قضايا و اراء

41916‏السنة 126-العدد2001سبتمبر10‏22 من جمادى الأخرة 1422 هــالأثنين

تحية بتحية
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

تفضل الأستاذ أنيس منصور فحياني منذ أسابيع قلائل بجريدة الأهرام وإني أحاول اليوم أن أرد له تحية بتحية والكاتب الكبير أنيس منصور صاحب أسلوب بالغ الرشاقة لماح الذكاء وهو أيضا صاحب ثقافة عامة قلما تتوافر لأحد غيره وقد كانت تحيته مجموعة من ذكريات الزمن الجائر وإني أروي هنا بعضا من ذكرياتي وأهديها إليه ذكريات بذكريات‏.‏
كنت نائما في بلدتنا غزالة فإذا بالخادمة تقتحم علي غرفتي ونومي والتليفون في يدها وتقول‏:‏

ـ رئيس نيابة الزقازيق
ـ ولماذا لم تقولي له إني نائم
ـ قلت له قال صحيه

فتناولت التليفون وأنا في شبه ذهول وجاءني صوت رئيس النيابة
ـ أنا فلان رئيس النيابة
ـ أهلا وسهلا

ـ هل يصح أن نأتي عندك ولا تأتي لزيارتنا
ـ آتي لزيارتكم
ـ متي
ـ غدا
ـ كثير
ـ بعد ساعة
ـ أيضا كثير
ـ سآتي فورا

وأقفلت سماعة التليفون وقلت لزوجتي‏:‏
ـ لا يكون هذا الإلحاح في الطلب إلا لأنه يريد القبض علي‏.‏ فأنا ذاهب إليه وأعدي حقيبتي وسأرسل السائق لآخذها‏.‏
وذهبت إلي سراي النيابة وكان زميل دراستي المرحوم عبدالرؤوف علي وكيل نيابة في الزقازيق فذهبت إلي غرفته‏.‏

ـ فيم يريدني رئيس النيابة‏.‏
ـ والله لا أدري لقد جاء في باكر الصباح وقال إنه يريد الاتصال بك‏.‏
دخلت إلي رئيس النيابة الذي استقبلني استقبالا حسنا وجلست أنتظر المحاكمة وفوجئت بالرجل الذي يشغل الوظيفة الخطيرة الشأن يقول لي‏:‏

ـ ابني سيتزوج يوم الخميس
ـ مبروك
ـ وأريدك أن تكلم وجيه بك أباظة ليجعل تحية كاريوكا ترقص في فرحه
وفي ذهول شديد قلت‏:‏
ـ حاضر
ـ سأطلب لك وجيه بك

وطلب الرجل وجيه بك وكلمته وأبلغته رجاء رئيس النيابة وخرجت وأنا شبه تائه عما حولي‏.‏ كيف يسوغ لرجل في مثل هذا المنصب أن يستغل منصبه هذا الاستغلال الرخيص بل إنه أيضا يستغل الفزع الأكبر الذي كنا نعيش حتي يحقق هذا المطلب التافه الذي طلبه ولكنها سمة عصر‏.‏
وأروي قصة أخري عن صديقنا المرحوم أنور أحمد الذي كان يتناول إفطاره في جروبي وكان يشغل منصب وكيل وزارة بوزارة الشئون الاجتماعية‏.‏

وكان الجالسون بالمنضدة المجاورة له في جروبي ينتقدون الحكم ولكن أنور أحمد كان لا يعرفهم ولا يعرفونه فانصرف عنه وأكمل إفطاره وقام لشأنه‏.‏ وفي اليوم التالي ذهب إلي مكتبه بالوزارة ولكنه وجد مكتبه مقفلا وتقدم إليه من أخبره بأنه مرفوت وسأل‏:‏
ـ لماذا
ـ لأنك كنت جالسا بجروبي أمس بجانبك بعض أشخاص ينتقدون الحكم
ـ ولكني لم أشترك معهم
ـ نعلم ولكنك أيضا لم تمنعهم من النقد

ولا تنسي يا أخي أنيس الفتاة التي وشت بأخيها وأبلغت عنه أنه ينتقد الثورة في داخل بيته فاعتقلته الثورة وأقامت هيئة التحرير حفل تكريم للأخت الواشية فقد استطاع الحكم أن يجعل الأخ جاسوسا علي أخيه والابن علي أبيه‏.‏
وبفضل هذا الحكم المشتعل بالحقد والكرهية والبغضاء نجد اليوم من يكتب المسلسل الذي يذاع الآن بالقناة الأولي في التليفزيون والذي يرمي عهد ما قبل الثورة بأنه كان محكوما براقصة داعرة هي التي تعين الوزراء وتتصرف في شئون البلد الاقتصادية‏.‏

وبلغ من انحطاط هذا المسلسل أنه سب كل زعماء هذه الفترة بل بالغ في الحقارة فامتدح حادث مقتل الشهيد أحمد ماهر باشا بيد غادرة وهو الرجل الذي ضحي بحياته من أجل مصر وكان قاب قوسين أو أدني من مشنقة الإنجليز‏.‏
كما عرض المسلسل بمحمد محمود باشا الرجل الذي ألغي الامتيازات الأجنبية وما يتبعها من المحاكم المختلطة بمعاهدة منترو‏.‏

ولم يفلت من المسلسل الهمجي النقراشي باشا الرجل الذي كاد الإنجليز يحكمون عليه بالإعدام مع أحمد ماهر باشا في ثورة‏19‏ وهو هو رئيس الوزراء الذي صاح بالإنجليز في هيئة الأمم أكبر مجتمع دولي اخرجوا من بلادنا أيها القراصنة‏.‏
لا يخجل المسلسل المعروض حاليا أن يمزق كرامة مصر بما يقدمه من سفول وبما يعتدي به علي زعماء مصر والكبار العظام من رجالها وحسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية