الكتاب

41933‏السنة 126-العدد2001سبتمبر27‏10 من رجـب 1422 هــالخميس

صعود وسقوط القوي العظمي‏!‏
بقلم السيد يسين

لم يكد العالم يفيق من صدي احداث يوم الهول العظيم الذي ألم بالولايات المتحدة الأمريكية شعبا وحكومة‏,‏ حتي تصاعدت عديد من الأسئلة التي سبق لها ان ترددت مع نهاية القرن العشرين‏,‏ حول استمرار القوة الأمريكية او اضمحلالها في العقود القادمة‏,‏ بالمعني التاريخي لكلمة الاضمحلال‏,‏ الذي هو المصير الحتمي لأي امبراطورية‏!‏
صيغت هذه التساؤلات في بداية القرن الحادي والعشرين حين أثار بعض الباحثين السؤال‏:‏ هل سيكون هذا القرن امريكيا‏,‏ أم ان هناك من الشواهد مايدل علي ان مرحلة الاضمحلال النسبي للامبراطورية الأمريكية قد بدأت لأسباب شتي؟

وربما كان أشهر الباحثين الذين تصدوا بالبحث العلمي للاجابة علي السؤال‏,‏ هو المؤرخ الأمريكي بول كيندي صاحب الكتاب الشهير الذي اثار ضجة كبري حينما صدر عام‏1977‏ وهو صعود وسقوط القوي العظمي من عام‏1500‏ حتي عام‏2000.‏
ويلفت النظر أولا ان بول كيندي انجليزي الأصل‏,‏ سبق له ان عمل مساعدا ل للباحث الاستراتيجي المعروف ليدل هارت‏,‏ وربما يفسر اصله الانجليزي جسارته في طرح موضوع اضمحلال القوة الأمريكية‏.‏ ومن ناحية ثانية فالعنوان الفرعي للكتاب يشير الي ان مؤلفه اراد ان يعطي لنفسه مجالا تاريخيا واسعا لاختيار اطروحته الرئيسية‏,‏ والتي مفادها انه اذا زادت الالتزامات الاستراتيجية للدولة العظمي علي امكانياتها الاقتصادية فإنها تسقط‏,‏ بالمعني التاريخي للكلمة‏,‏ بمعني الاضمحلال التدريجي لقوتها‏.‏ وقد دلل كيندي علي صدق مقولته حين اختبرها بالنسبة لامبراطوريات متعددة سبق لها في عصور شتي ان صعدت صعودا بارزا‏,‏ ومارست هيمنتها علي العالم‏,‏ ثم مالبثت ان لحقتها عوامل التفكك‏.‏

غير ان كيندي في تحديد الفترة الزمنية لبحثه من عام‏1500‏ حتي عام‏2000,‏ مع ان كتابه صدر عتم‏1978,(‏ ومعني ذلك انه انتهي من كتابه حوالي عام‏1985),‏ يكون في الواقع قد تحول بوعي من كونه مؤرخا مقتدرا يتقن التعامل مع الحقيقة التاريخية‏,‏ الي باحث مستقبلي اراد ان يمد بصر استشرافه لكي يتحدث عن خمسة عشر عاما تلت انتهائه من كتابه‏.‏ وأهمية هذا المسلك انه يسمح له بأن يستخلص من خيوط التفاعلات الدولية المتشابكة تنبؤا باضمحلال القوة الأمريكية في العقود التالية‏,‏ وهو التنبؤ الذي اثار عليه الدوائر الرسمية في واشنطن‏!‏ ولم يكن هذا غريبا‏,‏ فهاهو مؤرخ معترف به يحترف تدريس التاريخ في جامعة ييل العريقة‏,‏ يفاجئ زعماء الادارة الأمريكية بأن القوة العظمي المهيمنة للولايات المتحدة الأمريكية إلي زوال‏!‏
وينبغي ان نلتفت الي ان كيندي صاغ تنبؤه المثير في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفيتي قائما‏,‏ وان كانت بوادر التفكك كانت قد بدأت تفعل فعلها في جسده المترنح‏.‏ ولكنه استخلص تنبؤه بعد دراسة دقيقة مقارنة للامكانيات والقدرات السوفيتية والصينية واليابانية والأمريكية‏,‏ واعتمد في ذلك علي مؤشرات كمية وكيفية‏.‏

المؤرخ والمستقبل
وقد يكون مناسبا ان نثير السؤال التقليدي‏:‏ هل يصلح المؤرخ لكي يكون باحثا مستقبليا يصوغ الفروض والاحتمالات عن فترات مقبلة لم تتضح ملامحها وسماتها بعد؟ هناك اجابة معروفة علي السؤال‏,‏ مفادها ان المؤرخ بحكم دراسته المنهجية للماضي هو اقدر الناس علي التنبؤ بالمستقبل‏,‏ علي اساس استخلاصه للدلالات الهامة من عبر التاريخ‏.‏ غير ان هناك اجابة مضادة مبناها ان المؤرخ ليس مؤهلا لتحليل الحاضر الزاخر بالتفاعلات‏,‏ لأن تدريبه الأكاديمي لايسمح له إلا بتطبيق المنهج التاريخي‏,‏ معتمدا في ذلك اساسا علي الوثائق‏,‏ لاستخلاص مايطلق عليه وان كان مختلفا بشأنه الحقيقة التاريخية‏.‏ غير ان هناك عددا من المؤرخين اللامعين تحدوا في الواقع ـ بحكم القدرة النافذة علي الاستبصار والاستشراف ـ هذه الحدود التي اراد المعترضون ان يقيموها لتمنع حركة المؤرخ وامتداد بصره الي المستقبل‏.‏ولعل من ابرزهم جميعا المؤرخ الانجليزي الشهير اريك هوبزاوم صاحب المرجع المثير عصر النهايات القصوي‏:‏ وجيز القرن العشرين‏1914‏ ـ‏1991,‏ والذي صدر في لندن عام‏1994,‏ وترجمة ترجمة رائعة هشام الدجاني‏,‏ وصدر في عدة اجزاء عن منشورات وزارة الثقافة السورية عام‏1997.‏
هذا المرجع الفريد عن تاريخ القرن العشرين‏,‏ الزاخر بالاستبصارات العميقة‏,‏ يعد مثالا نموذجيا للتاريخ التأويلي الذي لايقنع فيه المؤرخ بسرد الأحداث التاريخية‏,‏ كما تفعل عديد من الكتب الفرنسية والانجليزية التي صدرت لتؤرخ للقرن العشرين‏,‏ وانما هو يتجاوز ذلك بمراحل لأنه يتعقب دهاء التاريخ في كل منعطف‏,‏ ويستخلص المعني والدلالة لكل حدث‏,‏ ليس ذلك فحسب وانما يعطي الحكم التقييمي الاجمالي للقرن العشرين‏,‏ حين يقارنه بالقرون السابقة‏,‏ ويصل هوبزاوم الي ذروة الابداع الفكري حين يضع يده علي الملامح الأساسية التي ستسم في رأيه بدايات القرن الواحد العشرين‏.‏

وقد أتيح له علي كل حال أن يلعب دور الباحث المستقبلي في الحوار الممتد الذي أجراه معه الكاتب الإيطالي أنطونيو يوليتو والذي صدر في باريس عام‏1999‏ بعنوان رهانات القرن الحادي والعشرين عن دار نشر كومبلكس في هذا الكتاب يستند هوبز اوم الي معرفته التاريخية العميقة لكي يمد بصره الثاقب الي المستقبل‏.‏
وهكذا فعل بإبداع حقيقي بول كيندي في نهاية كتابه الشهير ففي الفصل الثامن والأخير نجد عنوانه الدال الي القرن الحادي والعشرين ويبدأه بفقرة ممتعة فكريا حقا‏,‏ يعطي لها عنوانا هو التاريخ والتأمل‏.‏

يقول كيندي مفتتحا هذا الفصل المثير الذي ضمنه تنبؤاته بشأن اضمحلال القوة الأمريكية إن عنوان الفصل بذاته يتضمن ليس فقط تغييرا في نمط سرد الأحداث‏,‏ ولكن أيضا تغييرا في منهج البحث ويدلل علي رأيه بأنه حتي الماضي القريب يعد تاريخا‏,‏ وبالرغم من أن مشكلات التحيز والرجوع الي المصادر تؤدي الي أن مؤرخ الحقبة السابقة يجد أحيانا صعوبة التمييز بين العرضي والأساسي من الأحداث‏,‏ إلا أنه بعد لا يزال يبحث في حدود تخصصه الأكاديمي وهو التاريخ‏.‏
ولكن ـ يقول كيندي ـ أن يخوض المؤرخ في موضوع كيف يمكن للحاضر أن يتطور في المستقبل‏,‏ حتي لو اعتمد في ذلك علي اتجاهات بارزة مازالت تشق طريقها لتشكيل الأحداث‏,‏ فإن ذلك لا يعطيه الحق في أن يزعم أنه يتحدث عن حقيقة تاريخية

لأن مثل هذه الكتابات لم تعد تستند ـ كما هو الحال في الكتابة التارخية ـ إلي الدراسات والأبحاث والوثائق المؤرشفة وإنما تنتقل الي مجال التنبؤات الاقتصادية والاستشرافات السياسية‏,‏ مما يطرح قضية مدي صدقها هذا الصدق الذي يفترض في الكتابات التاريخية التقليدية الموثقة‏,‏ والمعتمدة علي المنهج التاريخي بمعناه الدقيق‏.‏ ذلك لأنه ليس هناك من يستطيع الحديث بثقة عن المستقبل‏.‏ فالأحداث غير المتوقعة‏,‏ وتجمد تيار معين كان قد بدأ يشق طريقة ويشكل الأحداث‏,‏ يمكن له أن يدمر أي تنبؤات مهما تبدو في وقتها لها منطقها ووجاهتها‏,‏ ما أصدق هذه العبارات حين تنطبق علي أحداث يوم‏11‏ سبتمبر‏2001!‏ وهل كان أحد يتوقع أن يحدث ما حدث فجأة وعلي غير انتظار‏,‏ أن يتم غزو الولايات المتحدة الأمريكية من الداخل‏,‏ في هجوم مفاجئ علي رموز القوة الأمريكية؟ أي باحث مستقبلي من خبراءوضع السيناريوهات كان يستطيع أن يتنبأ بهذا الحادث الجلل؟
كل هذا كان مقدمة أشبه ما تكون باعتذار ضمني للقارئ‏,‏ يقرر فيه المورخ بول كيندي أن مادة هذا الفصل التي تقوم علي التنبؤ بالمستقبل‏,‏ ليست سوي اجتهادات مؤقتة تقوم علي استخلاصات سائغة في مجال الاقتصاد والاستراتيجية بناء علي مؤشرات كمية وكيفية‏,‏ دون الزعم أن هناك ضمانات تؤكد أنها ستحدث‏.‏

ويحدد كيندي من بعد معالم منهجه فيقرر أن أفضل طريقة للنظر الي ملامح المستقبل هي أن تنظر للخلف بشكل مركز‏,‏ لكي تتابع عملية صعود وسقوط القوي العظمي عبر القرون الخمسة الأخيرة‏.‏ والفكرة الأساسية التي يصدر عنها الباحث هي أن هناك ديناميكية خاصة بالتغير تقودها أساسا التطورات الاقتصادية والتكنولوجية‏,‏ تؤثر لا محالة علي الأبنية الاجتماعية والأنظمة السياسية‏,‏ والقوة العسكرية‏,‏ وعلي وضع الدول والإمبراطوريات غير أن سرعة هذا التغير الاقتصادي الكوني الشامل ليست لها صيغة واحدة‏,‏ وذلك لسبب بسيط مؤداه أن مراحل التجديد التكنولوجي والنمو الاقتصادي هي بذاتها غير منتظمة‏,‏ ولأنه تحكمها ظروف المخترع الفرد‏,‏ والمنظم الاقتصادي المبادر‏,‏ وكذلك ظروف المناخ وشيوع الأمراض‏,‏ ووقوع الحروب‏,‏ واعتبارات الجغرافيا والإطار الاجتماعي‏,‏ وغيرها من العوامل المتشابكة‏.‏ وقد لوحظ أيضا أن المناطق والمجتمعات المختلفة عبر العالم‏,‏ لها معدلات في التغير قد تكون سريعة أو بطيئة‏,‏ ويتوقف ذلك ليس فقط علي تأثير الأنماط المتغيرة للتكنولوجيا والإنتاج والتجارة‏.‏ ولكن أيضا علي درجة استقبالها وتلقيها هذه الأنماط الجديدة‏,‏ التي تؤدي الي زيادة المخرجات وتنمية الثروة‏.‏ ويكفي في هذا الصدد للتدليل علي صدق هذه المقولة المقارنة بين مصر واليابان اللتين بدأتا التحديث في نفس الحقبة التاريخية تقريبا‏,‏ لنعرف كيف استطاعت اليابان التمثل السريع للتكنولوجيا وطريقة التنظيم الاقتصادي الغربية‏,‏ في حين تخلفت مصر في مضمار سرعة التمثل والتأسيس والتطوير‏.‏

والأطروحة الثانية لبول كيندي أن اختلاف معدلات النمو الاقتصادي عادة ما يكون له آثار طويلة المدي علي القوة العسكرية النسبية والموقع الاستراتيجي للدول المنتظمة في إطار نظام عالمي‏.‏
لم تكن هذه الإشارات المهمة إلا مقدمات لنظرية بول كيندي في صعود وسقوط القوة العظمي‏,‏ التي تحتاج الي مناقشة في ضوء نظريات أخري أحدث‏,‏ حاولت أن تتجاوز حدود وقصور نظريته‏,‏ ولعل أبرزها أنه ركز علي عوامل قوة الدولة العظمي‏,‏ غير أنه أغفل المصداقية الأخلاقية للإمبراطورية‏,‏ والتي حين تختل لابد لها أن تؤدي بها الي الاضمحلال بالمعني التاريخي للكلمة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية