ملفات الأهرام

41848‏السنة 125-العدد2001يوليو4‏13 ربيع الآخر 1422 هـالأربعاء

مشكلات توزيع مياه النيل بين دول الحوض
‏4‏ بدائل للتنمية الجماعية ومنع الإخلال بنظام النهر
بقلم ‏:‏ د‏.‏ رشدي سعيد
عالم مصري مرموق في الجيولوجيا

من وجهة نظر الكاتب‏,‏ أن عادة فتح ملف توزيع مياه النيل هذه المرة مرتبطة بقوي السوق الجديدة مع موجة العولمة‏.‏ وهو يطرح مجموعة مقترحات لتنمية نهر النيل وتوزيع مياهه في اطار تنموي جماعي وأن بناء سدود صغيرة لاتؤثر كثيرا علي دولتي المصب‏(‏ مصر والسودان‏).‏ ويقترح بناء خزانات علي أودية السحل الافريقي‏.‏ وتحسين طرق استغلال خزانات المياه الجوفية في المنطقة ورفع كفاءة الزراعة‏.‏ والاستفادة من أنهار أخري غير النيل‏(‏ في اثيوبيا والسودان‏)‏ تصب في البحر الأحمر والمحيط الهندي‏,‏ ويعتقد أن الطاقة الكهرومائية التي تتولد عن بناء سدود كبيرة في اثيوبيا‏,‏ فوق طاقة الاستخدام المحلي بما لايتناسب مع تلكفة منشآتها الكبيرة‏.‏
وكان الكاتب تناول‏,‏ الأربعاء الماضي‏,‏ طبيعة وتطورات مشكلات توزيع مياه النيل من زاوية الأمن القومي‏.‏

رأت أثيوبيا أن تعيد فتح ملف توزيع مياه النيل بين دول الحوض وإحياء مشروعاتها القديمة لبناء السدود علي الروافد التابعة منها ولم يخو هذا الفتح‏,‏ كما حدث في حالات سابقة‏,‏ من اعتبارات سياسية تحركها وتدعمها قوي خارجية كانت في هذه الحالة هي قوي السوق الجديدة التي جاءت مع موجة العولمة التي تصاعدت في سني مابعد الحرب الباردة‏..‏ وقد دفعت هذه الموجة بالعديد من الشركات متعددة الجنسية عابرة القارات‏,‏ والعاملة في ميادين المقاولات أو الإتجار في المياه‏,‏ إلي اقتناص فرصة فتح هذا الملف لتوسيع أعمالها وفتح جبهة جديدة علي نهر النيل لإقامة السدود وبيع المعدات واستجلاب الخبراء وجني الأرباح‏.‏ ولاقت الدعوة لضبط مياه النيل ترحيبا من البنك الدولي الذي رأي فيها حلا لمشاكل الزراعة والغذاء المزمنة لدول شرق النيل فرعا الدعوي وأبدي استعداده لتمويل مشروعاتها‏.‏ وفي سنة‏1998‏ دخلت دول الحوض وبتشجيع من البنك الدولي في مبادرة مشتركة لتنمية النهر الذي تشترك فيه والنظر إليه كوحدة متكاملة تقام عليه المشروعات التي تكفل الفائدة لكل دوله‏.‏ وتأسست من أجل تنفيذ هذه المبادرة سكرتارية دائمة وأمانة فنية من خبراء دول الحوض لاقتراح هذه المشروعات ودراستها يشرف عليها مجلس أعلي من وزراء الموارد المائية لهذه الدول‏.‏ وقد تفرع عن هذه المبادرة برنامج خاص لدول شرق النيل‏,‏ مصر والسودان وأثيوبيا‏,‏ لضبط مصادر المياه النابعة من المرتفعات الأثيوبية وإعادة توزيعها فيما بينها‏.‏ وتشجيعا لدول الحوض علي الدخول في هذه المبادرة والإسراع في وضع مشروعاتها فقد تعهد البنك الدولي بإيجاد التمويل لها ووعد بعقد اجتماع للدول والمؤسسات المانحة من أجل هذا الغرض في مدينة جنيف بسويسرا في فبراير سنة‏2001‏

وأخذت الأمانة الفنية عملها بجد ونشط وزراء الموارد المائية في عقد الاجتماعات فيما بينهم يتنقلون بين عواصم دول الحوض في تواتر سريع حتي جاء اجتماعهم التاسع في مدينة أديس أبابا في شهر يناير سنة‏2001‏ ولم يكن قد انقضي علي بدء المبادرة سوي ثلاث سنوات‏.‏ وفي وسط كل هذا النشاط المحموم لم ينشر شيء عن فحوي هذه الاجتماعات أو عما يدور فيها أو عن المشروعات المعروضة عليها من قبل اللجان الفنية‏.‏ علي الرغم من أن تنمية النهر وتوزيع مياهه هي من الموضوعات ذات الأهمية الخاصة عند المصريين بالذات‏.‏ ولذا فإن أمر إحاطتها بالسرية كان مثيرا للريبة‏.‏ وقد بلغت السرية لدرجة أنه لم يعلن شيء عن المشروعات التي نظرها مجلس وزراء دول الحوض في اجتماعه الأخير الذي عقد في أديس أبابا والتي كان سيحيلها خلال أيام قليلة إلي مؤتمر الدول والمؤسسات المانحة المقرر عقده في جنيف‏,‏ وبالمثل فقد أحيطت أعمال اللجان الفنية التي سبقت اجتماع الوزراء بالسرية الكاملة‏.‏ وكان خبراء هذه اللجان قد قاموا خلال اجتماعاتهم بجولة تفقدية جوية فوق منابع النيل الأزرق والعطرة وفروع السوباط مما أعطي الانطباع بأن المشروعات التي أتموا وضعها لابد وأنها ستمس هذه المناطق‏.‏
ويستطيع المرء أن يدرك مقدار ماآثارته هذه السرية من شكوك من الطريقة التي سلكها خبير بحجم الدكتور عبد الملك عودة والذي يعتبر المرجعية الأولي للشئون الافريقية في مصر لمعرفة شيء عن مشروعات هذه المبادرة‏,‏ فلم يجد إلا استقراءها من بعض التصريحات الصحفية المدغمة والتي جاءت علي لسان هذا الوزير أو ذاك‏(‏ راجع مجلة الأهرام الاقتصادي العدد الصادر في‏2001/1/15)‏

ويبدو من التصريحات التي جاءت في مقال الدكتور عبد الملك أن هذه المشروعات قد أخفيت حتي علي مجالس وزراء الدول المعنية‏.‏ وأنه يبدو أنها تشمل فيما تشمل أثني عشر مشروعا مائيا تقدمت بها أثيوبيا للجنة الفنية لإقامتها علي النيل الأزرق بغرض حجز‏6,5‏ مليار متر مكعب من مياهه لاستخدامها في الزراعة‏.‏ وحسب ماجاء في تصريح صحفي لوكيل وزارة الري السوداني فإن مجلس الوزراء السوداني طلب من وزير الموارد المائية الاستفسار من أثيوبيا عن هذه المشروعات‏,‏ وكذا استقصاء جدية عرض البنك الدولي لتمويلها‏.‏
وليس من المعروف إن كان مجلس الوزراء المصري قد أحيط علما بهذه المشروعات والتي يظهر أن مصر لن تعترض عليها حسب ماجاء في تصريح رئيس الوزراء الأثيوبي ملس زيناوي لجريدة الحياة في‏2000/12/23‏ ولم يرد من أي مسئول مصري تصريح يخص هذه المشروعات فيما عدا تصريح عام للسفير مروان بدر مندوب مصر بمنظمة الوحدة الافريقية بأنه ليس لمصر اعتراض من حيث المبدأ علي إنشاء السدود في منابع النه‏,‏ مادام انشاؤها لا يؤثر تأثيرا ملموسا علي المياه المتدفقة إلي دولتي المصب‏.‏ وهذا كلام عام لا يرد علي التساؤلات‏.‏

الخاصة بالمشروعات التي أعدتها اللجان الفنية والتي ينوي طرحها مع مجموعة الدول والمؤسسات المانحة في اجتماع جنيف والتي يبدو أنها لم تكن تحت نظر السيد السفير عند سؤاله عن المشروعات التي تقدمت بها اثيوبيا ـ وفي هذا الخصوص فقد ذكر السفير أن اثيوبيا تقوم بإنشاء سدود صغيرة طبقا لاتفاق تم مع مصر والسودان بغرض التخزين السنوي لنحو‏180‏ مليون متر مكعب من مياه النيل الأزرق وحسب المعلومات التي توافرت لدينا فإن إقامة هذه السدود الصغيرة كان قد بديء فيه قبل الحصول علي موافقة مصر والسودان وأنه مستمر حتي اليوم‏.‏ وأن كمية المياه التي حجزت بواسطتها تزيد علي مليار متر مكعب أي بأكثر من خمس مرات علي كمية المياه التي ذكرت‏.‏
والسدود الصغيرة التي تقام بغرض الاستخدام الموسمي هي من الأعمال المفيدة التي لن تؤثر تأثيرا كبيرا مع امدادات المياه لدول المصب لذا فهي من الأعمال المقبولة وغير المكلفة والتي يمكن أن تشكل حلا إقتصاديا لمشاكل الغذاء في اثيوبيا‏.‏ أما السدود الكبيرة التي يعتزم إقامتها بغرض التخزين المستمر علي النيل الأزرق والتي يبدو أنها شكلت صلب عمل اللجان الفنية كمبادرة حوض النيل‏,‏ فإن أثرها علي امدادات المياه لكل من مصر والسودان سيكون كبيرا‏.‏ وسيكون الأثر علي أقصاه في حالة مصر التي ليس لها مصدر آخر للمياه والتي لديها برامج كبيرة لاستصلاح الأراضي حول الدلتا وفي سيناء وفي صعيد مصر وفي صحراء النوبة ـ وإني أخشي أنه بانكسار مبدأ إدخال جميع مصادر المياه المتاحة للدولة عند تقسيم مياه النيل وتقرير نصيبها منه سينفتح الباب واسعا أمام مطالبات أخري من اثيوبيا بل ومن السودان أيضا لتعديل أنصبتها لكي تتواءم وهذه المعادلة الجديدة مما سيتسبب في خلق النزاع فيما بينها‏.‏ ولا يستطيع المرء أن يتنبأ بما سوف يحمله العيش في مصر بحصة أقل من المياه التي تحصل عليها اليوم كما هو مخطط لها في هذه المبادرة من آثار وفي ظني أنها ستنعكس علي الزراعة كنشاط أساسي عرفت به منذ فجر التاريخ‏.‏

وبالإضافة الي هذا البلاء الذي سيسببه بناء هذه السدود الكبيرة علي مصر‏,‏ فإن آثار بنائها سينعكس بالسلب علي دول المنابع أيضا‏.‏ ذلك لأن بناء مثل هذه السدود‏,‏ وفي حد ذاته‏,‏ هو من الخطورة بمكان بالنظر الي ما يمكن أن يحدثه من خلل علي نظام النهر‏.‏ وهو الخلل الذي أتوقع أن يكون كبيرابسبب أن هذه السدود ينوي بناؤها عند منابع النهر ـ وهذا أمر يبدو أن السيد رئيس الوزراء الأثيوبي لم يدركه‏,‏ بل وعلي العكس من ذلك فقد ذكر سيادته في حديثه لجريدة الحياة بأنه يري أن لهذه السدود فائدة لأنها ستحد من تدفق مياه الفيضانات العالية إلي السودان فتحميه من غوائلها وتجعل السيطرة عليها سهلة وغير مكلفة ـ كما أنها ستوقف وصول الطمي الذي يحمله النهر الي السودان مما سيتسبب في رفع كفاءة سدوده التي تمتلئ خزاناتها به بعد كل فيضان فتقلل من سعتها‏,‏ والي بحيرة ناصر أمام السد العالي مما سيساعد في حمايتها من الأطماءالذي تتعرض له في الوقت الحاضر‏.‏ وعلي عكس ما قاله السيد رئيس الوزراء الاثيوبي فإن منع وصول الطمي الي السودان ومصر سيكون سببا لتعرضهما لأخطار كبري ستفوق بكثير ما ذكره من فوائد‏,‏ ذلك لأن حجز الطمي سيغير من نظام النهر وسيطلق جزءا من تلك الطاقة التي كان النهر يصرفها في حمل الطمي فتزيد من قدرته علي النحر‏.‏ سواء علي جانبيه أو لتعميق مجراه‏.‏ مما سيجعله نهرا صعب المراس ستحتاج حماية جوانبه والأراضي التي تحفه والمنشآت المقامة عليه الي أكبر الجهد والمال‏.‏ أما عن الطاقة الكهرومائية التي ستنتجها مثل هذه السدود فلم يذكر السيد رئيس الوزراء الاثيوبي شيئا عن حجمها‏.‏ وإن كان الحديث قد أومأ الي أنها ستكون كبيرة بحيث يمكن بيعها لدول الجوار‏.‏ ولم يعرف بالضبط أي دولة من دول الجوار يقصدها السيد رئيس الوزراء الاثيوبي فليس من بينها دولة صناعية أو مستهلكة كبيرة للطاقة‏.‏

وفي ختام هذا المقال فإني لا أريد أن أترك القاريء بالانطباع بأن معارضتي لبناء السدود الكبيرة علي منابع النيل ناتجة عن نزعة شوفينية كمصري يري النيل وكأنه نهره وحده ليس لأحد غيره أي حق فيه‏.‏ فليس هناك أبعد من ذلك ـ فغرضي يتعدي بكثير موضوع الدفاع عن حق مصر التاريخي في مياه النيل‏,‏ والذي سيكون في نقصانه مخاطر مؤكدة علي حاضرها ومستقبلها ـ ولكنه يمتد الي عدد من القضايا لعل من أكثرها إيلاما للنفس الطريقة التي يتم بها تصريف أمور الشعوب وتقرير مصيرها دون مشاركة أو محاسبة أو نقاش أو حتي اعلان عما هو مبيت لها ـ وليست هناك إهانة يمكن أن توجه الي الشعوب أكثر من إحاطة أمورها بهذه السرية المطلقة ـ فحتي اليوم فإن أحدا لا يعرف شيئا عن المشروعات التي ستطرح لتمويلها في اجتماع جنيف‏.‏
أما القضية الأخري التي أردت ابرازها فهو التأكيد أن أمام السودان واثيوبيا من البدائل ما يمكن أن يحل مشاكلهما في الغذاء‏.‏ وما يمكن أن يعطيهما دفعة في عملية التنمية التي يسعيان إليها دون الحاجة الي المساس بحق مصر التاريخي في مياه النيل‏.‏ ودون اللجوء الي إقامة السدود الكبيرة علي الأنهار‏.‏ والتي أشعر بحق بأنها ستتسبب في الاخلال بنظام النهر ولن تكون لها فائدة لأحد‏.‏ فحل المشاكل التي تأتي مع سني الجفاف في منطقة الساحل الأفريقي في كل من اثيوبيا والسودان علي سبيل المثال لا يكون بنقل سكان هذه المناطق الي أحواض الأنهار لممارسة الزراعة المروية بدلا من المطرية التي درجوا عليها‏,‏ لأن في ذلك ظلم علي هؤلاء السكان الذي سيجبرون علي أن يتركوا بلادهم وأن يوائموا حياتهم مع بيئة جديدة ومناطق يعيش فيها أقوام من غير أهلهم‏.‏ فإذا عرف أن الجزء الأكبر من حوض النيل الأزرق وعرليست فيه أراض زراعية صالحة كثيرة ويسكنه أقوام من الرحل الذين يكاد أن يكونوا خارج سيطرة الحكومة المركزية‏,‏ لأدركنا عدم جدوي مثل هذه الحلول‏.‏

وفي اعتقادي أن حل مشاكل سكان منطقة الساحل الافريقي والتي عادة ما تأتي مع سني الجفاف يكون ببناء الخزانات علي أودية المنطقة التي تزودها بالماء لتخزين مياه أمطار السنوات الطيبة‏,‏ لأستخدامها في السنوات العجاف‏.‏ كما يكون بدراسة خزانات المياه الجوفية بالمنطقة لتحسين طرق استغلالها‏.‏
وبتسهيل عملية دق الآبار وبرفع كفاءة الزراعة لتعظيم عائدها بادخال البذور والسلالات المحسنة‏.‏

وفي اثيوبيا كما في السودان مصادر كثيرة للمياه بل وأنهار أخري غير النيل‏,‏ بعضها يصب في البحر الأحمر وبعضها يصب في المحيط الهندي والكثير من هذه الأنهار غير مستغل‏,‏ وربما كان النظر في تنمية أحواضها أعظم فائدة وأقل كلفة‏.‏ فمعظم سهول هذه الأنهار وخاصة تلك التي تصب في المحيط الهندي أكثر انبساطا مما يسهل إقامة السدود عليها‏.‏ بالمقارنة بروافد النيل التي تنبع من مرتفعات اثيوبيا وتمر في خوانق عميقة ولها انحدار كبير وحاملة للكثير من الرواسب‏.‏
أما عن الطاقة الكهرومائية التي قيل انها ستتولد من هذه السدود المقترحة‏,‏ فستكون كبيرة وفوق طاقة الاستخدام المحلي‏.‏ مما سيدفع الي تصديرها الي خارج اثيوبيا بل والي خارج بلاد الجوار غير الصناعية وغير المستهلكة للكثير من الطاقة مما سيجعل الفائدة منها قليلة لا تتناسب وحجم الكلفة الكبيرة لمنشآتها هذا بالإضافة الي أن تصدير الطاقة وفي حد ذاته أمر مكروه‏.‏ نظرا لما يسببه من حرمان الأجيال المقبلة من استخدامها‏,‏ لأن عقود تصديرها عادة ما تمتد الي سنوات طويلة‏.*‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية