تحقيقات

41886‏السنة 126-العدد2001اغسطس11‏21 من جمادى الأولى 1422 هـالسبت

تحقيق السبت
من سليم إلي إبراهيم

تحقيق : عزت السعدني
سليم تقلا ـ ابراهيم نافع
‏*‏ لا أحد منا يستطيع أن يمنع طلوع الشمس‏..‏
لا أحد منا يستطيع أن يطفيء نور الشمس‏..‏
لا أحد منا يستطيع أن يمنع القمر من نشر نوره في قلوب المحبين‏..‏
لا أحد منا يستطيع أن يمنع شعاع القمر من التسلل إلي صدور الشعراء والعشاق والذين ذابوا غراما والذين تدروشوا عشقا‏..‏ والذين تدلهوا صبابة وهياما‏..‏
لا أحد منا يستطيع أن يوقف تدفق النهر‏..‏
لا أحد منا يستطيع ولو جمع كلام الدنيا كلها‏..‏ أن يخفي نور شمعة صغيرة‏..‏
لا أحد منا يستطيع أن يقاوم جمال زهرة‏..‏
لا أحد منا يستطيع أن يحرم الدنيا من زقزقة عصفور مغرد‏..‏ أو براءة ورقة طفل يلهو ويلعب‏..‏ أو تحليق فرخ طائر صغير يجرب جناحيه للطيران‏..‏ أو تفتح زنبقة فوق سطح بحيرة هادئة‏..‏ أو تفتح امارات الجمال والفتنة فوق وجه فتاة لم تبلغ الحلم بعد‏..‏ أو النور المتدفق من وجه مؤمنة بربها راكعة ساجدة مسبحة بحمد الواحد الأحد‏..‏
لا أحد منا يستطيع أن يدير ظهره للهرم‏..‏ أو يقول لا للحب‏..‏
أو يدير ظهره للحق والخير والجمال‏..‏
أو ينكر نفسه ولا يرد عندما تطرق الفضيلة بابه‏..‏
إذا كنا لا نستطيع أن ننكر أو نتنكر لكل هذا‏,,‏ أو نتعالي أو نتواري أو نضع رءوسنا في الرمال‏..‏ لأننا لا نستطيع أن ننكر الهرم أنه تنكر للنهر أو نخفي القمر أو نطفيء الشمس‏..‏ أو لا يطل علينا صبح وليس بين أيدينا الأهرام‏..‏ فالأهرام أصبح جزءا من نسيج حياتنا‏..‏ ومن تفاصيل يومنا‏..‏

فالأهرام قد تدفق في وجداننا وجري ماؤه في عروقنا‏..‏ ودخل في تشكيل ملامح أمة بحالها‏..‏
أصبح الأهرام مثل مصري‏..‏ أصبح لنا كلنا‏..‏ أصبح أهرام الجميع‏..‏ والجميع أصبح لهم هرمهم‏.‏

ان رحلة الأهرام مع الأيام هي نسخة طبق الأصل من رحلة أمة مع مستقبلها مع طابعها مع تقدمها مع نجاحها وفلاحها‏..‏
انها قصة حياة أمة وحكاية شعب مع جريدة‏..‏ وقصة حياة جريدة مع شعب بحاله وماله‏.‏

‏.................‏
‏.................‏
مازلنا نتحاور ونتناقش ونتكلم‏..‏ الأهرام الأب يتحدث‏..‏ ونحن الأبناء التلاميذ منصتون‏..‏
كنا نتحدث عن مؤسس الأهرام سليم تقلا‏..‏ وانتقل بنا الكلام إلي شقيقه بشارة تقلا‏..‏ ماذا فعل عندما جاء مكملا رسالة أخيه؟
جاء بشارة تقلا إلي مصر لكي يساعد أخاه في بذل الجهد المستطاع في سبيل الدعاية لصحيفته والحصول علي عدد من المشتركين‏,‏ ولكن إقبال الناس علي الصحف كان قليلا في ذلك العهد فلم يلق إقبالا ولا تشجيعا‏.‏
وكان إعراض الناس مدعاة لتثبيط الهمم لولا أن الشقيقين أوتيا من قوة العزيمة وسعة الأمل ما شجعهما علي المضي في إنشاء تلك الصحيفة‏.‏
ولم يكن الرأي العام القارئ يعرف عن الأهرام وصاحبها شيئا‏,‏ ولو كانت الأهرام جريدة تصدر في لبنان قبل صدورها في مصر‏,‏ لكان إقبال الناس وخاصتهم عليها عظيما كما حدث لأصحاب مجلة المقتطف لما نقلوها من هناك إلي وادي النيل‏.‏
ثم مشي الشقيقان سليم وبشارة تقلا قدما إلي إصدار جريدة الأهرام بعد أسابيع ثلاثة بعد صدور الترخيص بها سبعة أشهر وتسعة أيام‏.‏

أسأل‏:‏ ماذا كتب سليم تقلا في أيامه لـالأهرام؟
قال‏:‏ كتب سليم تقلا المحرر الأول لـالأهرام‏:‏
بشارة باشا تقلا ـ انطون الجميل ـ محمد حسنين هيكل
هذا هو العدد الأول من السنة الأولي لجريدة الأهرام المرعية بعناية الحكومة السنية والمستعدة الاستعداد التام لأن تجعل من يتصفحها واثقا بما يطالعه لأنها تعاني البحث لتقف علي الفوائد الصحيحة فتوفي بحقوق الجرائد‏,‏ وتكسب قبول الجمهور‏,‏ والاستقبال شاهد‏.‏ فعلي أولي الغيرة والهمة مد يد المساعدة الأدبية المنتجة المادية وذلك بالإقدام علي الاشتراك فتشجع ولا نبالي بالصعوبات الابتدائية كيف كانت‏.‏
وعلي الجمهور أن يلاحظ من عدد إلي عدد التقدم الذي يحدث بالتدريج فإنه لمؤكد أن كل ابتداء صعب وأن ثبات البناء موقوف علي رسوخ الأساس وإحكامه فأملنا ألا نكتسب الملام لكن حسن القبول من العموم بعد الافتخار باكتساب الالتفات الشريف من حكومتنا السنية التي تبذل وسعها بنشر الإفادة العمومية وتسهل للجميع سبل النجاح‏,‏ فحينئذ تحظي الأهرام برضاها ورضي الجمهور وتحل عندهم محل القبول‏.‏
أما هذا العدد فيرسل إلي حضرات الوكلاء في جميع الجهات ليوزع علي الذين وصل إليهم المثال وعلي سواهم أيضا كعادة الجرائد‏,‏ فمن يقبله يكن قابلا الاشتراك وحينئذ يسمح بتقييد اسمه في لائحة المشتركين التي تكون مع الوكلاء والموزعين‏.‏ فالمرجو أن يمن علينا الجمهور باقتباله بالوجه الباش ولهم مزيد الفضل والمنة‏.‏

أسأل مولانا الأهرام‏:‏ ماذا كان موقف الخديوي إسماعيل من الأهرم؟
قال‏:‏ كما قال د‏.‏ إبراهيم عبده في كتابه عني قبل‏37‏ سنة‏:‏
أما شعور الحكومة نحو الأهرام فأمره إلي اليوم غير معروف‏,‏ وقد يكون الخديو إسماعيل أعانها كما أعان غيرها من الصحف التي كانت تصدر في مصر‏,‏ إلا أن الوثائق ـفيما أعلمـ لم تشر قط إلي أي تأييد مادي قدمته الدولة لها‏,‏ أو قدمه أحد رجالها ممن أعانوا الصحف بمال عام أو خاص‏,‏ وإن ذكرت بعض الصحف أن الحكومة دعت الناس إلي الاشتراك فيها وأن رياض باشا كان من أنصارها المؤيدين‏.‏
وأكبر الظن أن الحكومة قد قصرت اشتراكها علي السنة الأولي فقط إذا صح أن تأييدها لـالأهرام قد تم في هذا النطاق المحدود‏.‏
وقد راجعنا الوثائق المتصلة بالمنح والهبات التي قدمت للصحافة العربية والأجنبية في مصر والخارج سنة بعد سنة‏,‏ سواء كانت تلك الوثائق مطبوعة في الكتب أو لا تزال مخطوطة في محفوظات عابدين ـحينما كانت الوثائق محفوظة فيهاـ فلم نجد أثرا لمنحة أو هبة قدمت لـالأهرام أو لصاحبيها‏.‏
كذلك راجعنا فيما راجعنا ميزانية الدولة منذ سنة‏1875,‏ وفيها كانت أبواب خاصة بالأموال التي صرفت للصحافة عامة في سبيل الدعاية‏,‏ فلم نعثر في أي ميزانية من تلك الميزانيات حتي نهاية عهد إسماعيل في سنة‏1879‏ علي أي مال صرف لـالأهرام أو لمحرريها أو لأصحابها‏,‏ مع أن تلك المنح كانت تفصل في ميزانيات الدولة‏,‏ تفصيلا ظاهرا خاصة قبل تقرير المسئولية الوزارية‏,‏ وغل يد الخديو عن التصرف في الأموال العامة‏.‏
ومهما يكن من أمر‏,‏ فإن إعانة الحكومة لأي صحيفة لم تكن عيبا أو عارا‏,‏ وحسبنا أن كثيرا من الصحف الوطنية المتطرفة‏,‏ الخصيمة للحكومة وسياستها قد بذل لها الخديو بسخاء رغم خصومتها لسياسته‏,‏ ثم استطاع أن يشتري كثيرا من محرريها‏,‏ ولم يجد الجيل في ذلك ضررا مادامت الصحافة تؤدي رسالتها أحسن الأداء‏.‏
قلت‏:‏ يا جدنا لقد علمتنا ألا نمد أيدينا لأحد‏..‏ ومازلنا حتي يومنا هذا علي هذ العهد‏.‏

‏.................‏
‏.................‏
أترك لجدنا الأهرام الغرفة لكي يداعب غليونه ويتمتع بأنفاسه التي حرم نفسه منها أكثر من ثلاث ساعات‏..‏ عندما عدت كانت أسارير وجهه تنطق بالراحة والسرور والهدوء والحبور‏.‏
احمد بهاء الدين ـ احسان عبدالقدوس ـ يوسف السباعى ـ على حمدى الجمال
قلت له‏:‏ يامولانا وسيدنا وجدنا الأكبر لقد حدثتني عن سليم تقلا مؤسسك ولم تحدثني عن شقيقك بشارة تقلا الذي تحمل المسئولية معه ومن بعده فكان نعم العون ونعم السند‏.‏
قال‏:‏ هو عمي وشقيق والدي سليم تقلا ـ وكما يقول إلياس زخورا في كتابه السكندريون في مصر الذي صدر سنة‏1927‏ ـ وقد ولد في‏22‏ أغسطس سنة‏1852‏ في قرية كفر شيما في جبل لبنان‏,‏ وقد أكمل تعليمه واشتغل مدرسا مثل أخيه سليم‏,‏ ثم ترك التدريس وجاء إلي مصر وساعد أخاه في إصدار الأهرام‏.‏
وفي سنة‏1879‏ حدث ما حدث في مسألة المالية المصرية ورأي بشارة الظلم المحيط بالفلاح المصري فانقض قلمه في دواته فكتب فصلا بعنوان ظلم الفلاح لايزال صداه يدوي في البلاد‏,‏ فبعث اسماعيل باشا بعض الجنود للقبض علي أخيه سليم فلما دري بذلك أرسل أخاه إلي الوكالة الروسية وذهب هو مع الجنود إلي سراي عابدين وأرضها تنتفض جزعا من غضب اسماعيل باشا فدخل غير وجل ولاخائف والخطر محدق به‏,‏ فأمر الخديو بسجنه فسجن ثلاثة أيام لم يقابل فيها أحدا ولم يسمع من فم كلمة سوي صديق بذل للوقوف علي أحواله في سجنه كل وسيلة وعند خروجه من السجن وجد الأهرام مقفلا فأصدر جريدة جديدة باسم الوقت‏!‏
وبعد حدوث مذبحة الاسكندرية سنة‏1882‏ هاجر إلي سوريا وما استقر به المقام حتي عاد إلي الاسكندرية والدمار مخيم فوقها والثائرون قد أحرقوا مطبعته وداره‏,‏ فأصدر الأهرام وحده في إحدي المطابع‏,‏ وقال يحدثنا عن نفسه إنه كان يكتب الجريدة ويقابل سمو الخديو يوميا ويصنع طعامه بيده لأن الاسكندرية كانت خالية وليس فيها ساكن‏,‏ فظل يتحمل هذه المشاق وحده شهرا ونصف شهر ثم دخلت الجنود الانجليزية العاصمة وسكنت البلاد وعاد شقيقه من سوريا فابتاعا مطبعة واستأنفا العمل‏.‏
وفي‏20‏ سبتمبر سنة‏1884‏ أقفلت الحكومة جريدة الأهرام لأن بشارة تقلا كتب مقالا قال فيه‏:‏ ان الحكومة المصرية لاتخدم مصر بل انجلترا‏!‏
وكان لبشارة تقلا موقف من مجلس شوري القوانين الذي أنشأه الانجليز وعينوا أكثر من نصف أعضائه‏,‏ وحدث أن قصر المجلس في أداء واجبه فكتب بشارة يقول بعد أن يأس من اصلاح المجلس‏:‏
نشهد الله أني لم أخلف وعدا ولا أهملت واجبا مما تقتضيه حقوق المصلحة الوطنية فقد علم الخاص‏,‏ والعام وسمع الصم والبكم صوت ندائنا ندعوهم للواجب وفي جميع كتاباتنا لم نحاذر معنفا ولم نخش في قول الحق ملاما‏.‏

‏.................‏
‏.................‏
يداعبني جدنا الأكبر ويتفضل علي حفيده بدعوته للجلوس إلي جانبه علي الأريكة الطرية‏..‏ ولما رأيته هاشا باشا قلت أعرف منه أحوال مصر قبل قرن ونصف من الزمان‏..‏ سألته‏:‏ قل لي ياجدي كيف كانت أحوال مصر في ظل حكم الخديو اسماعيل وما أدراك ماحكم اسماعيل‏..‏ عندما ظهرت للوجود أول مرة؟
قال‏:‏ كانت مصر تعيش أجمل سنوات عمرها كله‏..‏ بعد أن حول اسماعيل باشا مصر لتعبر جسر الحضارة والنور‏..‏ لتدخل بذلك مصر في عصر الزمن الجميل‏..‏ بالأوبرا وكوبري قصر النيل وحديقة الحيوان والقصور والفرق المسرحية العالمية والاحتفالات وافتتاح قناة السويس ولكن‏..‏
قالها وسكت‏..‏

قلت‏:‏ ولكن ماذا يامولانا؟
قال‏:‏ كانت حالة البلاد الاقتصادية لا تسر عدوا ولا حبيبا فالديون بفوائدها العالمية أربكت ميزانية البلاد وحملت الحكومة والشعب أعباء تفوق الاحتمال‏..‏ كما يقول مؤرخنا الكبير عبدالرحمن الرافعي‏..‏ كان من نتائج صعود أسعار القطن في سنوات الحرب الأمريكية أن انغمس الأهلون في الترف والاسراف‏,‏ وتوسعوا في النفقات‏,‏ واستدانوا من المرابين بفاحش الفوائد بأمل استمرار الصعود في أسعار القطن‏,‏ ولم يتبصروا في العواقب‏,‏ فركبتهم الديون‏,‏ وأخذت الحالة تسوء في نهاية سنة‏1865,‏ إذ أخذ الدائنون يطالبون بديونهم‏,‏ وحدثت أزمة عالجتها الحكومة بالتدخل بين المدينتين ودائنيهم صونا للثروة العامة‏,‏ وضنا بها أن تنتقل إلي أيدي المرابين والتجار والماليين الأجانب‏,‏ فتعهدت بسداد ديون الأهلين علي أن ترجع بها عليهم‏.‏
لنسأل‏:‏ وميزلنية البلد خربت بالطبع‏!‏
قال‏:‏ لم يكن للحكومة ميزانية بالمعني الذي نفهمه اليوم‏,‏ لأن الخديو لم يفرق بين مالية الحكومة وماليته الخاصة‏,‏ بل كان يعتبرهما أمرا واحدا‏,‏ وكانت كل أموال الدولة رهن إرادته‏,‏ يتصرف فيها كما لو كانت أمواله الخاصة‏,‏ ومن هنا جاء الخلل وسوء الإدارة وضياع الأموال بغير حساب ولا رقيب‏,‏ ولا يمكن أن يطلق لفظ ميزانية علي تلك الأرقام الإجمالية التي كانت الحكومة تنشرها عن إيراداتها ومصروفاتها‏,‏ لأن هذه الأرقام لا تبين حقيقة الإيراد والمنصرف‏,‏ ولم تكن مطابقة للواقع‏,‏ فإن كثيرا من أبواب الإيراد كانت تغفل في الميزانية‏,‏ ولايعرف أين تذهب متحصلاتها‏,‏ ولم يكن من المحتمل أن ميزانية يتولي وضعها وتنفيذها وزير مالية مثل اسماعيل باشا صديق مدة ثماني سنوات متوالية تكون ميزانية جدية يعرف منها حقيقة الدخل والخرج‏,‏ بل لابد أن تكون مثال الفوضي والخلل‏,‏ ولم يكن للمجلس الخصوصي‏(‏ مجلس الوزراء‏)‏ ولا لمجلس شوري النواب تأثير فعلي في المسائل المالية‏,‏ بل كانت إرادة الخديو هي القانون‏,‏ وأوامره‏,‏ حتي الشفوية‏,‏ هي النافذة في كل الشئون‏!‏
قلت‏:‏ هذا شئ طبيعي الحاكم يفعل مايشاء وكيفما يشاء ووقتما يشاء‏!‏
قال‏:‏ سأحدثك عن ايرادات مصر ومصروفاتها‏..‏
قلت له‏:‏ هات ماعندك‏..‏
قال‏:‏ مخصصات الخديو وحده كانت في السنة‏300,000‏ جنيه‏+‏ مخصصات العائلة الخديوية‏110,725‏ جنيه‏+‏ جزية الاستانة‏..‏ كانت مصر تدفعها سنويا ورقمها‏658,335‏ جنيه‏+‏ ديوان الداخلية وأعضاء المجلس الخصوصي‏(‏ مجلس الوزراء‏)26,800‏ جنيه‏+‏ ديوان الجهادية والمدارس الحربية‏700,000‏ جنيه‏+‏ ديوان المالية وملحقاته‏151,710‏ جنيه‏+‏ ديوان البحرية ووابورات النيل‏210,000‏ جنيه‏+‏ ديوان الخارجية‏9,015‏ جنيه‏+‏ مجلس الأحكام ومجالس الدعاوي والاستئنافات ومجلس التجار‏(‏ المحكمة التجارية‏)33,610‏ جنيه‏+‏ مديريات الأقاليم بحري وقبلي‏148,015‏ جنيه‏+‏ ديوان الأشغال العمومية‏017,875‏ جنيه‏+‏ مجلس الصحة والاستباليات‏036,345‏ جنيه‏+‏ دواوين المحافظات‏085,225‏ جنيه‏+‏ ضبطيات مصر والاسكندرية‏089,280‏ جنيه‏+‏ ديوان المدارس‏(‏ وزارة المعارف‏)‏ ومكاتب الدروس‏53,020‏ جنيه‏+‏ ديوان الجمارك‏28,300‏ جنيه‏+‏ مرتبات حريم واشراقات‏17,950‏ جنيه‏+‏ مرتبات أرباب المعاشات والموظفين‏213,160‏ جنيه‏+‏ مخصصات الحج الشريف والتكايا‏66,770‏ جنيه‏.‏

أسأل‏:‏حاجة عظيمة‏..‏ أين العجز في الميزانية إذن؟
قال‏:‏ لما تولت لجنة التحقيق الأوروبية فحص الميزانية من سنة‏1877‏ تبين مبلغ مافيها من العجز مثلا في سنة‏1877‏ كان الايراد‏9,589.900‏ جنيه والمنصرف‏10,972,100‏ جنيه والعجز‏1,382,200‏ جنيه‏.‏
وكتب القاضي الهولندي فان بملن يصف حالة البلاد في عام‏1879‏ بعد صدور الأهرام بأربع سنوات‏:‏
انتشر المرابون انتشارا هائلا في عهد اسماعيل‏,‏ ونصبوا شباكهم في طول البلاد وعرضها‏,‏ يمتصون بها دماء الفلاحين‏,‏ ومعظم المرابين من الأروام والأوروبيين أو الرعايا المشمولين بالحمايات القنصلية‏,‏ والطريقة المخربة التي تجبي بها الضرائب مقدما كانت في الواقع لصالح الماليين من رعايا القنصليات‏,‏ وفي بعض الأحيان كانت الحكومة تقترض من هؤلاء مبلغا من المال‏,‏ علي أن تكل إليهم الرجوع علي الفلاحين وجباية الضرائب منهم في جهة معينة‏,‏ فكانوا يجوبون القري مصحوبين برجال السلطة ويستخلصون من الأهالي أكثر مما أدوه للحكومة وأكثر من الضريبة المستحقة‏!‏

‏...................‏
‏...................‏
قلت‏:‏ اسمح لي يامولانا أن أسألك عن المرأة المصرية‏..‏ كيف كان حالها قبل نحو قرن كامل ويزيد من الأعوام؟
قال‏:‏ لم تعد المرأة سلعة أو بدعة أو متعة للرجل يفعل بها مايشاء وقتما يشاء‏..‏ ولكن الرجل المصري بدأ ينظر إليها كشريكة لحياته‏..‏ وقل تعدد الزوجات بين الطبقات المثقفة كما قل الطلاق وامتلاك السرائر وما ملكت ايمانكم من النساء والجواري‏!‏
وبدأت النهضة النسائية في عصر اسماعيل‏,‏ إذ أنشئت المدارس لتعليم البنات وبدأت المرأة تشترك بنصيبها في النهضة الاجتماعية‏,‏ والأدبية‏,‏ فكانت عائشة عصمت تيمور طليعة هذه النهضة‏,‏ وكان لرفاعة بك الطهطاوي فضل كبير في ترقية المرأة المصرية‏,‏ فهو أول من دعا إلي نهضتها وإلي تعليم البنات وتثقيفهن أسوة بالبنين‏.‏
وقال رفاعة الطهطاوي في كتابه الذي صدر سنة‏1872‏ تحت عنوان‏:‏ المرشد الأمين للبنات والبنين ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معا لحسن معاشرة الأزواج‏,‏ فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك‏,‏ فإن هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا‏,‏ ويجعلهن بالمعارف أهلا‏,‏ ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي‏,‏ فيعظمن في قلوبهم‏,‏ ويعظم مقامهن لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش‏,‏ مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لمرأة مثلها وليمكن المرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطي من الأشغال والأعمال مايتعاطاه الرجال‏,‏ علي قدر قوتها وطاقتها‏,‏ فكل مايطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن‏,‏ وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة‏,‏ فإن فراغ أيديهن عن العل يشغل ألسنتهن بالأباطيل‏,‏ وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل‏,‏ فالعمل يصون المرأة عما لايليق‏,‏ ويقربها من الفضيلة‏,‏ وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء‏!‏
فالدعوة إلي نهضة المرأة في مصر ترجع كما تري إلي رفاعة بك‏,‏ ثم جاء من بعده قاسم بك أمين‏,‏ فجددها ووسع نطاقها‏..‏
قلت بلغة جدنا الأكبر‏:‏ والله عفارم عليك ياعم رفاعة‏!‏

‏...................‏
‏...................‏
يسمع مولانا ضجيجا وصريخا وألفاظا نابية تخرج من دوامة خناقة وشجار فوق كوبري اكتوبر تحت نافذة مكتبي ـ مع اننا في الدور العاشر وكل النوافذ مغلقة وهواء المكيفات يرطب المكان‏..‏

يسألني‏:‏ ماذا جري ياهلتري؟
قلت‏:‏ حادثة تصادم فوق الكوبري‏..‏
قال‏:‏ حوادثكم المرورية فاقت حوادث باريز ولندرة‏..‏ قالها بلغة زمان وهو يعني باريس ولندن‏.‏
قلت‏:‏ ربنا يستر‏!‏

قال‏:‏ كم عدد سكان القاهرة الآن؟
قلت‏:16‏ مليونا وفي النهار يصل إلي العشرين مليونا‏!‏
فغر فاهه وقال‏:‏ ياه‏..‏ يابني دي مصر كلها كان تعدادها في‏3‏ مايو‏1882‏ يعني من‏119‏ سنة بالضبط‏6,806,381‏ مليون انسان‏..‏ والقاهرة مش حتصدقني كان تعدادها‏399‏ ألف إنسان‏..‏ والاسكندرية قريبة منها جدا‏316‏ ألف انسان‏!‏
قلت‏:‏ احنا بقي في عين العدو‏66‏ مليون بني آدم‏!‏
قال‏:‏ روح ياشيح ربنا يكون في عونكم وعون رئيسكم‏..‏ عشان يوكل ويشرب ويعلم ويفتح بيوت‏..‏ يووه‏!!‏

‏...................‏
‏...................‏
أقبل الليل ونحن لاندري‏..‏ فالحديث طويل وذو شجون صحفية‏,‏ وصحبة الجد ممتعة ثقافية وفكرية ونفسية بلا حدود‏..‏
ولأنها متعة لن تتكرر إلا بعد ربع قرن آخر‏..‏ عندما نصل إلي عام‏2026‏ يامين يعيش‏..‏ مرور قرن ونصف قرن علي صدور الأهرام‏......‏
فقد جلسنا في الصالون الملحق بمكتبي بعيدا عن الرسميات نشرب أكواب الحلبة والجنزبيل والقرفة التي طلبها الجد العظيم‏..‏ وأحرجني مولانا وسيدنا وجدنا عندما أمسك بطربوشه الأحمر القاني وطلب مني أن أرسله إلي الطرابيشي لكي يكويه‏!‏
أسقط في يدي‏..‏ من أين أعثر علي طرابيشي في عصر اندثرت فيه الطرابيش واختفي المطربشون‏..‏ وتذكرت فجأة اننا عندما ننتقل كل رمضان للإفطار مع أستاذنا صلاح هلال عند أبوهاشم في الغورية كنا نمر علي محل طرابيشي‏..‏ هذا الطرابيشي الوحيد الباقي حتي الآن في القاهرة كلها‏..‏ في كرتونة الأجندات وضعنا طربوش أفندينا أقصد جدنا وطار به محمود السائق إلي الغورية لكيه وتنظيفه وتلميعه وضبط زره‏..‏
قلت‏:‏ ياجدنا العزيز‏..‏ انت تقرأ الأهرام كل يوم أليس هذا صحيحا‏..‏ يعني تقرأ نفسك بنفسك‏!‏
قال‏:‏ أيوه ياعفريت‏..‏ وأتابع كل ماتكتبونه وماتسطرونه‏..‏ وأراقب نجاحاتكم وسقطاتكم أحيانا‏..‏ وأعيش مع كتابكم الكبار والصغار‏..‏

قلت‏:‏ سيدنا‏..‏ ماذا تقرأ في الأهرام؟ بم تبدأ وبم تنتهي مع قهوة الصباح؟
قال وهو يسرح بناظريه عبر النافذة القريبة‏:‏ الصفحة الأولي طبعا‏..‏ العناوين أو المانشتات زي مابتقولوا دلوقتي‏..‏ لكن الجرنال كبر بعد‏4‏ صفحات أصبح كام دلوقت؟
قلت‏:‏ من ثلاثين إلي أربعين صفحة كل يوم‏..‏ ده غير الملاحق‏..‏
قال‏:‏ ربنا يزيد‏..‏ بعد الصفحة الأولي وغم أخبار الصفحة الأولي وكوارثها‏..‏ علي فكرة أنا عاصرت سبعة حروب‏..1882‏ واحتلال الانجليز مصر كانت سنة سودة‏..‏ والحرب العالمية الأولي من سنة‏1914‏ حتي سنة‏1919‏ والحرب العالمية الثانية من‏1939‏ حتي‏1945‏ ثم حرب فلسطين سنة‏1948‏ وتخاذلنا وهزيمتنا‏..‏ ثم حرب‏1956‏ بعد تأميم القناة‏..‏ وبعدها حرب‏1967‏ المهينة للعرب‏..‏ ثم حرب استرداد الكرامة العربية في‏1973..‏
قلت‏:‏ يعني يامولانا شفت وعاصرت واكتويت بـ‏7‏ حروب كئيبة‏..‏ عبر نحو ستين سنة‏!‏
قال‏:‏ إلا حرب واحدة كنت أتنطط فيها من الفرح والدموع في‏73..‏

قلت‏:‏ وبعد الصفحة الأولي بتشوف إيه في الأهرام؟
قال‏:‏ الصفحة الأخيرة اللي ابتدعها كمال الملاخ الذي كان صحفيا مبدعا وخلاقا لايتكرر‏..‏

أسأل‏:‏ وبعدها؟
قال‏:‏ الرياضة والحوادث وأخبار الآثار فإنها تتعلق بحضارة مصر العظيمة‏..‏
قلت‏:‏ زي ماعلمنا أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل بالضبط‏..‏
قال‏:‏ انا أفتقد الآن مقالات هيكل بصراحة التي كنت حريصا عليها صباح كل جمعة‏.‏
هل من المعقول الا نقرأ لهذا الصحفي الأستاذ إلا سطورا في كل شهر مرة علي صفحات‏(‏ وجهات النظر‏)‏ ؟
قلت‏:‏ دخلنا في الكتاب الذين نقرأ لهم عبر تاريخك الطويل الذي امتد‏125‏ عاما‏.‏
قال‏:‏ سأقول لك الحق‏..‏ وسأسرد عليك من سررت بأقلامهم وتأثرت وارجو ان تسعفني ذاكرتي حتي لا أنسي احدا فهم كثر‏.‏
فردت اريالات اذني وفتحت محطة الاستقبال عندي وضغطت علي زر التسجيل حتي احظي بشرف معرفة من يحبهم ويقرأ لهم الأهرام نفسه؟
قال‏:‏ إذا كان الأهرام هو ديوان الحياة المعاصرة فإنه أيضا ديوان النجوم الزاهرة‏..‏ وبداية أنا من اشد المعجبين بصاحب نشأتي سليم تقلا‏..‏ فهو صحفي اديب وشاعر وجريء في الحق وقد سجنه الخديوي لجرأته‏,‏ ثم افرج عنه‏..‏
ومن بعده بشاره تقلا وشقيقه الذي عاش ايام غزو احتلال الانجليز للاسكندرية وهاجم الحكومة التي تخضع للانجليز‏.‏
وكنت من قراء احمد لطفي السيد استاذ الجيل وفيلسوف الحياه المصرية‏..‏ ثم محمود سامي البارودي شاعر السيف والقلم‏.‏ وبعده احمد شوقي امير الشعراء‏..‏ ثم مصطفي لطفي المنفلوطي صاحب البلاغة وسحر الاسلوب‏.‏
ثم ظريف الظرفاء محمد المويلحي‏..‏ والمدافع عن الحق توفيق دياب أستاذ وأديب وكاتب لا يباري‏..‏ وللأسف أنتم لم تقرأوا له‏.‏
ولا أنسي مقالات طه حسين التي كان الباعة ينادون بها علي الأهرام‏:‏ اقرأ ياجدع طه حسين بيقول إيه للانجليز‏..‏
وعباس العقاد هو الآخر كانت يكتب في الصفحة الأولي للأهرام وكان الأهرام يبيع أكثر عندما يكتب ويهاجم هذا ويدافع عن ذاك‏..‏
ولا أنسي مطران خليل مطران ومقالاته رغم أنه لم يمكث أكثر من عام في رياسة تحريري‏..‏ ثم فكري أباظة كان كاتبا عملاقا يبيع الأهرام باسمه وبمقالاته الساخرة‏.‏
وعندك سلامة موسي وابراهيم المصري‏..‏ وأحمد الصاوي محمد في عموده الشهير ما قل ودل‏..‏ وأنطون الجميل والدكتورة بنت الشاطيء وتوفيق الحكيم ود‏.‏ حسين فوزي‏..‏ ويوسف السباعي وأحمد بهاء الدين شعلة الفكر المتقد التي انطفأت قبل الأوان‏..‏ ود‏.‏ يوسف ادريس الشعلة المتقدة وأنيس منصور‏..‏ وأنتم لا تعرفون انه كان يقدم لنا قصصا مترجمة ومؤلفة في بداية الخمسينيات‏..‏
ولا أنسي نجيب المستكاوي في الرياضة‏..‏ فهو أبوالنقد الرياضي والذي أدب الرياضة‏..‏ وأخيرا رئيس تحريري والذي يمسك آخر لبخيط في عمري كله‏..‏ ابراهيم نافع‏..‏ الذي أشبهه بخوفو باني الهرم الأكبر‏..‏ فهو من البنائين العظام الذين قامت الصحافة الحديثة علي أكتافهم‏..‏ فسليم هو البداية‏..‏ وهيكل هو ميزان الصحافة‏..‏ وإبراهيم هو المشيد والباني والأب الروحي للسحافة المصرية كلها الآن‏.‏

أسأله‏:‏ بم تصفه؟
قال‏:‏ العقل والهدوء والرزانة وعدم الانفعال‏..‏ وتلك أعظم صفات وضعها الله في الإنسان‏..‏ لا يتسرع في اتخاذ قرار لحظة انفعال ولا يثور أبدا‏..‏ ولا يغضب لأن الغضب حماقة‏..‏ والحمق يورث الكفر والعياذ بالله‏..‏
مازال جدنا يتكلم‏:‏
لو وضعته وسط عشرة من أذكي الرجال‏..‏ لكان هو أكثرهم ذكاء دون أن يقول ذلك أو يعلن عن ذلك‏..‏
وهو قادر علي أن يخفي ذكاءه وعبقريته في رزاء من التواضع الجم والبساطة والتلقائية والشفافية ونقاء اليد واللسان‏..‏ يفعل كل ذلك والابتسامة لا تفارق شفتيه‏..‏
قلت‏:‏ ايه الحب ده كله‏..‏
قال‏:‏ لأنني أكبر معه وبه وأفخر به وله ويفخر هو بانتمائه إلي‏.‏

‏...................‏
‏...................‏
يطرق الباب فريق من فتيات الجيل الصاعد من الصحفياتخفن يسلمن علي الجد الكبير عندما عرفوا أنه معي في غرفتي‏..‏

سألنه‏:‏ ماذا تري في المرأة كصحفية؟
قال وحمرة حجل لم أتوقعها تملأ وجهه المشرب بالحمرة والعافية رغم سنوات عمره الـ‏125:‏ الحياة لا تسير إلا بالمرأة‏..‏ واذا كرم الله الرجل منحه زوجة فاضلة صالحة تقف إلي جواره ولا تقف أمامه‏..‏ هي معه علي الزمان وليس هي والزمان عليه‏..‏
والصحافة مهنة نسائية في الأصل‏..‏ ثم سرقها الرجل من المرأة‏..‏

يسألن‏:‏ ازاي ياجدنا؟
قال‏:‏ لأنها مهنة الفضول ومعرفة الأخبار ؟؟؟ وكثرة السؤال‏..‏ والبحث عن المجهول وما خفي‏..‏ وما لا يعرفه الناس وفيها كثير من النميمة والرغي واللت والهجن وكلها صفات نسائية‏..‏ واللا ايه؟‏!‏

قلن‏:‏ ومين بيعجبك من الصحفيات والكاتبات؟
قال‏:‏ من الرواد‏:‏ ملك ناصف حفني ومي زيادة ودرية شفيق‏..‏ ثم أمينة السعيد ود‏.‏ بنت الشاطيء وصوفي عبدالله‏..‏ ومن الجيل الذي يكتب الآن‏:‏ سناء البيسي واقبال بركة ود‏.‏ هالة مصطفي الكاتبة والمحللة السياسية‏,‏ وانجي رشدي وسكينة فؤاد وأمينة شفيق وبهيرة مختار ومها عبدالفتاح‏.‏

يسألنه‏:‏ ومن الصحفيات الشابات الجدد؟
قال‏:‏ من الجيل الصاعد عندك‏:‏ أهداف البنداري في الأهرام وكريمة كمال في صباح الخير‏..‏ وهبة باشا في مجلة نصف الدنيا‏.‏
قلن‏:‏ ياه ياجدنا‏..‏ انت تعرف كل شيء ولا تخفي عليك خافية‏..‏ وكأنك تعيش بيننا وتحضر اجتماعاتنا وتتجرع همومنا‏!‏

‏...................‏
‏...................‏
وبعد أن أخذن صورا تذكارية مع الجد الأكبر‏..‏ تخرج الصحفيات الشابات المقبلات علي الحياة‏..‏ راضيات باسمات مشرقات‏..‏ فهن لم يزخلن بعد في مرحلة القرشنة وهو فيروس يصيب المرأة عادة بعد أن تدخل شرنقة الأربعين من عمرها‏!‏
قلت‏:‏ نكمل معا قائمة الكتاب الذين تقرأ لهم في الأهرام عبر مشواره الطويل‏..‏ لقد تحدثنا عن هؤلاء الكتاب العظام وأقلامهم الساحرة‏..‏ وأعني بهم جيل الكتاب الذين ملأوا صفحات الأهرام والحياة المصرية نورا وتنويرا حتي منتصف القرن العشرين‏.‏
قال‏:‏ أنت ياولدي تحرجني ولا أعرب بمن أبدأ وبمن أنتهي‏..‏ لأنني أخشي ألا يفهم كلامي أحدا منهم أو يغضب أو أنساه فأرجو العذر مقدما من أبنائي وحاملي راية الفكر والسياسة والأدب والفن والمدافعين عن الحق وسيادة القانون وحرية الأفراد والديمقراطية‏.‏
ـ لو تصفحنا الأهرام صفحة من بعد صفحة كما أفعل كل صباح‏..‏ لوجدنا الكتاب الذين أقرأ لهم علي الدوام في هذه الأيام‏..‏ فأنا من أشد المعجبين بالعمود الذي يكتبه سلامة أحمد سلامة تحت عنوان من قريب‏..‏ وأقرأ أيضا صندوق الدنيا لأحمد بهجت‏..‏ ومواقف أنيس منصور‏..‏ وحقائق إبراهيم نافع‏..‏ ومجرد رأي لصلاح منتصر‏.‏
كما أنني حريص جدا علي قراءة مقال فهمي هويدي كل ثلاثاء‏..‏ ومقال فاروق جويدة كل أحد‏..‏ ومقال صلاح الدين حافظ كل أربعاء‏..‏ وبريد عبدالوهاب مطاوع كل يوم جمعة‏..‏ ومقال مصطفي محمود كل سبت‏.‏
وأقرأ ما تكتبه كل سبت وإن كنت ترهقني بدراساتك وقفيشاتك التي أشعر فيها أنه لم يعد يعجبك أحد في هذا الزمان‏!‏
قلت‏:‏ من يعيش مناخ الزمن الجميل ويتذوق فنونع ويصادق رواده وكتابه وفرسانه‏..‏ يزعجه وينكد عليه عيشته ما يراه حوله من هزيل الفن‏..‏ ورديء الأدب‏..‏ وأمية المثقفين‏..‏ وتسلط الأدعياء وانحدار الأذواق‏..‏ وبيع تراث مصر لمن يشتري وإعلان دولة الأرزقية والهليبة والمنافقين والمحتالين ودكاترة الفن الهابط وملفهم التعليمي يقول إنهم من سواقط الاعدادية‏.‏
قال‏:‏ أما أنا ياعزيزي فمازالت دماغي موزونة بمواويل وبشارف وطقاطيق عبده الحامولي وسلامة حجازي وصالح عبدالحي وكامل الخلعي‏..‏ وزادها سلطنة وعمرانا وبهجة وطربا ألحان الشيخ زكريا أحمد ومحمد الفصبجي ورياض السنباطي‏.‏ جوقة أم كلثوم وسندة عرسها ونجاحها‏..‏

أسأله‏:‏ وبعد أم كلثوم يامولانا؟
قال‏:‏ أنا لا أسمع بعد أم كلثوم أحدا‏..‏ وهل هناك أحد يمكن أن يملأ فراغ أم كلثوم؟
قلت‏:‏ والله مافي حد‏!!‏

‏...................‏
‏...................‏
يفاجئني مولانا بمفكرة جيب صغيرة تحمل أوراقها أيام عام‏1948..‏ من أجمل سنوات الزمن الجميل في مصر علي حد قول سيدنا وتاج رأسنا‏..‏ وقال لي‏:‏ اقرأ ما كتبته بالأمس فيها بعد حضوري احتفالكم بمرور‏125‏ عاما علي مولدي‏..‏
رحت أقرأ ما كتبه الأهرام بخط يده الةميل الذي يتفوق علي خطوط الكمبيوتر وآلات الجمع حلاوة ووضوحا‏:‏
‏**‏ كنت أتمني أن أقابل قائد السفينة الأهرامية في عيد ميلادي‏..‏ ولكنهم أخبروني أنه مسافر إلي أمريكا للعلاج‏..‏ شفاه الله وعافاه‏..‏ لقد أذهلني مبني الأهرام الجديد‏..‏ ومبني مطبعة أكتوبر ومطبعة قليوب‏..‏ انها صروح الأهرام التي قامت علي أكتاف الباني والمعمر إبراهيم نافع‏..‏
واذا كان مصطفي أمين وعلي أمين ميثلان ظاهرة صحفية أحدثت انقلابا في الصحافة المصرية في الخمسينيات‏..‏ واذا كان محمد حسنين هيكل صانع الأهرام الحديث هم ظاهرة صحفية في الستينيات والسبعينيات‏..‏ فإن إبراهيم نافع هو ظاهرة صحفية فريدة في الثمانينيات والتسعينيات والقرن الحادي والعشرين‏..‏ وهو يتفوق علي كل من سبقوه في أنه هرم انجازات وحقيبة انتصارات صحفية‏..‏ وهو من نوع الرجال الذين يحولون التراب ذهبا‏..‏ وهو يدير دولاب عمل يتحرك فيه أكثر من سبعة آلاف إنسان ما بين محرر وكاتب ومصور ورسام وفنان ومهندس وفني واداري وعامل‏..‏ بنفس الهدوء الذي يتحدث به‏..‏
وسر نجاح إبراهيم نافع قائد المركب الأهرامية يكمن في أنه يختار مساعديه بعناية شديدة‏..‏
وهو يعرف بالضبط قدرات كل معاونيه وكل كاتب وكل محرر وكل مصور وكل رسام بدقة بالغة تثير الدهشة‏..‏
وهو لا يحب أن ينافقه أحد أو يداهنه ويتملقه أحد‏..‏ وهو ليس من النوع الذي يسمع للوشاة وأصحاب الذنب الصحفية والمستلقين والصاعدين السلم علي أكتاف الآخرين‏..‏
قلت في نفسي‏:‏ أذكر أنه قال لي مرة إذا جاءك أحد يحدثك عن زميل بما يكره‏..‏ فاحذف‏50%‏ من كلامه للأغراض الشخصية‏..‏ ثم احذف‏25%‏ من الباقي احتياطي لقلب الحقائق‏..‏ ثم أحكم بعد ذلك احذف‏25%‏ الباقية لعدم ثقتك في محدثك الذي جاءك بالوشاية‏..‏ يعني النتيجة صفر في المائة‏..‏ ما تسمعش كلام من حد علي حد‏!‏
أعود أقرأ ما كتبه الأهرام في مفكرته الصغيرة‏:‏
وابراهيم نافع صاحب الانفرادات الصحفية‏..‏ وهو يكتب مانشيت الأهرام أكثر من نصف أيام السنة‏..‏ وقد قابل كل زعماء وملوك ورؤساء العالم‏..‏ وأجري معهم حوارات سياسية‏..‏ وهو يكتب في السياسة والاقتصاد ومشاكل الناس‏..‏ وفي الحب أيضا له باع طويل‏..‏ وله أكثر من كتاب في الحب والزواج‏..‏ يعني باختصار هو موسوعة صحفية متنقلة‏..‏ ومن كثرة نجاحاته وانتصاراته كثر حساده والذين همهم في الحياة تعطيل المراكب السايرة‏..‏ وقلت هل أوقف نباح الكلاب أو غبار الطريق ولو مرة واحدة مسيرة القافلة؟

‏...................‏
‏...................‏
يتركني جدنا بعد ساعات طويلة مرت كأنها دقائق أمضيناها في حوار كأنه حصة في فنون صاحبة الجلالة ودرس في أخلاقيات المهنة‏..‏
قلت له وأنا أشد علي يده‏:‏ لا نقول وداعا‏..‏ ولكن إلي لقاء‏..‏
قال‏:‏ إن شاء الله بعد خمسة وعشرين عاما في عيد ميلادك الـ‏150‏ بإذن الله‏..‏ نراك علي خير‏..‏ وسلامي الكبير لقائد السفينة‏..‏ ؟؟؟؟؟
قلت‏:‏ لو كان لنا عمر يا مولانا‏..‏
الرجال يجيئون‏..‏
الرجال يذهبون‏..‏
الأيام تمضي والسنين تمر‏..‏
ولكن يبقي الأهرام شامخا قويا مادامت الأصالة باقية‏..‏ وما دامت جذوره ضاربة في أرض الحضارة والتاريخ والحب والخير والحق والعدل والجمال والفضيلة‏..‏
وما دمنا قد شربنا من ماء النيل‏..‏ ووضعنا الهرم في صدورنا مكان القلب‏..‏ وما دمنا ندين بدين السماحة والتسامح والرحمة والتراحم‏.‏ وما دمنا نتنفس هواء مصريا خالصا‏..‏ وما دمنا من ثدي النهر رضعنا‏..‏ ومن طين الأرض شببنا‏..‏
ستبقي مصر‏..‏ ويبقي الأهرام شاهدا حيا يرزق‏..‏ يطل علينا كل طلعة شمس مع كل ما يجري فوق تراب وتحت سماء هذا البلد الطيب‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية