قضايا و اراء

41895‏السنة 126-العدد2001اغسطس20‏غرة حمادى الأخرة 1422 هــالأثنين

ذكريات مع توفيق الحكيم
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

كانت للجنة التأليف والترجمة والنشر ندوة أدبية عامرة بدار اللجنة بحي المنيرة وكانت تثور في هذه الندوة مناقشات ملتهبة حول الكفر والإيمان وكان بطل الإلحاد الكافر ليس مصريا وكان أعضاء الندوة الآخرون جميعا يدفعون حججه ويدحضون آراءه‏,‏ وأذكر من هؤلاء العمالقة أحمد بك أمين وتوفيق بك الحكيم ودكتور أحمد زكي ودكتور زكي نجيب محمود والأمير شكيب أرسلان وعبدالواحد بك خلاف‏.‏
وفي يوم من أيام هذه الندوات التي كنت أظل فيها صامتا إجلالا للمتحدثين‏.‏ انتهت الندوة وخرجت أنا متأخرا بعض الشيء وفوجئت بتوفيق بك الحكيم واقفا في الممشي الذي يصل الباب الخارجي بباب الدار ونظره متجه إلي الدار وكان واضحا أنه ينتظر خروج شخص من الدار‏.‏ وتوقعت أن يكون أي شخص إلا أنا فقد فوجئت به يقول لي‏:‏

ـ هل أنت ثروت أباظة الذي يكتب تمثيليات في الإذعة؟
ـ نعم أنا‏.‏
ـ أن معجب جدا بتمثيلياتك وحين أجد لك تمثيلية في برنامج الإذاعة لا أخرج من البيت لأسمعها‏.‏

ودارت بي الدنيا وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع وجمعت الحروف والكلمات علي شفتاي لأقول للعملاق‏:‏
ـ أظن سعادتك تقدر السعادة التي تغمرني وأنا أسمع هذا الكلام وأكاد لا أصدق أنني يست في حلم من أحلام اليقظة‏.‏
ـ لا عليك إني فعلا معجب بتمثيلياتك وأحب أن أراك‏.‏
ـ غدا سأكون عند سعادتك في دار الكتب‏.‏

وانصرفت تدور بذهني أيام كنت أمر بتوفيق بك جالسا في المقهي المقابل للبنك الأهلي وكنت أقف بجانب البنك رانيا إلي توفيق بك في إعجاب‏.‏
ولا أنسي يوم دعاه أبي هو والعملاق الآخر إبراهيم عبدالقادر المازني وخجلت أن أقدم نفسي إليهما‏.‏

وذهبت إلي توفيق بك في اليوم التالي واستقبلني الصديق العزيز الأديب الحاج محمود يوسف وأدخلني إلي توفيق بك الذي لقيني بترحاب وأهداني كتابه الخالد فن الأدب الذي كان حديث الصدور‏.‏
لم يكن الكتاب صغيرا وانكببت عليه لا أفلته من يدي حتي أتيت عليه وفوجئت بأستاذنا يقول في الكتاب إن كتاب الإذاعة لا يعتبرون كتابا بالمعني المفهوم‏.‏

وظل هذا الرأي يرن في نفسي حتي صدر كتابي ابن عمار‏.‏
وبمناسبة ابن عمار لا أنسي يوما ذهبت فيه إلي توفيق بك بمجلسنا بمقهي بترو بالإسكندرية‏.‏ ولم أكد أجلس حتي بادرني توفيق بك بقوله‏:‏
ـ مبروك يا سيدي‏.‏
ـ بارك الله فيك‏.‏ خيرا‏!‏
ـ قرروا تدريس كتابك ابن عمار علي طلبة السنة الإعدادية‏.‏
ـ صحيح؟
ـ هاك الجريدة‏.‏

ـ وقرأت الخبر وملأني الفرح أن يقرر أول كتاب لي علي طلبة السنة الإعدادية ولكن الحديث مع توفيق بك كان يخفي به لي مفاجأة أخري فقد ذهلت وأنا أسمع توفيق بك يقول‏:‏
ـ شف الحمير ـ يختارون كتابك ويتركون كتابي‏.‏

وكنا تعودنا أنا وتوفيق بك وأستاذنا نجيب محفوظ في الإسكندرية أن نتناول غداءنا بأحد المطاعم ثم نذهب إلي السينما وغالبا ما نذهب بعد ذلك إلي نادي السيارات بالإسكندرية‏.‏
وأذكر أنني كنت أتناول غدائي مع توفيق في أحد المطاعم وجاء النادل وسأل توفيق عما يطلب كحلو فطلب عنبا ثم سألني فطلبت أنا الآخر ـفي عفويةـ عنبا وإذا بتوفيق يصيح بي في شبه ذعر‏:‏
ـ أتريد عنبا‏.‏
ـ لا بأس‏.‏
ـ فقال للنادل‏:‏
ـ إذن اعطني فاكهة أخري‏.‏
ـ فقلت في دهشة‏.‏
ـ ماذا حدث يا توفيق‏.‏
ـ لا تطلب طلبين من صنف واحد فإنهم سيأتون بطلب واحد ويحسبونه عليك طلبين‏.‏

وأذكر أن صديقا لتوفيق بك ولنجيب ولي توفيت أمه فاتفق ثلاثتنا علي أن نرسل له برقية موقعة بأسماء ثلاثتنا ويدفع كل منا نصيبه من قيمة البرقية وكتبنا البرقية بصيغة معروفة أحسن الله عزاءكم وحين حاولنا أن نتقاسم الأجر وجدناه لا يقبل القسمة علي ثلاثة فاقترح توفيق بك أن نجعل كلمات البرقية أحسن الله ولا نزيد‏.‏
رحم الله الأديب العظيم جزاء الصرح الأشم الشامخ الذي أقامه للأدب العربي فإنه لاشك أبو المسرح العربي ورائده وأستاذه‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية