الكتاب

41886‏السنة 126-العدد2001اغسطس11‏21 من جمادى الأولى 1422 هـالسبت

صباح السبت
المرأة التي قتلت سامي السلاموني‏!‏
بقلم : عادل حمودة

تصوره البعض شيخا من مشايخ الطرق الصوفية‏....‏ وتصوره البعض رومانسيا حالما يحلق في السماء ولا يهبط علي الأرض‏....‏ وتصوره البعض تلميذا مشاغبا يخرج لسانه لجميع المدرسين ويرمي الحجارة علي شبابيك كل النائمين‏...‏ وتصوره البعض كاتبا غاضبا لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب‏.‏
لكن‏...‏ سامي السلاموني ــ الناقد السينمائي المتميز الذي رحل بعيدا عن الأرض قبل‏10‏ سنوات بالضبط ــ كان يفكر بطريقة مختلفة‏....‏ كان يصر دائما علي الخروج عن النص‏...‏ لذلك لم يعجبه في أغلب الأحيان كاتب السيناريو والمنتج والمخرج ومهندس الديكور وصانع المكياج وفريق التمثيل‏...‏ وكان يطالب الجمهور أن يسترد ثمن تذكرة السينما لأن السينما كلها أونطة في أونطة‏.‏

وسامي السلاموني حين كان يخالف قوانين النقد السينمائي التي كانت سائدة ــ والتي كانت خاضعة لقانون ليس في الامكان أفضل مما كان ــ فإنه لم يكن يفعل ذلك بدافع المشاكسة أو الرغبة في الشهرة أو الثروة‏,‏ فزهده في الحياة معروف لدرجة أنه لم يكن يملك بيتا يعيش فيه لسنوات طويلة‏...‏ وعندما نجح أخيرا في الحصول علي أربعة جدران علي أطراف صحراء مدينة نصر لم يستمر طويلا علي قيد الحياة‏....‏ مات بعطب في القلب‏...‏ قبل أن تستقر فيه امرأة واحدة‏..‏ فقد كان أشهر المضربين عن الزواج‏.‏
وقد عرفته عن قرب سنوات طويلة كانت فيها شوارع وسط القاهرة مكانا نقضي فيه معظم ساعات النهار والليل‏...‏ فهذه الشوارع كانت قريبة من دور الصحف التي نعمل فيها‏..‏ وفيها دور السينما التي ندخلها ونعشقها‏...‏ ومطعم سيدة يونانية كنا نفضل طعامها‏...‏ ومكتبة مدبولي التي كونت ثلاثة ارباع عقولنا علي الاقل‏...‏ وكافتيريا لاباس ومقهي ريش ومركز البن البرازيلي وكانت أماكن تجمعنا التي فيها نحلم ونتحاور ونتشاجر ونتبادل الكتب والأخبار ودعوات المسرح والنقود القليلة‏.‏

كنا شلة قدر لها أن تشق طريقها إلي الأمام‏..‏ منها أحمد زكي وعادل إمام و أحمد مرعي ورساما الكاريكاتير جمعة فرحات ورؤوف عياد ومهندس الديكور نهاد بهجت والصحفي خفيف الظل فؤاد معوض أو فرفور‏..‏ كنا نلتقي مرتين علي الأقل في لاباس‏..‏ مرة في الصباح الباكر‏...‏ ومرة بعد المغرب‏....‏ وفي المرتين كان القاسم المشترك فنجان الكابتشينو‏..‏ أو القهوة بالحليب بالبخار علي الطريقة الايطالية والتي قضي أحمد زكي وقتا طويلا حتي عرف كيف ينطق اسمها‏....‏ في الصباح كنا نلتقي بمن كنا نطلق عليهم مجلس وزراء الظل‏:‏ المخرج الكبير صلاح أبو سيف والمحامي الشهير لبيب معوض والمصور الصحفي المحترف رشاد القوصي‏..‏ وغيرهم ممن قسمنا عليهم المناصب الحكومية المختلفة‏...‏ وفي الليل كان يوسف إدريس يكفي‏..‏ فقد كان رحمه الله عاصفة تمشي علي قدمين‏.‏
ولو كان للمكان تأثير علي مستقبل البشر فإن لاباس أكبر دليل علي ذلك‏...‏ وعندما أغلقوه سنوات ثم فتحوه بديكورات وأسعار وذوق الانفتاح الاقتصادي كنا قد تفرقنا‏...‏ وتباعدت بيننا السبل‏...‏ وسمحت المسافات والفوالق بيننا بسوء فهم حرق الجسور‏...‏ وبنميمة مؤذية دمرت العلاقات‏...‏ وفجرت الأوهام والاتهامات السخيفة‏..‏ إن لاباس كان مثل البيت الكبير الذي هدموه وأقاموا علي بقاياه سوبر ماركت‏.‏

كان سامي السلاموني نحيل الوجه‏...‏ له حسنة بارزة علي الجانب الأيسر من ذقنه‏...‏ له أنف طويل يقسم الوجه إلي قسمين‏...‏ فكأن العينين تنظران من خلف قضيب يفصل بينهما في حسم وصرامة علي حد وصف خيري شلبي له‏...‏ أما رأسه فقد نحلت وبرته بفعل سني الزمن الوغد التي مشت عليها بأظلافها الخشنة فلم تترك شعرة واحدة فيه الا وسلختها أو قصفتها أو خطفت لونها وكانت كآلة الحصاد تكوم الشعر في مؤخرة الرأس منفوشا‏...‏ ولكن الرأس كان مناسبا لجسد ضئيل كحزمة من الضوء يبعثها كشاف سيارة علي الطريق السريع‏...‏ مناسب لقامة قصيرة تمشي بخطي سريعة مهرولة ولكن في انضباط وحنكة لا تتوافر إلا لصعلوك جواب آفاق في رحلة دءوب‏...‏ علي حد وصف خيري شلبي ايضا‏.‏
ولد سامي السلاموني في‏12‏ مارس عام‏1936...‏ في إحدي قري محافظة الدقهلية‏...‏ هي قرية سلمون القماش‏..‏ الأب كان موظفا حكوميا‏..‏ يتعاطي السياسة ويتابعها علي صفحات المجلات التي كان يرسل ابنه لشرائها‏..‏ وكان الفتي يتروي في ركن قصي ليقرأها قبل أن يعود إلي أبيه وهو ما أوقعه في هوي الصحافة وتمني من صميم قلبه أن يكون واحدا من هؤلاء الذين يكتبون هذا الكلام الجميل السلس الملئ بالحماسة والجرأة واتساع الأفق والحرارة‏...‏ ومنذ ذلك الحين قرر سامي السلاموني أن يكون صحفيا مهما كان الجهد والعناء‏.‏

فور أن حصل علي شهادة التوجيهية ــ أو الثانوية العامة شد الرحال إلي القاهرة ـ أو مصر أم الدنيا كما يقول الناس خارج العاصمة ـ ليكون قريبا من مصدر حلمه الكبير‏...‏ لكن‏...‏ الأب سرعان ما رحل في عز شبابه تاركا وراءه حفنة من الصبيان الصغار تعلقوا أمانة في عنقه‏...‏ وهو ما جعل سامي السلاموني يشتغل ويدرس في الوقت نفسه‏..‏ عمل قارئا لعدادات الكهرباء‏..‏ وسكن قريبا من إدارة الكهرباء في بولاق‏..‏ وجد حجرة في بيت عتيق بحي معروف بما فيه من مطاعم وورش ومقاه ومخابئ لتدخين الحشيش‏...‏ كانت الحجرة في الدور الرابع‏..‏ ينام ويأكل ويكتب ويقرأ ويستقبل أصحابه فيها‏..‏ وقد بقي فيها حتي بعد أن أصبح ناقدا شهيرا يحسب له ألف حساب ويسعي نجوم السينما ومنتجوها ومخرجوها لكسب وده‏...‏ وعندما تقرر أن يهدم البيت لم يجد مأوي له سوي الفنادق والبنسيونات المتواضعة‏...‏ ولم يتح له أن يستقر مرة أخري في شقة إلا بعد أن تدخل الكاتب الصحفي أحمد بهجت وأقنع محافظ القاهرة بعار بقاء أفضل النقاد في تاريخ السينما المصرية علي الرصيف‏.‏
ولا جدال أنه كان بالفعل نقطة تحول في تاريخ النقد السينمائي في مصر‏...‏ لقد سبقه إلي النقد السينمائي الجاد بأصوله الحديثة صبحي شفيق الذي كان يكتب في الملحق الأدبي لــ الأهرام عندما كان مسئولا عنه الدكتور لويس عوض‏..‏ وكانت أسرة صبحي شفيق تملك دور سينما في شبرا أتاحت له الفرجة علي كل ما تعرضه من أفلام مصرية وأجنبية كما إن إجادته للغة الفرنسية فتحت أمامه أبواب القراءة عن أسرار السينما وعناصرها المتنوعة وعلي رأسها خبايا النجوم الذين شغلوا الناس وحركوا خيالهم‏..‏ وشاركه في الكتابة عن السينما سعد الدين توفيق الذي كان دائم المقارنة بين ما يجري في الواقع وما يجري علي الشاشة الفضية‏...‏ وقد كانت إسهاماته ــ المنشورة في الكواكب والمصور ــ بمثابة رصف الطريق أمام جيل سامي السلاموني الذي جاء علي بلدوزر‏.‏

وكان هناك عدد من نجوم الكتابة الأدبية والفنية يكتبون خواطرهم النقدية مثل إحسان عبد القدوس وفتحي غانم وسعد الدين وهبة‏..‏ بل و أحمد بهاء الدين أحيانا‏...‏ لكن‏...‏ ما كانوا يكتبونه لم يكن خاضعا للقواعد النقدية التي درسها سامي السلاموني في معهد السينما ومعهد التذوق الفني اللذين دخلهما بعد أن انتهي من دراسته الجامعية‏...‏
والمثير للدهشة أنه لم يكن يفكر في النقد السينمائي‏..‏ كان مثل جيله يفكر في كتابة القصة والقصيدة‏...‏ لكن الشعر استعصي عليه منذ اليوم الأول فتركه غير نادم‏...‏ فالشعر مثل الحب لا يمكن أن تحصل عليه بمجرد رغبتك فيه‏...‏ ولم تكن القصة سهلة لكنها لم تكن مستحيلة‏...‏ وقد استمر ثلاثة شهور كاملة يكتب في أولي قصصه القصيرة‏....‏ وعندما اطمأن إليها حملها وذهب إلي رجل يعتبره جيل السيتينات ــ وأشهر كتابه خيري شلبي وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وأمل دنقل ــ بمثابة الأب الروحي له هو عبد الفتاح الجمل الذي كان مشرفا علي الملحق الأدبي والفني لجريدة المساء‏..‏ لكنه سرعان ما تلقي أولي صدمات حياته العملية في عالم الكتابة الإبداعية‏.‏

يقول خيري شلبي‏:‏ لقد كان جيلنا يعاني من اضطهاد يكاد يصل إلي حد النفي وعدم الاعتراف بوجوده أصلا حيث يتربع الجيل الأكبر علي جميع المنافذ ويحتل جميع المناصب علي الرغم من أنه كان يعيش بعمليات تنفس صناعي بعد نكسة العام السابع والستين ويصر مع ذلك علي اقتناص جميع الفرص والسيطرة علي جميع الداخل ولمخارج في جميع انشطة الحياة‏....‏ وهو ما جعل الملحق الأدبي لــ المساء بمثابة عنق زجاجة لا يسمح بمرور إلا من هو موهوب بحق‏..‏ إن الفرصة كانت علي قدر الموهبة‏...‏ والنشر علي قدر الإبداع‏...‏ خاصة أن عبد الفتاح الجمل كان لا يخشي في الحق لومة لائم ولا يتورع عن قول رأيه بأكبر قدر من الخشونة وربما القسوة إذا لم يعجبه عمل تقدم به أحد‏.‏
لم يعجب عبد الفتاح الجمل بقصة سامي السلاموني ونصحه أن ينظر حوله قبل أن يكتب‏..‏ ولم يكابر سامي السلاموني‏..‏ لم يضغط عليه نرجسيته‏..‏ ولم يقنع نفسه بما كان يفعل غيره وهو أن ما يكتبه لم يولد بعد الناقد الذي يستوعبه‏..‏ أدرك أنه كاتب مقال‏...‏ وليس كاتب قصة‏..‏ وقد وجد مقاله النقدي الأول منشورا باهتمام لا يحظي به سوي الكتاب الكبار والمحترفين‏...‏ وفي تلك الليلة سهر حتي الصباح ليقرأ ما نشر باسمه مئات المرات‏..‏ وأنفق كل ما في جيبه علي شراء نسخ من الصحيفة وزعها علي أصدقائه وجيرانه وأرسلها إلي أهله في القرية‏...‏ لقد أراد أن يحصل علي كبر عدد من المشجعين والمؤيدين ولو علي حسابه الخاص‏.‏

والمثير للدهشة أيضا أنه لم يكن يفكر في احتراف النقد السينمائي‏...‏ كانت علاقته بالسينما مثل علاقة ملايين المتفرجين بها‏..‏ الجلوس في الظلام‏...‏ والاندماج في الخيال‏...‏ ومنافسة البطل في عشق البطلة‏..‏ وهو ما جعله يفكر في أن يكون بطلا علي الشاشة‏..‏ أو أن يكون نجما تسقط في هواه الجميلات‏..‏ وتتفتح أمامه ابواب المجد والشهرة‏..‏ لكنه لم يتوقف طويلا عند هذا الحلم‏..‏ فلا هو في طول رشدي أباظة‏..‏ ولا هو في وسامة كمال الشناوي‏..‏ ولا هو في جرأة عماد حمدي ولا هو يملك قدرة الشر التي يتمتع بها فريد شوقي‏..‏
وانتقل الحلم إلي الإخراج السينمائي‏..‏ وقد درسه بالفعل في معهد السينما‏..‏ وجرب فيما بعد عدة محاولات تسجيلية قصيرة أخذت عناوين من كلمة واحدة‏:‏ مدينة وملل و كاوبوي والصباح والقطار واللحظة‏..‏ أخرجها علي مدي‏20‏ سنة‏...‏ بين عامي‏1971‏ و‏1991....‏ وبقي فيلمه الروائي الطويل حلما لم ينفذ‏..‏ واغلب الظن أنه لم يكن سينفذ ولو عاش‏100‏ سنة‏..‏ فهو من كثرة ما تأمل الأفلام وفحصها وفصصها واستوعبها بعين الناقد فقد جرأة الفنان وتهوره بعيدا عن الحسابات‏...‏ كما أن طبيعة السينما التجارية في مصر لم تكن لتسمح له أن يجرب ما يريد بفلوسها كما حدث لناقدي السينما الجديدة ــ في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية ــ الذين تحولوا إلي مخرجين يكتبون أفلامهم أيضا وربما يمثلونها كذلك‏.‏

وقد حرص سامي السلاموني ــ في نقده السينمائي ــ علي أن يكون مثل القاضي الذي يجلس علي منصة العدالة متجردا من أي هوي شخصي‏..‏ كان يدفع ثمن تذكرة السينما من جيبه‏..‏ وكان لا يكتب في كثير من الأحيان إلا بعد أن يشاهد الفيلم أكثر من مرة‏...‏ ولم يكن صديقا إلا لعدد محدود من النجوم عرفهم قبل أن يصبحوا نجوما مثل أحمد زكي‏..‏ ولم يمنع ذلك من هجومه الشرس عليهم لو أدوا أدوارا غير مقنعة‏..‏ وهو ما جعله من العصاميين الشرفاء الذين يأنفون من أن يأتيهم المدد إلا من عرقهم وكدهم المستميت‏....‏ كان لا يأكل اللقمة إلا اذا تعرف علي دمه مغموسا فيها ولا يشرب الجرعة الا إذا كانت مصبوبة من عرقه العزير‏..‏ علي حد رؤية خيري شلبي كذلك‏.‏
ولم يكن الذين يهاجمهم سامي السلاموني بكل الشراسة التي اشتهر بها يتخيلون أو يتصورون أنه كان واحدا من الظرفاء الذين يسخرون من كل شئ بما في ذلك نفسه شخصيا‏...‏ وسخريته كانت مريرة مثل سخرية‏:‏ بيرم التونسي و محمود السعدني وصلاح جاهين‏...‏ لكنه لم يحول السخرية مثلهم إلي كتابة إبداعية إلا فيما ندر عندما قرر ـــ بعد أن يئس من النقد السينمائي وفشل جدواه في تغيير حال الأفلام ــ أن يصدر مجلة أطلق عليها الترمواي أو الترام كان ينشرها داخل مجلة الإذاعة والتليفزيون التي كان معينا فيها‏..‏ وبعد يأسه من النقد السينمائي أيضا كتب مقالات في الكرة‏....‏ عبر فيها بخفة ظل متناهية عما يجري في ملاعب الرياضة الشعبية الأولي في مصر‏...‏ ولم يخف فيها أنه كان متعصبا إلي حد الجنون الي الاهلي الذي كان يعتبره بمثابة الحزب الحاكم الحقيقي في البلاد‏.‏

ولأنه كان لا يكف عن التدخين والغضب والسعي المستحيل لتغيير الدنيا من حوله كان لابد ان يصاب بمرض القلب الذي ورثه عن أبيه‏...‏ ولأنه كان مهملا في حياته الخاصة فلا يأكل بانتظام ولا ينام بانتظام ولا يستجيب للنصيحة من أحد فإنه لم يكتشف أن شرايينه ضاقت وخدعته إلا بعد فوات الأوان‏....‏ وكانت السكتة القلبية هي المرأة الوحيدة التي نجحت في السيطرة علي حياته‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية