الكتاب

41905‏السنة 126-العدد2001اغسطس30‏11 من جمادى الأخرة 1422 هــالخميس

أوراق ثقافية
النقد الذاتي العربي
بقلم‏:‏ السيد يسين

إذا كنا في معرض مناقشتنا المنهجية لحوار الحضارات‏,‏ باعتباره محور تركيز المجتمع العالمي في الوقت الراهن‏,‏ قد خلصنا إلي أهمية دراسة العلاقة المتشابكة والمعقدة بين الأنا والآخر‏,‏ أو بعبارة أخري بين المجتمع العربي والغرب‏,‏ فقد كان منطقيا أن يكون مدخلنا إلي ذلك تفكيك الآخر ونقد الذات‏.‏ وقد انتهينا في هذا المجال من التحليل النقدي لمفهوم المركزية الغربية التي أقام علي أساسها الغرب هويته الحضارية‏,‏ وننتقل الآن إلي ممارسة نقد الذات العربية‏.‏
في عام‏1985‏ نشرت دراسة عنوانها خطاب الأزمة وأزمة الخطاب في كتاب المأزق العربي الذي حرره لطفي الخولي‏,‏ وقد عنيت فيها بتتبع الأصول التاريخية للنقد الذاتي العربي المعاصر‏,‏ وهي التي سنعتمد عليها بصورة رئيسية في تتبع الموجات المتتابعة لهذا النقد‏,‏ والذي يعد في الواقع من الإيجابيات البارزة للثقافة العربية المعاصرة‏,‏ والتي لم تول النقد الذاتي اهتماما ملحوظا‏,‏ بالرغم من أهميته الكبري في ترشيد مسيرة المجتمعات متقدمة كانت أو نامية‏.‏

الجذور التاريخية للنقد الذاتي
لو أردنا أن نتعقب جذور النقد الذاتي لوجدناها في الموجة الأولي التي أعقبت الهزيمة العربية في الحرب الصهيونية العربية في عام‏1948,‏ والتي انتهت بإنشاء دولة إسرائيل‏,‏ ولعل الكتاب النقدي البارز الذي كان علامة علي موجة النقد الذاتي التي أعقبت الهزيمة هو كتاب معني النكبة للمؤرخ اللبناني المعروف قسطنطين رزيق‏,‏ والذي صدر في بيروت عام‏1948.‏
لقد كان كتاب رزيق أول كتاب عربي التفت إلي ضرورة تشخيص أسباب الهزيمة‏,‏ وتكمن أهميته في أنه لم يقف عند الأسباب العسكرية وحدها‏,‏ كما أنه لم يقنع بالتأكيد التقليدي علي دور الاستعمار‏,‏ لكنه تطرق إلي الأسباب الحضارية والاجتماعية والسياسية‏.‏

لقد ركز زريق علي أهمية التغيير الموضوعي لنوع التفكير السائد وأنماط التصرف والسلوك‏,‏ ورأي أن دخول العرب العصر الحديث ومشاركتهم فيه تقتضي الاعتماد علي التكنولوجيا‏,‏ وفصل الدولة عن الدين‏,‏ وتدريب العقل العربي علي التفكير العلمي‏.‏ ولعل ما يلفت النظر هو شيوع استعمال كلمة النكبة في الكتابات العربية التي تصدت لموضوع الهزيمة العربية في الحرب الصهيونية ـ العربية‏.‏
هل كانت هذه إشارة مبكرة إلي أن الخطاب العربي الذي يعكس العقل العربي في هذه المرحلة‏,‏ يميل إلي تجاهل الحقيقة‏,‏ والابتعاد عن رد الأسباب إلي أصولها‏,‏ ويعجز عن تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية؟ نعم‏.‏ لقد أثبتت التطورات اللاحقة أننا في خطابنا المعاصر سرنا علي نفس الدرب‏,‏ في محاولة يائسة لرد أسباب هزائمنا وخيباتنا إلي عالم ما وراء السيطرة الإنسانية‏,‏ حيث يتحكم القدر هذه القوة المجهلة الغشوم في تسيير الأمور‏,‏ وحيث تنعدم الإرادة الإنسانية‏,‏ وتصبح مجرد أدوات يتلاعب بها في معارك المصير‏.‏ ألم نطلق علي هزيمة‏1967‏ النكسة؟ وألم نتحدث بعد حرب أكتوبر‏1973‏ في بعض ندواتنا عن الأزمة سواء كانت أزمة تطور حضاري أو أزمة فعل سياسي؟

لقد كانت موجة النقد الذاتي الأولي إذن شعارها النكبة‏,‏ والتي أدت إلي ظهور كتابات عربية عديدة‏,‏ من منطلقات أيديولوجية شتي لتشخيص أسباب هزيمة‏1948.‏ وقد دعت هذه الكتابات إلي تبني قيم وسياسات مختلفة‏,‏ وأحيانا متعارضة‏,‏ لتجاوز هذه الهزيمة العربية التي أدت إلي إنشاء دولة إسرائيل الصهيونية علي أرض فلسطين‏.‏ انطلقت صيحات تدعو لأهمية الرجوع إلي الدين الصحيح‏,‏ مختلطة بصيحات تدعو إلي الاعتماد علي ثورية الطبقات العاملة والتضامن الأممي‏,‏ بالدعوة إلي تبني التكنولوجيا‏,‏ مختلطة بأهمية الليبرالية السياسية‏,‏ وضرورة احترام القيم السائدة في العالم المتقدم‏.‏
ظلت هذه الدعوات سابحة في الفضاء السياسي ـ العربي إلي أن ظهرت الانقلابات العسكرية الأولي في العالم العربي‏,‏ والتي تتابعت بصورة فوضوية إلي أن جاءت ثورة يوليو‏1952,‏ والتي كانت تاريخا فاصلا في الممارسة السياسية العربية بين الانقلاب والثورة‏.‏ هذه الثورة التي أسهم في صياغة منطلقاتها وأفكارها ـ برغم تعدد المنابع واختلاف الاتجاهات ـ كل القوي المصرية من أول الإخوان المسلمين بكتاب مفكرهم البارز سيد قطب عن العدالة الاجتماعية في الإسلام إلي الشيوعيين المصريين‏,‏ مرورا بمصر الفتاة الذي تحول يصبح الحزب الاشتراكي‏,‏ إلي يسار الوفد والمستقلين‏.‏

ثورة يوليو‏1952‏ تاريخ ينبغي أن نقف عنده طويلا في هذا السياق‏,‏ لأنها الثورة التي حاولت أن تطبق ما دعا إليه الخطاب العربي في النقد الذاتي بعد هزيمة‏1948.‏
لقد تبلور برنامج الثورة ليكشف عن مجموعة من القيم الأساسية التي دعا إليها المثقفون العرب لتجاوز الهزيمة‏:‏ الحرية للمواطن‏,‏ في إطار من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية‏,‏ وإعادة صياغة المجتمع لتنقله من التخلف واللحاق بركب المعاصرة‏,‏ وأهم من ذلك الدعوة إلي الوحدة العربية انطلاقا من أيديولوجية القومية العربية‏,‏ التي عرفت أزهي عصورها بعد ثورة يوليو‏1952.‏

بين الموجة الأولي للنقد الذاتي التي بدأت عام‏1948,‏ والموجة الثانية التي أعقبت هزيمة يونيو‏1967,‏ مرت تسعة عشر عاما كاملة‏,‏ حدثت فيها تطورات شتي علي الصعيد العالمي وفي المحيط الإقليمي‏..‏ سقطت نظم عربية‏,‏ وقامت نظم أخري‏,‏ وأصبح النفط عاملا أساسيا في السياسة العربية‏,‏ ودار جدل وصراع عنيف بين النظم التقدمية والنظم الرجعية‏,‏ واشتعلت معارك بالغة الضراوة والعنف بين القوميين والماركسيين‏,‏ وبين القوميين والإسلاميين‏,‏ دار كل ذلك في إطار صياغة وتنفيذ المشروع الحضاري القومي الناصري‏,‏ الذي شد أبصار العالم العربي كله من المحيط إلي الخليج‏,‏ والذي أثر بفعله إيجابا وسلبا علي مجمل السياسة العربية‏.‏ ثم في لحظة خاطفة‏,‏ وبالذات في الساعات الأولي من‏5‏ يونيو‏1967‏ سقط الصرح الشامخ نتيجة هزيمة عسكرية ساحقة لم تكن أبدا في الحسبان‏.‏
وهكذا ظهرت الموجة الثانية من موجات النقد الذاتي العربي بعد النكسة‏.‏ ولعل كتاب صادق جلال العظم النقد الذاتي بعد الهزيمة هو أبرز كتب النقد الذاتي في هذه المرحلة‏.‏ كانت النكسة هي الاسم المستعار للهزيمة‏,‏ والذي أطلقته عليها السلطة الناصرية‏,‏ وبالتالي أخذ قاموسنا يزدحم بالمصطلحات الإشارية الاستعارية‏,‏ بدأنا بالنكبة عام‏1948,‏ وانتهينا بالنكسة عام‏1967.‏

والموجة الثانية من موجات النقد الذاتي تحتاج منا إلي وقفة متعمقة‏,‏ ذلك لأننا نستطيع التأكيد أنه بالرغم من حرب أكتوبر المجيدة عام‏1973,‏ فإننا مازلنا نعاني الشعور بالهزيمة في يونيو‏1967..‏ لماذا؟ ينبغي أن نتعمق الأسباب‏,‏ في محاولة لتعمق هذه الأسباب وقفت طويلا في كتابي الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر‏(‏ بيروت‏:‏ دار التنوير‏,‏ الطبعة الثالثة‏,1983)‏ للتحليل المتعمق لأدبيات الموجة الثانية للنقد الذاتي‏.‏
هكذا كان حال المجتمع العربي في نهاية الأربعينيات‏,‏ فإذا نظرنا إلي نهاية الستينيات لأدركنا أن غالبية العوامل التي أدت إلي هزيمة‏1948,‏ والتي كانت في حد ذاتها مبررا لحركات ثورية كبري في العالم العربي‏,‏ من المفروض أنها انتفت في حرب‏1967,‏ علي أساس أن التغيرات الثورية العميقة التي أصابت المجتمعات العربية في ظل الدول التقدمية قد قضت عليها‏.‏

وقد خلصنا من دراستنا إلي أن جسامة صدمة هزيمة يونيو‏1967‏ التي أصابت الوعي العربي‏,‏ ترد إلي عاملين أساسيين‏:‏ أولهما‏:‏ تضخم صورة الذات العربية نتيجة للأوهام التي زرعت في أذهان الجماهير العربية عن القوة التي لا تقهر للقوات المسلحة العربية‏.‏ وثانيهما‏:‏ المحاولات الدعائية المنظمة التي أسهم فيها عدد من المثقفين العرب الذين يفتقرون إلي النظرة العلمية‏,‏ والتي حاولت بدأب الإقلال من خطر العدو الإسرائيلي والاستهانة بقدراته‏,‏ ورسم صورة مزيفة لحقيقة أوضاعه الاجتماعية والسياسية والعسكرية‏.‏
غير أننا لو تأملنا المشكلة بصورة أعمق‏,‏ لأدركنا أن خيبة الأمل الجسيمة التي أصابت الجماهير العربية‏,‏ وفي مقدمتها المثقفون‏,‏ ترد إلي إدراك صحيح بأن المشروع القومي الحضاري الذي رعته ثورة يوليو‏1952,‏ والذي أصبح محط آمال العرب في نهضة حقيقية قد سقط‏,‏ ليس بسبب الظروف الخارجية فقط‏,‏ ممثلة في التآمر الدولي‏,‏ خصوصا في الحلف الأمريكي ـ الإسرائيلي لضرب مشروع الثورة العربية‏,‏ ولكن أيضا وبالأساس نتيجة قصور جسيم اعتور معمار المشروع نفسه‏,‏ ولعل أهم جوانب القصور عدم الاعتداد بالمشاركة الشعبية المنظمة‏,‏ والاعتماد علي أجهزة السلطة‏,‏ التي سقطت في الاختبار الحقيقي‏,‏ حين تمت المواجهة الحاسمة في يونيو‏1967.‏

ما الذي حدث نتيجة لهزيمة يونيو‏1967‏ وسقوط مشروع الثورة العربية؟ نستطيع أن نضع أيدينا علي عدد من التحولات الجوهرية التي لحقت بالوطن العربي‏.‏
لقد ضعفت الدعوة إلي الوحدة العربية‏,‏ وتنامي التيار الإقليمي وترسخ‏,‏ وأصبحت مصلحة الدولة القطرية هي الأساس الحاسم في رسم السياسات وعقد التحالفات‏,‏ وفي الممارسة العربية‏.‏

ومن ناحية أخري شهدنا صعود دعاوي الإسلام السياسي الذي قدم نفسه بديلا لمشاريع الثورة العربية العلمانية‏,‏ وأحدثت الثورة الإيرانية باعتبارها مثالا بارزا للإسلام السياسي الثوري أصداء بالغة العمق في العقل العربي المعاصر‏,‏ خصوصا في مراحلها الثورية الأولي‏,‏ وقبل أن يتكشف وجهها الحقيقي عن نظام ديني رجعي وقمعي‏.‏
ومن ناحية أخري سري تيار الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ بالهجوم المنظم علي فكرة القطاع العام وما تمثله من قيم‏,‏ وما تعكسه من سياسات توزيعية لمصلحة جماهير الشعب‏,‏ وصعدت ـ بتأثير الثروة النفطية بعد حرب أكتوبر‏1973‏ خاصة ـ دول عربية إلي ذرا الثراء الفاحش‏,‏ الذي أدي من خلال الممارسة إلي إجهاض القوي الثورية في الوطن العربي‏.‏

وقد يبدو غريبا أن حرب أكتوبر‏1973‏ بما مثلته من قدرة علي تحقيق التنسيق السياسي بين بعض البلاد العربية‏,‏ ومن جسارة عسكرية مشهودة‏,‏ لم تستطع أن تمحو الإحساس بالهزيمة الذي ورثناه وعاش في أعماقنا بعد‏1967.‏ ولعل ذلك يرجع إلي تشرذم العالم العربي‏,‏ وظهور جوانب الضعف الجسيمة في بنائه‏,‏ مما جعله أرضا مستباحة للعدوان الإسرائيلي المتكرر‏.‏
وهكذا تتابعت موجات النقد الذاتي العربي‏,‏ ولعل السؤال المهم الذي ينبغي طرحه الآن هو‏:‏ تري ما هي حصيلة هذا النقد؟ وهل أدي إلي فهم الأسباب العميقة للتخلف العربي؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية