ما يخسره سوي قيوده‏,‏ كما يساعده أيضا واقع التشابك أو‏(‏ الاشتباك‏)‏ علي مستوي البنية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية بين الشعب الفلسطيني والإسرائيليين‏,‏ بما يمكن ان يسهل اختراق الكيان الاجتماعي‏,‏ بل والسياسي ــ العسكري الصهيوني‏,‏ يضاف إلي ذلك اتباع تكتيك‏(‏ القنابل البشرية‏)‏ كسلاح فتاك يمكن ان يؤدي ــ بشروط معينة وضمن قيود محددة إلي تحييد ألة الحرب العسكرية الاسرائيلية‏.‏
‏(2‏ــ‏)‏ امكان وجود اسلحة فوق تقليدية‏(‏ كيماوية ــ حيوية‏)‏ في بلدان الطوق العربي حول إسرائيل‏,‏ أو ما جاورها وهي ان لم تكن موجودة بالفعل‏,‏ فهي موجودة بالظن لدي اسرائيل واصدقائها‏.‏

ويشكل هذا الوجود الفعلي أو الظني قيدا مهما علي فكر وحركة المخطط الاسترايتجي الاسرائيلي‏,‏ وصانع السياسات والعسكريتاريا المحترفة‏.‏
‏(4)‏ الدور المتعاظم الذي باتت تؤديه أجهزة تشكيل الرأي العام في العالم‏,‏ بما في ذلك أوروبا بالذات‏,‏ وما يسمي بالمجتمع المدني‏,‏ بما يفرض قيودا علي حركة القيادة الاسرائيلية‏,‏ وما يكمن خلفها من توجه مجتمعي عام ذي طابع أشد عنصرية‏.‏

‏...‏فلهذه الأسباب نري أن من الصعوبة بمكان استعادة سيناريو‏1948‏ والتاريخ لا يعيد نفسه علي أي حال‏,‏ غير أن هذا لا يعني تخلي إسرائيل عن حلمها الاستراتيجي المستهدف من وراء عدوان‏1967‏ وما تلاه‏,‏ أي تحقيق ما لم يتحقق في حرب‏1948.‏
قد تنفذ إسرائيل حلقة من حلقات هذا الحلم الضائع في الآونة الراهنة‏,‏ عبر المواجهات المنتقاه‏,‏ واستئصال القيادات المستهدفة‏,‏ بل والاجتياح الشامل المؤقت للاراضي‏,‏ ولكنها سوف تظل تحلق من وراء السراب حتي تتجسد العوامل التي تجبرها علي التخلي عن‏(‏ الحلم ــ الوهم ــ السراب‏)..‏ وأهم هذه العوامل حدوث تغير جذري في ميزان القوة الاستراتيجي بالمعني الشامل بين العرب‏(‏ بمن فيهم الفلسطينيون‏)‏ وبين اسرائيل‏...‏ وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلي تغير جذري آخر يطال الايديولوجية الصهيونية نفسها من حيث وجودها بالذات‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية