قضايا و اراء

41839‏السنة 125-العدد2001يونيو25‏4 ربيع الآخر 1422 هـالأثنين

خوفا يصمتون
بقلم‏:‏ ثـروت أباظـة

موقف يثير كثيرا من علامات الاستفهام‏..‏ فقد حضر السيد مصطفي عبد القادر وزير الدولة للتنمية المحلية اجتماع لجنة الادارة المحلية في مجلس الشعب برئاسة الدكتور محمود شريف لمناقشة مشاكل المحليات‏,‏ وانتظر الوزير ان يستمع الي مناقشات النواب بعد ان عرض رؤيته حول نشاط اجهزة الادارة المحلية والإنجازات التي تحققت‏,‏ لكن احدا من النواب لم يبادر بالحديث عن اي مشكلة في دائرته والتزم جميع الاعضاء جانب الصمت وجد الوزير نفسه في موقف حرج حتي كاد رئيس اللجنة أن ينهي الاجتماع‏,‏ لكن النائب مصطفي محمد مصطفي راح يتكلم في أمور لا علاقة لها بالمحليات حيث تحدث عن مشكلة فصل مراكز توزيع الخبز عن إنتاجه‏,‏ هذه المشكلة ترتبط بوزارة التموين والتجارة وبعد الاجتماع علق أحد موظفي اللجنة بأن كل هؤلاء الاعضاء موظفون بالادارة المحلية ولا يريدون احراج الوزير حرصا منهم علي مصالحهم في الترقية او قضاء مصالحهم الشخصية في المحليات‏!‏
جاء هذا الخبر بصياغته تلك بجريدتنا الكبري الأهرام تحت عنوان علامة استفهام في الصفحة‏33‏ من عدد يوم‏28‏ مارس الماضي وهكذا شاء ربك ان يؤيد ما ذهبت إليه بمقالتي المنشورة في يوم‏26‏ مارس من الكارثة التي تتحقق بأن يجمع عضو مجلس الشوري او الشعب بين العضوية والوظيفة الحكومية فالصمت الذي ران علي الاعضاء امر حتمي يتمشي مع طبيعة الامور ونحمد الله انهم لم يتقدموا بين يدي الوزير بالمديح فكيف لموظف ان يناقش وزيره أو ينبس امامه ببنت شفة إلا ان تكون تملقا وتمدحا فهؤلاء الاعضاء الموظفون عبء ثقيل علي مجلسي الشعب والشوري ولأنهم ابعد ما يكونون عن مناقشة الوزراء بل محاسبتهم‏.‏

ان اعضاء المجالس النيابية لا مناص لهم من ان يكونوا متخففين من كل القيود فما خطبك بتلك الكبول الثقيلة التي تسربهم وهم معه موظفون‏,‏ رؤساؤهم الوزراء الذين ينبغي لهم ان يحاسبوهم‏.‏
ولن يجرؤ العضو علي مناقشة وزيره أو ـ لا قدر الله ـ محاسبته ولن يكون هذا الجبن تجاه وزيره وحده بل انه سيكون مع كل الوزراء خشية من الموظفين النواب ان يحاسبهم وزيرهم المختص علي ماقارفوا من مناقشة زميله الوزير الآخر‏.‏ فالوزراء كالآواني المستطرقة مهما يكن الخلاف بين بعضهم البعض إلا انهم أمام المجالس النيابية يتكاتفون ويتكافلون ويتوحدون‏.‏ فمصير كل وزير منهم مرتبط بالآخر الي حد بعيد ولعله من الطريف هنا ان اذكر ما يسمي بالنفاق الوزاري وليس هذا شتما كما يفوح من التعبير إنما هو امر يعبر عن نظرية ديمقراطية معروفة مفادها ان الوزراء في اجتماعات مجلس الوزراء قد يختلفون في الرأي ويقدم كل مختلف الاسباب التي يبني رأيه عليها وفي نهاية النقاش يؤخذ رأي الاغلبية ومن الطبيعي ان ترغم هذه الاغلبية الذي كان يخالفها علي قبول الرأي الآخر ويخرج الوزراء والديمقراطية‏,‏ هنا تحتم علي الوزير الذي كان مخالفا داخل المجلس ان يدافع عن القرار الذي كان يرفضه ويذكر في دفاعه الاسانيد الذي كان يذكرها مخالفة في الرأي داخل المجلس‏.‏

ولعل هذه النظرية تبين لك الي اي درجة يتحتم علي الوزراء ان يكونوا في آرائهم وحدة متماسكة مهما تكن آراؤهم شتي متباينة‏,‏ ولذلك تملأنا الحسرة عما نسمعه من خلافات شخصية بين الوزراء‏.‏
وإذا كان الامر موضع خلاف الوزير مع اغلبية اعضاء الوزارة جوهريا تحتم علي الوزير ان يستقيل واذكر في هذه المناسبة أن ابي كان وزيرا للمواصلات في وزارة كان يرأسها النقراشي باشا وكان لأبي رأي يخالف رأي مجلس الوزراء في امر جليل فقال للنقراشي باشا‏,‏ هذه استقالتي فإن مخالفتي للوزارة في هذا الامر الجوهري لا تسمح لي بأن استمر عضوا بالوزارة وقال له النقراشي باشا ضع استقالتك في جيبك فمجلس الوزراء جميعه سيكون من رأيك وحدث فعلا ما قاله رئيس الوزراء‏.‏

وعودا الي نظرية النفاق الوزاري اعتقد ان الوزير إذا رأي موظفا بوزارته يهاجم زميلا له من الوزراء سوف يوجه اللوم الشديد لهذا الموظف خشية ان تتسع به الجرأة فيناقش وزيره‏.‏
وهكذا نري ان الامر جليل خطير‏..‏
وإني اعجب كل العجب من أن النواب لايعملون نص القانون في هذا الشأن فقد نص القانون ان تحتسب فترة عمله بالمجلس النيابي ضمن مدة خدمته في الوزارة وكأنه لم يغادرها‏.‏ وهذا الاقتراح هو إعمال لنص القانون فقد جاءت المادة‏24‏ من القانون كالآتي إذا كان عضو مجلس الشعب عند انتخابه من العاملين في الدولة أو القطاع العام يتفرغ لعضوية المجلس ويحتفظ له بوظيفته أو عمله وتحتسب مدة عضويته في المعاش أو المكافأة ويكون لعضو مجلس الشعب في هذه الحالة أن يقتضي المرتب والبدلات والعلاوات المقررة لوظيفته وعمله من الجهة المعين بها طوال مدة عضويته ولكن للأسف هذه المادة لا تنفذ بدليل الخبرالذي أثبته في صدر هذا المقال فإن كان هذا النص معمولا به ولكن من المؤكد ان هذه المادة لا يعمل بها علي الوجه الصحيح فلو عمل بها لتخفف النائب عن رعبه من وزيره دون ان يقع عليه ما يضيره من الناحية المالية ولا شك ان هذه الناحية المالية هي أهم ما يعني النائب الموظف‏.‏

وقد كان الحال قبل ان يسمح للموظف ان يجمع بين الوظيفة والنيابة ينص علي أن الموظف إذ انتخب بمجلس تشريعي فهو ملزم بأن يختار احد المكانين في مدي ثلاثة أشهر وهذا هو الوضع الطبيعي الخليق بعضو في مجلس تشريعي‏.‏
إن هذا الذي اكتبه جد لا هزل وهو أمر حتمي فالجمع بين الوظيفة والنيابة لا مثيل له في العالم وهو يجعل واجهة مصر النيابية خابية الأضواء‏.‏

والله أسأل أن يستجيب المشروعون المصريون الي هذا الأمر الجليل وإني أكاد أكون واثقا أن النواب واعضاء الشوري سيبادرون الي تصحيح هذه الإباحة المرذولة التي تضفي عليهم ما لا ينبغي أن يشوب مكانة العضو البرلماني‏,‏ والله ولي التوفيق‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية