ملفات الأهرام

41841‏السنة 125-العدد2001يونيو27‏6 ربيع الآخر 1422 هـالأربعاء

مشكلات توزيع مياه النيل بين دول الحوض
المصادر المتاحة لكل دولة يجب أن تدخل في الاعتبار
بقلم‏:‏ د‏.‏رشدي سعيد
عالم مصري مرموق في الجيولوجيا

تبلغ مساحة حوض نهر النيل‏...,2,960‏ كيلو متر مربع لايزيد الجزء من هذه المساحة الذي تسقط عليه الأمطار ذات الأثر في ايراد النهر علي الربع‏,‏ أما الجزء الباقي من مساحة الحوض فانه يقع اما في منطقة الصحاري المدارة القاحلة أو في اقليم السفانا اللذين يكتتبان أقل القليل من المياه للنهر وتقع مصر والجزء الشمالي من السودان في الجزء القاحل من هذا الحوض وهما يعتمدان اعتمادا يكاد يكون كليا علي مياه النهر التي تصلهما من منابعه في الجنوب أو في الشرق‏.‏
أما باقي دول الحوض فانها تقع في مناطق الأمطار مما يجعل من النهر مصدرا ثانويا للمياه فيها وتختلف كمية الأمطار التي تسقط علي دول الحوض الممطرة من دولة الي أخري فهي في أقلها في كينيا وفي أغزرها في أوغندا وإثيوبيا وللنيل مصدران أساسيان للمياه هما الهضية الاستوائية ذات الأمطار المنتظمة علي طول العام وان تزايدت كمياتها في فصلي الربيع والخريف والمرتفعات الإثيوبية ذات الأمطار الهادرة في فصل الصيف‏.‏

ولايصل الي دولتي المصب اللتين تقعان في شمال النهر الا الجزء اليسير من مياه أمطار الحوض‏,‏ لأن الكثير منها يتبدد قبل أن يصل اليها فأغلب مياه الهضبة الاستوائية تسبح فوق بطاح منطقة السدود بجنوب السودان لتشكل مستنقعات واسعة في أحواض بحر الجبل والسرباط والغزال‏.‏
أما مياه المرتفعات الإثيوبية فان الكثير منها يصل الي البحر المتوسط بسبب أن الأنهار التابعة منها ذات انحدار كبير تجعلها تنساب باندفاع الي الشمال‏,‏ ولذا فان‏86%‏ من كمية المياه التي تصل الي مدخل مصر الجنوبي تأتي من هذه المرتفعات و‏14%‏ فقط هي التي تأتيها من الهضبة الاستوائية‏.‏

وعلي الرغم من أن معظم دول الحوض لها مصادر وفيرة للمياه‏,‏ فإنها جميعا تعاني من أزمات فيها‏,‏ ففي دول الهضبة الاستوائية تجيء الأزمة من كيفية استخدام المياه المتاحة لها لاستيفاء حاجات زراعتها التي تعتمد في معظمها علي الأمطار خاصة في سني الجفاف وليس بين دول الهضبة الاستوائية مشاكل كبيرة حول توزيع مياه النهر فيما بينها أو فيما ينساب منها الي دولتي المصب‏,‏ وذلك لأن كمية المياه التي تخرج منها اليهما لاتزيد علي‏16,5‏ مليار متر مكعب من جملة المياه المتاحة لهذه المنطقة والتي تصل الي عشرات المليارات من الأمتار المكعبة التي يتبعثر معظمها في سهولها دون الاستفادة منها‏.‏
أما في حالة دول شرق النيل‏,‏ مصر وشمال السودان وأثيوبيا‏,‏ والتي تعتمد أساسا علي مياه المرتفعات الإثيوبية فان مشاكلها مع المياه تقع في محدودية كمية المياه النابعة من هذه المرتفعات وفي طريقة قسمتها فيما بينها‏,‏ وتسبب القسمة الحالية لهذه المياه توترا بينها بسبب أن كلا من إثيوبيا دولة المنبع والسودان دولة الممر تشعران بأنهما لايحصلان علي نصيب عادل منها وأن مصر تستحوذ علي الجزء الأكبر منها‏.‏

وتتم قسمة مياه المرتفعات الإثيوبية في الوقت الحاضر لاتفاقية أبرمت بين مصر والسودان سنة‏1959‏ وتم بمقتضاها توزيع كل مياه هذه المرتفعات والتي كان السد العالي الذي كان يتم بناؤه في ذلك الوقت سيوفرها في بحيرة ناصر التي كانت ستنشأ أمام السد فيما بينهما دون اعتبار لإثيوبيا التي لم تشارك فيها أو تعترف بها ويبلغ صافي متوسط كمية هذه المياه عند بحيرة ناصر وبعد احتساب ماسيفقد منها عن طريق البخر‏74‏ مليار متر مكعب‏,‏ تم توزيعها بحيث تنال مصر‏55,5‏ مليار متر مكعب والسودان‏18,5‏ مليار متر مكعب وارضاء لإثيوبيا فقد نصت الاتفاقية علي أن طرفيها سيكونان علي استعداد للنظر في أي طلب تتقدم به أية دولة ثالثة لنيل حصة من هذه المياه‏,‏ علي أن تخصم من نصيبهما بالتساوي‏.‏
وقد يكون من المفيد أن نذكر هنا أن ثلث مياه المرتفعات الإثيوبية كانت تنساب قبل بناء السد العالي الي البحر الأبيض المتوسط دون الاستفادة منها ـ وهذا الثلث الذي تم توفيره بعد بناء السد هو الذي تقاسمته مصر والسودان في اتفاقية سنة‏1959,‏ فنال السودان منها‏14,5‏ مليار متر مكعب أضيفا الي نصيبهما الذي كانا يحصلان عليه طبقا لاتفاقية أبرمت في سنة‏1929,‏ فأصبح لمصر كمية من المياه بلغت‏55,5‏ مليار متر مكعب ومصر‏7,5‏ مليار متر مكعب كما أصبح للسودان‏18,5‏ مليار متر مكعبـ وكانت مصر والسودان قد اتفقتا في سنة‏1929‏ علي توزيع مياه النهر بينهما‏,‏ بحيث يحصل كل طرف علي مايكفي لري زراعاته القائمة في ذلك التاريخ وقد حصلت مصر بذلك علي‏48‏ مليار متر مكعب في الوقت الذي حصلت فيه السودان علي‏4‏ مليارات متر مكعب‏.‏

وعلي الرغم من أن إثيوبيا لم تكن تستخدم مياه روافد النيل النابعة منها وقت ابرام اتفاقية سنة‏1959,‏ وعلي الرغم من أن الاستفادة من هذه الروافد وعلي أي مقياس واسع يبدو عسيرا بسبب صعوبة اقامة السدود الكبيرة عليها بالنظر الي أنها تشكل خوانق ذات انحدار كبير وتحفها أراض وعرة غير صالحة للزراعة تسكنها قبائل تكاد أن تكون خارج سيطرة الحكومة المركزية‏,‏ فإن موضوع استخدام هذه الروافد والمطالبة بحصة من مياهها كان ولايزال من القضايا التي شغلت اثيوبيا علي الدوام‏.‏
ويظهر من استقراء تاريخ العلاقات الإثيوبية ـ المصرية والسودانية أن ذلك الانشغال كان بسبب اعتبارات سياسية‏,‏ ففي ستينيات القرن العشرين رأت الولايات المتحدة استخدام ورقة مياه النيل للضغط علي مصر التي كانت تنهج نهجا استقلاليا لم تكن الولايات المتحدة راضية عنه وتعتبره مدفوعا من الاتحاد السوفيتي غريمها الأول والذي كانت مصر منفتحة عليه فأوفدت أمريكا بعثة كبيرة من خبرائها الي إثيوبيا لدراسة منابع النيل‏.‏ واقتراح بناء السدود عليها لاستغلال مياهها قبل أن تصل الي مصر‏,‏ ولم يكن غرض هذه الدراسة حل مشاكل أثيوبيا التي لم يكن لديها أية أزمة في المياه في ذلك التاريخ‏,‏ بل كان غرضها الأساسي توصيل رسالة الي مصر الستينات بأن الأضرار بها سهل وأن حياتها من مرهونة يحكمون منابع النيل ـ

وفي سبعينات القرن العشرين انقلب الحال وأصبحت أثيوبيا منفتحة علي الاتحاد السوفيتي الذي قام بدوره باستخدام ورقة مياة النيل للضغط علي مصر التي كانت تتقارب مع الولايات المتحدة في ذلك العقد وقام نظام منجستو هيلامريام باثيوبيا من أجل ذلك باستجلاب الخبراء من الاتحاد السوفيتي لدراسة امكان بناء السدود علي منابع النهر‏,‏ تمهيدا للتقدم لتمويل بنائها‏.‏
وفي هذا العقد تصاعدت حدة الخلاف بين مصر واثيوبيا وأعلنت مصر علي لسان الرئيس أنور السادات أنها ستدخل الحرب وتهدم أي سد تقيمه أثيوبيا علي منابع النهر إن هي أقدمت علي ذلك‏,‏ وكان هذا التهديد هو الذي أبرز مقولة إن حروب المستقبل ستكون بسبب المياه‏.‏ وهي المقولة التي يعاد تكرارها بين الحين والآخر علي الرغم من أنها في حقيقتها من مخلفات الحرب الباردة‏.‏

وفي النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين عندما ساءت العلاقات المصري السودانية‏,‏ قامت الحكومة السودانية باستخدام ورقة مياه النيل للضغط علي مصر ووقعت مع إثيوبيا اعلان الصداقة والسلام وقامت بالاشتراك معها في تأسيس منظمة حوض النيل الأزرق بهدف الاستفادة من مياه النهر دون اعتبار لمصر التي لم يطلب منها الانضمام اليها وتمت دراسة عدد من المشروعات التي خطط لاقامتها علي النهر والتي لو كانت قد نفذت لكانت قد أثرت علي مصر أكبر التأثير علي أن نشاط هذه المنظمة قد تجمد في النصف الثاني من عقد التسعينيات بسبب تحسن العلاقات المصرية ـ السودانية‏.‏
ويبين هذا العرض التاريخي أن موضوع توزيع مياه النيل بين دول الحوض هو من الموضوعات ذات الأبعاد السياسية التي كثيرا ماتكون الدول الكبري وراء اثارتها فليس بين دول حوض النيل واحدة بها أزمة في المياه تستدعي المطالبة بالمزيد منها والدخول في مجابهات مع دول الجوار‏,‏ فجميعها لديها من مصادر المياه مايكفي احتياجاتها في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور لو أحسن استخدامها‏,‏ فلدي دول شرق النيل الثلاث مصر وشمال السودان وإثيوبيا والتي تعتمد أساسا مع المياه النابعة من المرتفعات الإثيوبية مايكفي حاجتها من المياه لو أخذ في الاعتبار مصادرها الأخري منها لأن مثل هذا الاعتبار سيجعل التوزيع القائم اليوم لمياه النيل النابعة من المرتفعات الأثيوبية بين مصر والسودان فقط مبررا ومقبولا‏.‏

وتحصل مصر طبقا للنظام القائم علي ثلاثة أرباع مياه المرتفعات الإثيوبية وهي حصة تكاد أن تكفي عد سكانها الذين يتزايدون العام وراء الآخر‏,‏ ولما كانت مصر بلا مصدر آخر للمياه يمكن أن تعتمد عليه لسد احتياجاتها‏,‏ فقد أصبحت قضية الحفاظ علي هذه الحصة من المياه من أهم مايشغل مصر التي تمثل القلب بالنسبة لموضوع أمنها القومي وحتي وقت قريب كانت مصر تسعي لزيادة حصتها من المياه من هضبة البحيرات الاستوائية الا أنها أبطلت هذا المسعي منذ سنوات طويلة‏,‏ ورأت الاكتفاء بما يصلها من مياه عملت علي ترتيب حياتها للعيش في حدودها ولايعود هذا الابطال فقط الي صعوبة اقناع دول هضبة البحيرات بتحويل جزء من مياهها اليها بل الي اعتبارات عملية تتعلق بالتكلفة العالية لمشروعات تحويل هذه المياه وبصعوبة نقل مياهها اليها عبر شريان النيل الأبيض قليل الانحدار وذي القدرة المحدودة علي حمل المياه والي عدم وجود مكان لتخزين هذه المياه أمام السد العالي‏.‏
والمياه التي تصل مصر اليوم كافية بالكاد لاحتياجاتها الحالية والتي يذهب أكثر من‏80%‏ منها للزراعة والباقي للاستخدام المنزلي والصناعة‏,‏ وعلي الرغم من الارتفاع النسبي لدرجة الكفاءة في استخدام المياه في مصر‏,‏ فإن هناك الكثير مما يمكن عمله لزيادة هذه الكفاءة‏,‏ وهو الأمر الذي لابد أن يحدث في مستقبل الأيام اذا أرادت مصر أن تجابه احتياجاتها المتزايدة في حدود هذه الكمية من المياه والتي لاينتظر زيادتها في المستقبل المنظور أو حتي البعيد‏.‏

وفي ضوء هذه الحقيقة فانه يمكن تفهم موقف مصر التي تنظر بعين الريبة الي أي تحرك يمكن أن ينجم عنه أي مساس بحصتها من المياه وكان رد مصر الدائم عندما تثار قضية اعادة النظر في أنصبة دول الحوض في مياه النيل هو ضرورة بحث هذه القضية في اطار مجمل المياه المتاحة لكل دولة من دول الحوض ومن المعروف أن لكل من السودان واثيوبيا مصادر أخري للمياه غير نهر النيل الذي تمثل روافده أقل من نصف المياه المتاحة لأثيوبيا التي تشقها أنهار كثيرة أخري وتتساقط عليها الأمطار الموسمية بغزارة وتمتلأ خزاناتها الجوفية بالمياه المتجددة ويمكن القول نفسه عن السودان ذي المساحات الشاسعة والذي تتبعثر فوق أراضي الجزء الجنوبي منه مياه كثيرة‏,‏ وحسب وجهة النظر المصرية التي كانت تسود دوائر صنع القرار في مصر وحتي وقت قريب‏,‏ فان كل هذه المصادر من المياه ينبغي أن تؤخذ في الحسبان عند اعادة النظر في أنصبة كل قطر من المياه‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية