قضايا و اراء

41869‏السنة 125-العدد2001يوليو25‏4 من جمادى الأولى 1422 هـالأربعاء

التباهي بالإجرام
بقلم‏:‏ د‏.‏ جمال سلامة علي
متخصص في شئون الشرق الأوسط

أصبح من الأخبار المألوفة والمعتادة التي تطالعنا يوميا قيام إسرائيل باغتيال عدة مواطنين فلسطينيين‏,‏ وآخر تلك السلسلة الإجرامية قيام تشكيل إجرامي من المستوطنين اليهود يطلقون علي نفسهم جماعة أمن الطرق لإيقاف حافلة تقل فلسطينيين ويطلقون النار عليها ويقتلون ثلاثة بينهم رضيعة‏,‏ في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل حربها ضد الشعب الفلسطيني بقصف مدن الخليل ورام الله وخان يونس وطولكرم‏,‏ وتعلن في زهو وتباه أنها تنفذ خطة لاغتيال قادة المقاومة بل وصلت لحد اعلانها خطة لاغتيال عناصر السلطة الفلسطينية وعلي رأسها ياسر عرفات‏.‏
وإذا كانت هذه الجرائم الإسرائيلية كما سبق أن ذكرنا أصبحت شيئا مألوفا بل أصبحت أخبارها لا تثير شهية الصحافة نظرا لدوامها واستمراريتها‏,‏ إلا أن ما يلفت النظر ويستحق التحليل والدراسة هو ظاهرة الإجرام الخاص في إسرائيل أو ما يمكن أن نطلق عليه بعملية خصخصة الإجرام بعد أن كان الإجرام هناك إجراما عاما تحتكره الدولة العبرية وتمسك بيدها كل أدواته وتنظم ممارسته فيما يسمي لديها بالقوانين‏,‏ ففضلا عن الممارسات الإجرامية التي تتباهي بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني من اغتيال وخطف وهدم منازل وإتلاف محاصيل وتقليع أشجار وهي كلها أعمال لا تقوم بها إلا عصابات إجرامية ـ نجد أنه منذ مجيء شارون‏(‏ والذي وصفه الرئيس مبارك بأنه شخص لا يعرف إلا القتل والحرب ولا سبيل للسلام في ظل حكومته المتطرفة‏)‏ ونتيجة لفشل خطته المسماة بخطة المائة يوم للقضاء علي الانتفاضة لم تجد إسرائيل مفرا من خصخصة الإجرام‏,‏ فقد فتحت الباب علي مصراعيه وأطلقت يد المستوطنين اليهود لممارسة الإجرام ضد المواطنين الأصليين فنجدهم يشكلون جماعات وميليشيات إجرامية مسلحة منوط بها قتل الفلسطينيين والاستيلاء علي منازلهم تحت حماية قوات الاحتلال‏.‏

إن الوضع الطبيعي أن يكون الإجرام مسألة فردية‏,‏ ففي المجتمعات الطبيعية التي تنطوي تحت لواء دولة نجد أن ممارسة الإجرام هي ظاهرة مرضية في المجتمع ومسألة منبوذة وتقوم أجهزة الدولة برصدها ومقاومتها وتضرب علي يد من يسلك سلوكا إجراميا‏,‏ إلا أنه في هذا المجتمع المظلم ـ نجد أن القاعدة هي الإجرام وأن العدل هو الاستثناء‏,‏ فلأول مرة في تاريخ الأمم والقوانين نجد دولة تجيز علنا في تشريعاتها ممارسة التعذيب للحصول علي اعترافات‏!!‏ وأرجو ألا يتصور القارئ أن هذا الأمر هو من باب محاولتي لتقبيح ما هو قبيح‏,‏ فقد سبق وقررت ما يطلق عليها اسم المحكمة الإسرائيلية العليا بأن من حق سلطات التحقيق استخدام ما يناسب من وسائل التعذيب وأساليب القهر لإجبار الفلسطينيين علي الاعتراف أو الادلاء بأقوال تخدم سير التحقيقات‏..!‏؟ وقد يقول قائل بأن هناك دولا تمارس القهر للحصول علي اعترافات المتهمين ـ إلا أن هذا الأمر يعد من قبيل تجاوزات بعض الأفراد المنحرفين في أجهزة التحقيقات ولم يرق إلي أن يكون ظاهرة عامة وتتحرج منه الدول وتنفيه‏..‏ فلا يمكن لعاقل أن يتصور أن دولة تجيز رسميا وتعترف صراحة بممارسة التعذيب وهو ما سبق أن أعلنته إسرائيل وأقرته مظلمتها السفلي محكمتها العليا وهذا ليس بغريب علي هذا المجتمع المظلم الذي يتأصل فيه الإجرام ليصبح ظاهرة عامة وطبيعية‏,‏ فقد حكمت محكمة إسرائيلية علي مستوطن يهودي متهم بقتل مواطن فلسطيني بغرامة تعادل ثلاثة دولارات‏!!‏ كما حكمت محكمة أخري علي جندي إسرائيلي اتهم بنفس التهمة بالحبس أو التوقيف لمدة ساعتين‏!!‏ أي أن القاضي أصبح شريكا للمجرم في جرمه‏,‏ وبرغم حقارة تلك الأحكام الصادرة مما يسمي بالقضاء الإسرائيلي ـ إلا أن هذا الوضع قد كان سائدا في السابق قبل اندلاع الانتفاضة‏,‏ أما الآن فلا يوجد من الأصل أي اجراء يتخذ ضد الجنود والمستوطنين الذين يعيثون في الأرض فسادا‏,‏ وهذا أمر طبيعي يتسق مع السياسات الإسرائيلية الحالية والتي تجد في الإجرام مدعاة للتباهي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية