الكتاب

41868‏السنة 125-العدد2001يوليو24‏3 جمادى الأولى 1422 هـالثلاثاء

إيـــلات ـ المدمرة والمينــــــاء‏!!‏
بقلم : أمين هويدي

في ظهر يوم‏21‏ أكتوبر‏1967‏ تلقيت وأنا في مكتبي كوزير للدفاع في مبني مدينة نصر إتصالا تليفونيا من الفريق محمد فوزي القائد العام للقوات المسلحة يخبرني فيه أن أجهزة الاستطلاع لقواتنا البحرية اكتشفت أن المدمرة الإسرائيلية إيلات تتقدم جنوبا في مياهنا الاقليمية في اتجاه بورسعيد وأنه بعد مشاورة مع قائد القوات البحرية اتفقا علي التصدي للمدمرة وإغراقها بواسطة قوات القاعدة البحرية في بورسعيد‏.‏ كان الخبر سارا واتفقنا علي أن يكون مكان لقائنا مع المدمرة مصيدة حتي لقوات الانقاذ التي لابد أن تصل إلي ميدان المعركة‏.‏
كان القائد العام يمارس اختصاصاته لأن وزير الدفاع لا يقود ولا يتدخل في ادارة المعارك إلا إذا اقتضت المصلحة القومية ذلك‏,‏ فهو ممثل القيادة السياسية علي قمة المؤسسة العسكرية‏.‏

كانت الأيام وقتئذ ثقيلة سوداء فمصر لا تملك إلا القليل بعد الهزيمة‏,‏ والعدو تحت زهو الانتصار شعر بغرور القوة ورغما عن ذلك كانت مصر تقاتل رافضة الاستسلام‏..‏ صحيح كانت جريحة ولكنها رفضت أن تنتكس أعلامها محاولة المقاومة باشتباكات مستمرة مع العدو برا وأسراب طائراتنا رغما عن التفوق الجوي الساحق للعدو تنطلق بين وقت وآخر‏,‏ ومصر كلها تحت وطأة عار النكسة تواصل ليلها بنهارها لاعادة البناء فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة‏.‏
كان اتخاذ القرار في مثل تلك الظروف أمرا صعبا إذ لم يكن العامل الحاسم هو الفعل الذي تقوم به بل ورد الفعل الذي يحتمل أن يقوم به العدو‏..‏ كانت هناك اسباب ملحة تدعو إلي اغراق المدمرة‏,‏ فهي غرض ثمين إذ كانت أكبر قطعة بحرية لدي العدو وزوارق الطوربيد جاهزة للعمل والقوات المسلحة في حاجة إلي نصر يعيد إليها الثقة بالنفس والجبهة الداخلية تريد الثأر‏,‏ والأمة العربية تريد أن تقتنع أن مصر مازالت تنبض بالحياة والعالم في حاجة إلي هزة تقنعه بأن الأمر الواقع لن يفرض نفسه وأنه مازال في جعبتنا الشئ الكثير‏.‏

ولكن كان للموقف جانب آخر يتعلق برد فعل العدو إذ أن اغراق المدمرة سيصيبه بخسارة مادية كبيرة خاصة في الأرواح وهذه النقطة بالذات ذات حساسية كبيرة عند العدو‏.‏ إذن لابد أن يكون له رد فعل فهذا شئ مؤكد في نطاق سياسة الردع التي يتبعها فلا يمكن أن يمر أي فعل دون عقاب‏,‏ ولكن إن تم ذلك فهل سنسكت؟ هل سنضرب؟ هل من المصلحة تصعيد الموقف والامكانيات قاصرة والموارد المتاحة تكفي بالكاد لاثبات الوجود؟ ولكن قبل ذلك أين سيضرب العدو؟ إحدي مناطقنا الصناعية في العمق بضربة جوية ثقيلة؟ محتمل‏.‏ احدي المناطق الأهلة بالسكان؟ جائز منطقة الزيتية حيث معامل التكرير بمنطقة السويس؟ ممكن‏..‏ كل هذه الاحتمالات متوقعة إلا أن الاحتمال الأكثر توقعا كان ضربه معامل التكرير بالزيتية فالغرض ثمين ذو قيمة استراتيجية كبيرة لسير الحياة والمعارك إذ يمدنا بالقوة المحركة التي نحتاج إليها علاوة علي انه في مدي هاوناته الثقيلة ومدفعيته دون الحاجة إلي استخدام القوات الجوية‏.‏
كان القرار سياسيا يحتاج إلي حوار مع الرئيس‏,‏ كان الرجل في روح معنوية عالية تظهر في نبرات صوته الرغبة في الانتقام ووافق علي أن الضربة القادمة سوف تكون ضد الزيتية وأوصي أن يكون التعامل معها ذا اسبقية خاصة ولكنه لم يوافق علي التدخل في عمليات الانقاذ إذا اصيبت المدمرة فالغد ملبد بالغيوم سوف نحتاج فيه إلي القيام بعمليات إنقاذ بصور متعددة‏.‏ إغراق المدمرة يكفي مع الاهتمام بالتعامل مع ضربته المتوقعة‏.‏

أبلغت القائد العام بقرار الرئيس بعدم التدخل في عمليات الانقاذ واتصلت بالوزير شعراوي جمعة وزير الداخلية واتفقت معه علي حشد أكبر قوة من وحدات المطافئ بالقرب من السويس لتعزيز وحدات مطافئ القوات المسلحة علي أن تكون قيادة عمليات الاطفاء إذا اضطررنا لها للقوات المسلحة‏.‏
وفي الموعد المحدد صدرت الأوامر من قائد القاعدة البحرية في بورسعيد لتنفيذ العملية وقد قام بها لنشان كومر السوفيتية كل مجهز بصاروخين سطح ـ سطح من طراز ستيكس تزن رأسه المدمرة طنا واحدا وفوجئت المدمرة بالاشباح الصغيرة تنطلق اليها لتصيبها في مقتل وتم غرقها علي بعد‏11‏ ميلا بحريا شمال شرق بورسعيد بعد الساعة الخامسة بعد ظهر يوم‏21‏ أكتوبر‏1967‏ بقليل أما المائتا بحار الذين كانوا علي ظهرها فأغلبهم اصبح طعاما للحيتان ومن تبقي منهم كانت تحيط به بقع الزيت المشتعلة من كل جانب وبدأ العدو اتصالاته عن طريق قوات الطوارئ الدولية يرجو أن يبدأ عملية الانقاذ دون تدخل من جانبنا وقد كان‏..‏ وعلي أضواء المشاعل التي اسقطتها الطائرات أو أطلقتها المدفعية والتي استمرت طول الليل اشتركت عشرات الطائرات والزوارق في محاولة لانتشال الأحياء الذين كتبت لهم النجاة أو الجثث التي فارقتها الحياة‏.‏

الشعور بالانتصار لذيذ وكان هذا شعورنا عندما أشرق الصباح بعد الليلة العصيبة ولكنه كان مختلطا بالقلق ونحن ننتظر الضربة المضادة لأن الصراع عبارة عن فعل ورد فعل‏.‏ وفعلا ضرب العدو ضربته وكانت ضد معامل التكرير كما توقعنا في اليوم السابق‏..‏ طلقات قليلة واشتعلت النيران وارتفع اللهب إلي عنان السماء وبدأت معركة من نوع فريد بين قوات المطافئ والنيران المشتعلة وكانت معركة تم الاستعداد لها من قبل‏,‏ وقد بذل فيها هؤلاء الرجال ـ الذين يؤدون أعمالهم دائما في صمت وتضحية ـ كل جهد لاطفاء الحرائق ومات منهم من مات ـ وجرح منهم من جرح إلا انهم تمكنوا أخيرا من اطفاء النيران وكانت الخسائر أقل كثيرا مما كان متوقعا وذلك يرجع إلي الاستعداد المسبق‏.‏
وفي اجتماع خاص باحدي قاعات مبني القوات المسلحة بمدينة نصر قمت بتوزيع النياشين والمكافآت علي رجال المطافئ الذين شاركوا في المعركة‏,‏ فكما نجح رجال البحرية في إغراق المدمرة بشجاعة وكفاءة وافتخار نجح رجال المطافئ في إطفاء الحرائق التي اشتعلت في الزيتية بشجاعة وكفاءة وافتخار‏.‏

وفي نفس اليوم بدئ التفكير في ضربة مضادة وبعد بحث مستفيض كان القرار ضرب ميناء إيلات بأي ثمن‏,‏فالقتال كان دائرا كلعبة البنج بنج بضربات متبادلة مع الحرص الكامل علي عدم التصعيد بشكل يتجاوز الامكانيات المتاحة‏..‏ ميناء إيلات به فناطيس البترول أيضا كالزيتية وبه سفن مدنية وعسكرية وبه سكان فهو غرض مناسب بكل المقاييس‏,‏ وأترك الحديث مؤقتا للفريق مدكور أبوالعز قائد القوات الجوية وقتئذ عن المهمة التي كلف بها نقلا عن سلسلة تجربته في القوات الجوية ـ الحلقة‏16‏ والذي نشره في جريدة الوفد بتاريخ‏1978/9/26,25‏ إذ قال أصر القائد العام علي تنفيذ العملية ـ يقصد ضرب ميناء إيلات ـ بواسطة القوات الجوية رغما عن أن جميع الخطط الجوي بأنواع الطائرات المختلفة أكدت النتائج السلبية وبأن الفشل الذريع متوقع لها في كل مرحلة من مراحلها‏.‏ كان ذلك في اجتماع بمكتب القائد العام برئاسته وحضوري واللواء طلعت حسن علي رئيس هيئة العمليات للقوات المسلحة واللواء طيار محمود بركة رئيس عمليات القوات الجوية وأحد ضباط المخابرات الحربية ـ كان اللواء محمد صادق مدير المخابرات الحربية ـ لبحث القيام بالعملية الجوية التي نحن بصددها ولما كنت متأكدا من النتائج الوخيمة التي تترتب علي القيام بهذه العملية فقد وجدت نفسي في موقف صعب بين عدم التنفيذ والتنفيذ‏,‏ولم أشأ أن أصعد الموقف فقمت بتنفيذ الأمر رغما عني علي أن أقدم له الاعتراض كتابة والاستقالة مسببة وهذا اضعف الايمان‏,‏ فأصدرت بدوري الأوامر إلي الوحدة المختصة للاستعداد لحين صدور الأمر بالتنفيذ وقبل نهاية الاجتماع دخل علينا الوزير أمين هويدي وزير الحربية وسأل عما استقر عليه الرأي فرد القائد العام بأننا قررنا تنفيذ العملية الجوية وكلفني بشرح العملية للوزير فبدأت حديثي بأنني لا أوافق علي تنفيذ العملية ولم يوافق أحد من المجتمعين عليها وأوضحت الأخطار التي نتعرض لها ونتائجها الوخيمة التي توقعتها‏.‏ وفي هدوء يتصف به أمين هويدي شرح الظروف وانتهي إلي إرجاء تنفيذ العملية لتنفيذها بوسيلة أخري في وقت مناسب‏,‏ وكان من غير المعقول أن اسمع من القائد العام قوله للوزير‏:‏ تعرف يا سيادة الوزير إن هذا الرأي أحسن رأي‏.‏ وبعد دقائق اتصل الرئيس عبدالناصر بالقائد العام فقال له إن الفريق أبوالعز كان من رأيه الضرب‏.‏ ثم علق مدكور أبو العز علي ذلك بما عن له من تعليقات لا جدوي من تكرارها‏.‏

واستقر الرأي في هذا المؤتمر علي ضرب ميناء إيلات بعملية يقوم بها رجال الضفادع البشرية تحت قيادة المخابرات الحربية علي أن تكون ميناء العقبة الأردني قاعدة للعمليات دون إخطار سلطات الأردن لعدم إحراجها مع الاستعانة بمجهودات منظمة تحرير فلسطين إن اقتضي الأمر ذلك‏.‏
وكنت استند في الوصول إلي هذا القرار إلي ضرورة احترام رأي من يكلف بالمهمة خاصة إذا كان في خبرة ووزن مدكور أبوالعز وعلي أن القتال يعتمد في جوهره علي المرونة في استخدام الوسائل التي تنقل المواد المتفجرة إلي الهدف فالطائرة والصاروخ والمدفع والهاون والبندقية والفرد كلها وسائل نقل يمكن عن طريقها نقل المواد المتفجرة إلي الهدف وأخيرا ضرورة المحافظة علي الغرض‏.‏

وبعد أسابيع نفذت العملية كما خطط لها واحترقت خزانات البترول وغرق بعض السفن والزوارق‏.‏
وكان نجاح هذه العملية هو آخر خبر أنقله للرئيس جمال عبدالناصر بعد أن تقرر ـ بناء علي رغبتي ـ تركي مسئولية وزارة الحربية والاكتفاء بإشرافي علي المخابرات العامة إذ كنت أقوم بالمسئولية في وقت واحد في تلك الظروف العصيبة وأثبتت العمليتان عدة دروس‏:‏
خطوط ايقاف النيران الباردة قد تتحول إلي حدود دائمة‏.‏

إذا كان الردع هو الدرع الواقية لفرض الأمر الواقع فإن القدرة علي الردع المضاد هي التي ترفضه وتهدمه‏.‏
تمكنت القطع الصغيرة وهي زوارق الطوربيد من إغراق القطع الكبيرة مثل المدمرة إيلات وأن الضفدع البشري يمكنه القيام بمأموريات قد يعجز عنها الطيران‏.‏

عند الاقدام علي الفعل يجب حساب رد الفعل ويجب أن نستعد للضربة الثانية للرد علي الضربة الأولي‏.‏
الحرب ارادات متصارعة فالسلاح الرئيسي ضد فرض الأمر الواقع هو ديناميكية الارادة‏.‏

ضبط تنفيذ العمليات العسكرية ضمن الاطار السياسي الذي تحدده القيادة السياسية من أهم واجبات وزير الدفاع فهو ممثل القيادة السياسية علي قمة المؤسسة العسكرية‏.‏
والتفاصيل كثيرة والذكريات متعددة لأيام لها تاريخ نذكرها بين الحين والحين حتي لا تنطفئ الشموع‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية