قضايا و اراء

41870‏السنة 125-العدد2001يوليو26‏5 من جمادى الأولى 1422 هـالخميس

‏45‏ عاما علي تأمين القناة وملحمة السويس
بقلم: د‏.‏ أحمد يوسف القرعي

في‏26‏ يوليو‏1956‏ أعلن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية‏.‏ وهي الشركة الأجنبية التي ظلت تحتكر امتياز ادارة القناة والسيطرة علي مواردها منذ إتمام حفر القناة عام‏1869,‏ بينما مصر صاحبة القناة الفعلية والشرعية لم يكن لها دور يذكر في الادارة ولم تحصل إلا علي مبالغ ضئيلة من ايرادات القناة التي بلغت‏34‏ مليونا من الجنيهات الاسترلينية عام‏1955,‏ وكانت حصة مصر مليونا واحدا‏.‏
كان قرار التأميم من أخطر القرارات السياسية التي اتخذت علي مستوي الوطن العربي‏,‏ فالقرار كان بمثابة الشرارة الأولي في تحدي ثورة‏23‏ يوليو للأمبراطوريات الاستعمارية‏,‏ خاصة البريطانية والفرنسية في وقت كانت هذه الأمبراطوريات تسيطر علي معظم الدول الإفريقية والآسيوية‏.‏

ولم تنبع خطورة القرار من توقيت اتحاذه فقط وانما من الصمود في تحمل ومواجهة ردود افعاله‏.‏

حول عملية صنع القرار‏:‏
جاء قرار التأمين قرارا مصريا‏,‏ من أجل استعادة حق مصر في ادارة القناة وإيراداتها‏.‏ وحرصت مصر وهي تسترد هذا الحق علي المحافظة علي المواثيق الدولية وعلي كل الاتفاقيات الخاصة بحرية الملاحة في القناة‏.‏
وفي دراسته حول عملية صنع قرار التأميم أورد الدكتور محمد السيد سليم في كتاب كيف يصنع القرار في الوطن العربي العوامل التي ساعدت علي نجاح قرار التأميم وفي مقدمتها التحضير للقرار بعمل دراسات تحضيرية سبقت اتخاذ قرار التأميم بحوالي ثلاث سنوات‏.‏ حدث هذا خلافا لما يعتقده البعض من أن قرار التأميم كان مجرد رد فعل للتصرف الأمريكي والبريطاني إزاء مشروع السد العالي‏.‏

ويقول د‏.‏ سليم إن عبدالناصر كان يحضر لتأمين شركة القناة منذ عام‏1952‏ وكان قد حدد لذلك سنة‏1960‏ تقريبا علي أساس انه في ذلك الوقت ستكون القوات البريطانية قد رحلت عن قاعدة قناة السويس وأن الجيش المصري سيكون قد استعد لحماية عملية التأميم‏.‏ واستعدادا لذلك فقد كلف عبدالناصر مكتب مندوب الحكومة لدي شركة قناة السويس وإدارة الابحاث بوزارة الخارجية وادارة التعبئة بالقوات المسلحة وادارة المخابرات باعداد دراسات اقتصادية وقانونية وفنية وسياسية عن شركة القناة‏,‏ كما أنشأ عبدالناصر مكتبا سريا ملحقا بمكتبه لتجميع تلك الدراسات والتنسيق بينها لم يكن يعرف عنه حتي اعضاء مجلس قيادة الثورة آنذاك‏.‏
بيد أن عبدالناصر قرر أن يقدم موعد التأميم عن الموعد المقرر لأنه وجد في المناخ السياسي الذي نشأ نتيجة لسحب عرض تمويل مشروع السد العالي فرصة مناسبة لاتحاذ القرار والرد علي القرار الغربي بسحب عرض التمويل في نفس الوقت‏.‏

ومن العوامل الأخري التي ساعدت علي نجاح القرار‏,‏ اثر عملية الخداع الاستراتيجي التي قام بها عبدالناصر‏,‏ حيث فشلت ادارة شركة القناة في توقع قرار التأميم‏,‏ فضلا عن سرية عملية أتخاذ القرار سواء في مرحلة التحضير أو مرحلة استكشاف الاحتمالات والمخاطر في مرحلة التنفيذ حتي أن رفاق عبدالناصر في الثورة لم يعلموا بتلك الدراسات‏,‏ كما أن المشاركين في تلك الدراسات لم يعلموا بالهدف النهائي منها‏.‏ ولم يكن عدد الذين يعلمون بالقرار حتي لحظة اعلانه مساء‏26‏ يوليو‏1956‏ سوي‏20‏ شخصا من أقرب مساعدي عبدالناصر‏,‏ وقد علموا بالقرار أما من عبدالناصر شخصيا أو بحكم دورهم في عملية اعداد مشروع قانون التأميم أو في تنفيذ القرار‏.‏
وقد لعبت سرية عملية اتحاذ القرار دورا مهما في عدم توقع القوي الغربية لقرار التأميم وبالتالي نجاح تطبيق القرار‏.‏

وكشف الأستاذ محمد حسنين هيكل ملابسات عملية صنع قرار التأميم في كتابه الوثائقي ملفات السويس ويكفي الاشارة إلي ما سجله عبدالناصر كتابة حول الهدف وتقديرا للوقت قبل إعلان القرار

الهدف‏:‏
تأميم شركة قناة السويس‏,‏ وهذا يحقق امكانية تمويل السد العالي‏,‏ كما أن التأميم يلبي حقا مصريا يراود أحلام كل المصريين‏.‏ وهو أيضا يؤكد الاستقلال المصري الكامل بما فيه استقلال الارادة السياسية كما أنه يضيف أهمية القناة إلي أرصدة مصر الاستراتيجية‏.‏

تقدير الموقف‏:‏
وجاء بهذا الشأن‏:‏ ان قرار التأميم سوف يؤدي إلي تعبئة جماهير الشعب المصري وجماهير الأمة العربية حوله ويلهم الجميع بمعني الاعتماد علي النفس‏.‏ وتأميم شركة القناة أيضا سوف يكون ردا كاملا علي سياسة الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية وسوف يبين لهم أننا قادرون علي الحركة‏,‏ متحملون لمسئوليتها‏,‏ وأنهم لا يستطيعون بعد الآن ان يقرروا مصائرنا‏,‏ فضلا عن أن يقوموا بتوجيه الاهانات لنا‏.‏ لكن الغرب لن يسكت وسوف يواجهنا‏,‏ بتهديدات وبحمله سياسية ونفسية ضارية وفي الغالب فإننا سنواجه بتهديدات عسكرية يمكن أن تتحول إلي حرب بالفعل مالم نستعمل كل امكانياتنا بحذر وحرص‏.‏
وكما توقع عبدالناصر فقد حاولت الامبراطوريات الاستعمارية بكل وسائل الضغط والتهديد زعزعة الموقف المصري من تأميم شركة قناة السويس والتشكيك في قدرة مصر علي ادارة القناة إلا أن ثبات الموقف المصري علي المبدأ جعل مصر ترفض وتتحدي كل وسائل الحرب النفسية والضغط والتهديد ابتداء من معركة المرشدين إلي مؤتمر لندن الأول والثاني إلي هيئة المنتفعين بقناة السويس‏..‏ ثم شن العدوان‏.‏

الحرب النفسية منذ الوهلة الأولي‏:‏
فور إعلان قرار التأميم كان اول انطباع عبرت عنه اجهزة إعلام الغرب هو جزعها البالغ من هذه البساطة المتناهية التي أعلن بها الرئيس عبدالناصر قراره التاريخي في الاسكندرية‏.‏
لقد أصاب القرار أجهزة الإعلام الغربية بالذهول‏.‏ وثبت فيما بعد أن هذه البساطة المتناهية التي تم بها قرار التأميم هي التي جعلت انطوني إيدن يفقد توازنه ويعتبر أن قرار التأميم هو اهانة شخصية توجه إلي رئيس وزراء بريطانيا‏.‏ ومن ثم فإن تفكير إيدن المنفعل بدأ منحرفا وخاطئا‏.‏ وجعل من حقده الشخصي علي الرئيس عبدالناصر أساسا لجميع تصرفاته المستقبلية‏.‏

ذكر إيدن في مذكراته التي طبعها بعد عشر سنوات من حرب السويس الفاشلة أنه قال بعد سماعه نبأ التأميم‏,‏ وكان في حفل عشاء خاص يحضره فوزي السعيد والأمير عبدالله الوصي في ذلك الوقت علي عرش العراق‏:‏ إن المصري وضع اصبعه علي قصبتنا الهوائية وانني أفضل أن أري الامبراطورية تسقط في ارتطامه واحدة بدلا من أن أراها تتفتت قطعة وراء قطعة‏.‏
والواضح إن هذا التعليق العصبي لإيدن لا يحمل شيئا من الحقيقة‏,‏ فلم تكن قناة السويس قطعة من الامبراطورية البريطانية كما أن الامبراطورية نفسها كانت قد ارتطمت بالفعل‏.‏

ومن صيغة التعليق كانت تبدو رائحة الحرب النفاذة‏,‏ وكان ذلك هو رأي إيدن منذ اللحظة الأولي التي سمع فيها قرار التأميم‏.‏ واستعدادا للحرب العسكرية كان لابد أولا من شن الحرب النفسية والتي اتخذت عدة اشكال واستهدفت ما يلي‏:‏
أولا‏:‏ التأثير في نفسية الشعب المصري ومحاولة إفهامه أن العمل الذي أقدم عليه عبدالناصر لا يمكن أن يمر بسهولة إلي جانب ان خسائره ستكون أكثر من مكاسبه‏.‏

ثانيا‏:‏ محاولة عزل مصر عن بقية الدول العربية ومحاصرة الشعب المصري داخل أراضيه‏.‏
ثالثا‏:‏ تحذير شعوب آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية سواء المستقلة أو الخاضعة للاستعمار‏,‏ تحذيرها من التورط في أعمال لا تستطيع بقوتها المحدودة مواجهة عواقبها‏.‏

رابعا‏:‏ تهيئة الأذهان في أوروبا وأمريكا لتقبل مبدأ العدوان المسلح علي مصر لاسترداد القناة ووقف أطماع مصر عند حد‏,‏ وتأمين مصادر البترول في الشرق الأوسط‏.‏ ولقد ارتفع في ذلك الوقت شعارلابد من تأديب العصاة‏.‏
وفي هذا الجو المشبع بالدعايات المسمومة واجهت مصر عددا من المخططات الاستعمارية بدأت بمعركة المرشدين‏.‏

معركة المرشدين‏:‏
لقد افتعلت كل من بريطانيا وفرنسا مشكلة المرشدين فور إعلان تأميم شركة القناة بغرض إظهار عجز القيادة المصرية عن ادارة القناة بعد تأميمها‏.‏ وتنفيذا لذلك صدرت الأوامر من باريس إلي الموظفين الاجانب من مرشدين وفنيين وكتبة بالانسحاب دفعة واحدة ليلة‏15/14‏ سبتمبر‏1956.‏
وفي ساعة الصفر حسب المخطط الاستعماري غادر العمل‏155‏ مرشدا من‏207‏ فلم يبق من جهاز الارشاد سوي‏52‏ مرشدا‏.‏ ومع هؤلاء انسحب أيضا‏336‏ من العاملين من بين‏805,‏ وهذه الانسحابات كانت كافية لشل الملاحة وغيرها من أعمال القناة‏,‏ لو لم تتخذ مصر منذ البداية الاحتياطات اللازمة‏.‏ فقد تم احلال المرشدين للقناة في الحال‏,‏ إما عن طريق تعيين غيرهم من الخارج أو من البحرية المصرية‏,‏ وكانت البداية بحشد متنافر ولكنه متحمس من‏53‏ مصريا و‏6‏ يونايين و‏3‏ ألمان وهولنديين وايطالي واحد واسباني واحد وسويدي واحد‏.‏

وفي الوقت نفسه جند عبدالناصر‏70‏ مرشدا فور قرار التأميم وتدربوا نظريا وعمليا في دورة مكثفة لم تتجاوز شهرا واحدا‏.‏
وجاءت ساعة الصفر وترك المرشدون الاجانب العمل بالقناة وأخذت اول قافلة بقيادة المرشدين الجدد تشق طريقها عبر القناة يوم‏15‏ سبتمبر وعبرت‏42‏ سفينة لم يعق سيرها عائق وتوالت الأيام والعمل في القناة علي ما يرام حيث لم يقع أي حادث‏.‏ ولم تتوقف الملاحة ولم يتعطل المرور رغم قيام شركة اللويدز برفع قيمة التأمين علي السفن التي تعبر قناة السويس بحجة أن المرشدين الجدد غير مدربين‏.‏

ومع هذا النجاح تحول حذر الأوساط الملاحية إلي ثقة ويقين وتحولت مخاوف السفن وقلق مديري شركات النقل البحري والتأمين إلي الاطمئنان والإعجاب‏.‏
ويقول الدكتور محمود فوزي في كتابه‏(‏ حرب السويس‏)‏ إنه بدون نجاح مصر في ادارة القناة بالمرشدين المصرين وغيرهم لكانت مسألة القناة برمتها قد عولجت دوليا بطريقة مختلفة تماما خاصة في الوقت الحرج بين التأميم والنجاح الثابت لمصر في ادارة قناة السويس‏.‏

وكتب ايزنهاور في مذكراته‏:‏ وكما اتضح فيما بعد فإن المسئولين والعمال المصريين لم يكونوا علي كفاءة في ادارة القناة فحسب بل انهم سرعان ما اثبتوا أنهم يمكنهم ان يفعلوا ذلك في ظل ظروف زيادة الدور وبمقدورة متزايدة‏.‏

مخطط التدويل‏:‏
بعد فشل مهمة لجنة منزيس‏(‏ أو اللجنة الخماسية‏)‏ التي حملت إلي مصر مشروع دالاس الذي يقضي بادارة القناة طبقا لاتفاق‏1888‏ تحت اشراف هيئة دولية تنظمها معاهدة وتخضع الأمم المتحدة‏,‏ اسرع إيدن باقتراح‏(‏ انشاء هيئة تسمي هيئة الدول التي تستخدم قناة السويس أو جمعية مستخدمي القناة أو هيئة المنتفعين بالقناة‏).‏ وقال إيدن إن تلك الهيئة ستهيء للمنتفعين بالقناة الفرصة للمارسة حقوقهم‏(‏ هكذا زعم إيدن‏)‏ وستحصل رسوم المرور وتزود السفن بالمرشدين وتدبر العمليات بالقناة وتتحمل مسئولية تنسيق المرور بها وتدفع لمصر إيرادا معقولا في مقابل التسهيلات التي تقدمها لها مصر‏).‏
وكان اقتراح إيدن بمثابة مخطط جديد لتدويل القناة‏.‏ وأصدر مؤتمر لندن الثاني في‏19‏ سبتمبر‏1956‏ بيانا خاصا بتكوين هيئة المنتفعين بالقناة رغم تحفظات عدد من دول المؤتمر حول تكوين الهيئة ورفض بعض الدول الاشتراك فيها‏.‏ وفي مؤتمر لندن الثالث في أول اكتوبر تشكلت هيئة تنفيذية لهيئة المنتفعين من سبعة أعضاء‏(‏ بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والنرويج وايطاليا وإيران وممثل سابع يختار من المستقبل‏).‏

ورفضت مصر فكرة الهيئة من أساسها وقال عبدالناصر إنها ليست جمعية المنتفعين بالقناة انها جمعية لاغتصاب الحقوق واغتصاب السيادة وإعلان الحرب‏.‏

العدوان‏..‏ والمقاومة
ووقع العدوان بالفعل في‏29‏ أكتوبر‏1956‏ ولم يكن مفاجأة لأحد ولكن نتائج العدوان المعاكسة كانت هي المفاجأة الكاملة والمذهلة لدعاة الحرب والمروجين لها‏.‏
بدأ العدوان بعد أن رفضت مصر الانذار البريطاني ـ الفرنسي الذي يقضي بانسحاب مصر من منطقة القناة بحجة منع الصدام المصري الإسرائيلي المحتمل‏.‏ وبدأت قوات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالهجوم علي مصر بغارات جوية علي القاهرة والاسكندرية ومدن القناة‏.‏ وركز العدوان أكثر غاراته علي بورسعيد تمهيدا للاستيلاء عليها لتكون قاعدة الزحف علي ما وراءها من البلاد‏.‏

وكان توقف الهجوم العدواني الذي وصل إلي مدينة الكاب جنوب بورسعيد ثمرة لعدة عوامل وتفاعلت جميعها بنسب مختلفة وانتهت إلي هذه النتيجة وفي مقدمة هذه العوامل‏:‏
‏*‏ اصرار القيادة المصرية علي النضال ورفض الاستسلام‏.‏
‏*‏ توزيع السلاح علي الجماهير واطلاق المقاومة الشعبية‏.‏

‏*‏ البدء في اتخاذ ترتيبات المقاومة السرية‏.‏
‏*‏ صدور الانذار السوفيتي العنيف المهدد بضرب لندن وباريس بالصواريخ إذا لم يوقف اطلاق النار‏.‏

‏*‏ بروز الموقف الأمريكي المعارض للخطة البريطانية ـ الفرنسية لأسباب استرتيجية أمريكية‏.‏
‏*‏ التضامن العربي والتأييد الايجابي لموقف مصر‏.‏
‏*‏ صدور قرار الأمم المتحدة بوقف القتال‏.‏

وتلكأت القوات البريطانية والفرنسية في تنفيذ الجلاء ولكن المقاومة الشعبية لم تهدأ حتي بدأ الانسحاب في شهر ديسمبر ورحل آخر فوج من المعتدين يوم‏23‏ ديسمبر‏1956.‏ كما بدأت القوات الإسرائيلية من الانسحاب من الاتفاق علي وجود قوات طوارئ دولية في شرم الشيخ لتكون حاجزا بينها وبين القوات المصرية حتي غادرت القوات الإسرائيلية العريش في‏14‏ يناير‏1957‏ ثم رفح وخان يونس واخيرا انسحبت من غزة في‏6‏ مارس‏1957.‏
وأمام تمزق الموقف الشعبي في بريطانيا وفرنسا ووجود مظاهرات معادية متزايدة اعتزل انطوني ايدن رئيس وزراء بريطانيا منصبه بالاستقالة في‏9‏ يناير‏1957‏ كما سقطت وزارة جرموليه رئيس وزراء فرنسا في‏21‏ مايو‏1957.‏

الحرب‏..‏ بوسائل أخري‏:‏
ويفشل العدوان عسكريا وسياسيا‏..‏ فإن الدول الثلاث واصلت عدوانها بشن حرب اقتصادية شاملة علي مصر‏,‏ خاصة مع توجهات مصر لتمصير المراكز الحساسة في الاقتصاد المصري‏.‏
لقد اقترن انسحاب القوات المعتدية عبر السويس بنوع من الحصار الاقتصادي منذ عام‏1957‏ بهدف التأثير علي تجارة مصر الخارجية وعرقلة الاقتصاد القومي وتمثل ذلك في التضيق علي الصادرات المصرية إلي البلاد التقليدية كبريطانيا وفرنسا بصفة خاصة والامتناع عن بيع القمح والأدوية لمصر الا نقدا وبالعملة الصعبة‏.‏

كذلك أعقب فشل العدوان الثلاثي واتباع دول غرب أوروبا والولايات المتحدة سياسة تهدف إلي حصار مصر والضغط عليها اقتصاديا‏.‏ وتركزت هذه السياسة حول القطن المصري واتخذت مظاهر عديدة منها امتناع دول غرب أوروبا والولايات المتحدة عن شراء القطن المصري‏,‏ وامتناع البنوك المحلية التي كانت تعتبر انذاك فروعا لمراكزها في الخارج عن تمويل محصوله‏.‏ وكانت تغطي كل هذه الاحداث حملة دعائية منظمة شنتها دول غرب اوروبا والولايات المتحدة‏,‏ فأشاعت مثلا أن مصر رهنت محصولها من القطن مقابل صفقات الاسلحة من الكتلة الشرقية‏,‏ وسياسة الاغراق التي اتبعتها الولايات المتحدة تقوم علي بيعها لاقطانها طويلة التيلة في الأسواق العالمية بأسعار منخفضة‏.‏
وتعتبر الفترة التي اعقبت العدوان مباشرة وامتناع الكتلة الغربية علي شراء القطن المصري هي الفترة التي قام فيها الغرب فعليا بضغطه الاقتصادي علي مصر‏.‏ أما ما تلا ذلك من انخفاض في نسبة واردات الكتلة الغربية من القطن المصري فيرجع إلي تحول تجارة القطن نحو اسواق جديدة نتيجة هذا الضغط‏.‏

ولقد اوقفت بريطانيا مد مصر بالبنكنوت المصري المطبوع في بريطانيا‏,‏ وحصلت مصر علي كميات منه عن طريق السودان‏,‏ وعملية طبع البنكنوت من العمليات المهمة والحساسة في الحرب الباردة والساخنة علي السواء‏,‏ وإن امتناع الطابعين عن التوريد او افشاء سر الطباعة لتسهيل التزييف أمر قد يؤدي إلي ارباك الاقتصاد القومي وتخريبه‏.‏
وقبل العدوان قامت إسرائيل فعلا بتزييف ورقة البنكنوت فئة الجنيهات الخمسة ولولا فشل العدوان في الحال لغمرت إسرائيل مصر بالأوراق المزيفة‏.‏ وبعد العدوان تسربت بعض هذه الأوراق إلي مصر عن طريق بنك انترابيروت ولكن اكتشاف التزييف قضي علي هذه المحاولة في حينها‏.‏

حول الدروس المستفادة‏:‏
ومع فشل العدوان عسكريا وسياسيا واقتصاديا وعودة القناة إلي مصر وتطهيرها واعادة فتحها للملاحة في‏29‏ مارس‏1957‏ ونجاح مصر في ادارتها من جديد وتطويرها لصالح الملاحة الدولية فقد شكلت هذه الأحداث ملحمة بطولية بكل مقاييس الزمان والمكان وفي مقدمة دروسها المستفادة‏:‏
‏*‏ كان قرار التأميم قرارا وطنيا يستكمل الاستقلال الوطني للبلاد‏.‏ و بعد نجاح التجربة وتحول القناة إلي مرفق وطني تشجع الكثير من دول العالم الثالث علي الإقدام علي اجراءات مماثلة‏,‏ حيث جرت سلسلة من تأميمات المصالح الأجنبية في هذه الدول وتحويلها إلي مرافق وطنية‏.‏ هكذا اصبح تأميم شركة القناة سابقة مهمة وقدوة لعشرات الدول في إفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية‏.‏

‏*‏ وبفضل صمود الشعب المصري للعدوان وتضامن الرأي العام العالمي مع الموقف المصري لم يحقق العدوان الثلاثي أهدافه‏,‏ وصارت المعركة رمزا لكل حركات التحرير في افريقيا وآسيا‏.‏ وقال عبدالناصر آنذاك‏:‏ إن هذه القضية ليست قضية مصر فحسب بل هي قضية جميع الدول الصغيرة التي تناضل في سبيل الحرية والاستقلال‏.‏ ولا عجب أن يصدر حزب المؤتمر الوطني الافريقي‏(‏ الذي يمثل الاغلبية الإفريقية في جنوب افريقيا‏)‏ بيانا في‏27‏ سبتمبر‏1956‏ بالتضامن مع الشعب المصري بشأن تأميم شركة قناة السويس‏.‏
‏*‏ إن النصر الذي تحقق في بورسعيد لم يكن انتصارا للشعب المصري وإنما كان انتصارا لحركة التحرير اكتشفت في ضوئه الشعوب المقهورة انها قادرة علي الثورة وعلي الصمود في وجه اعدائها‏.‏

‏*‏ اثبتت حرب السويس ان الحرية لها اسلحتها وان الحرية لها اصدقاؤها في كل مكان وان الاستعمار لن يرحل عن اجزاء مازال يحتلها لمجرد أننا نصرخ في وجهه فلقد صرخنا في وجه الاستعمار البريطاني في بلادنا‏70‏ سنة وقد اضطررنا في النهاية لحمل السلاح‏,‏ وأن الاستعمار قد يرحل اليوم ليعود غدا إما ظاهرا وإما مقنعا في صورة جديدة‏.‏
‏*‏ إن النصر في معركة السويس وآثاره الاجتماعية أكد أمام جميع الشعوب أن معارك التحرير السياسي لا تنفصل عن معارك التحرير الاجتماعي‏,‏ وإن الاستقلال ليس علما ونشيدا ولكنه سيادة علي التربة الوطنية بكل ما عليها وبكل ما فيها أي أنه اقتصادي بأكثر مما هو سياسي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية