|
|
 | |
لعل صاحبنا أحس أنه في حاجة, أكثر من أي وقت مضي, الي أن يقضي يومين أو ثلاثة أيام في مونتسير, فلا شك أنه كما يجب علي التاريخ أن يتجدد علي الدوام, وأن يعيد صناعة نفسه بهدف تجاوزها, فكذلك علي الانسان أيضا أن يتجدد, فالتقدم لا يفهم بدون التجاوز, بوصفه لحظة اعادة النظر فيما أنتج وحصل, والمقارنة بين ما يتحقق, وما ينبغي له أن يتحقق. وفور أن عقد صاحبنا عزمه علي مغادرة باريس, إذ بصديق له يطلب منه البحث عن صورة جده في متحف تلك المدينة التي سيزورها, وأكد له أن يتحري عما اذا كان بالإمكان شراؤها. تري هل لهذا المطلب الغريب رصيد في الواقع الحسي, بمعني: هل هناك ــ بالفعل ــ صورة للجد في متحف المدينة؟ ولأن الحكاية تتحرر من منطق الواقع اليومي المألوف لذا سوف نعدل صيغة السؤال, تري هل هذا المطلب اختراع لواقع افتراضي من قبل هذا الصديق, كناية عن رغبة ذاتية تتصل بخصائصه وظروفه, حتي أصبحت هذه الرغبة بالنسبة اليه معتقدا يستند الي حالات لا تخضع لضوابط وحسابات الواقع والعقل بالضرورة؟ أيا ما كان المأزق, ومهما تكن مصادره, فإن صاحبنا كان يعتقد أن صديقه قد اختلق حكاية صورة جده.
ربما لأن صاحبنا كان ينأي عن أن يتورط في خطاب الاتهام لصديقه, أو أنه لا يرغب في استقراء الحكاية من جانبها التوثيقي, أو لمجرد أنه ــ ببساطة ــ يكره زيارة المتاحف, فقد قرر أن يتوسل بعذر ما, يتنصل به من القيام بهذه المهمة. هكذا رسم خط الهروب بحذر المجرب, وانتزع تلك المهمة من وقته, وراح يتجول ويتنقل منطلقا في شوارع مونتسير, منغمسا في خط الهروب, ذلك الذي اختلسه رفضا لأداء المهمة التي فرضها عليه صديقه, كاستحواذ علي أيامه في تلك المدينة, وتنحيته عن وجوده الذي اختاره فيها, ومطالبته بملاحقة مجهول, وهو ما يعد استبدادا به لعدم توافر القبول, والرغبة لديه في البحث عن مجهول يتطلب الكشف ببذل الجهد بخطوات اجرائية, في حين أن الفرضية الأولي لهذا المجهول لم تجد لديه قبولا, إذ كان يعتقد أن صديقه قد اختلق له هذه المهمة, وهو سبب تملصه المسبق والمضمر. فجأة انهمرت الأمطار علي صاحبنا, وهو يتمشي في شوارع المدينة, فأوقفت ومنعت وحدت من حريته وانطلاقه في الشوارع. وعلي الفور التجأ الي مكان يلتمس فيه الوقاية, ويتواري من زخات المطر, فإذ به يكتشف أن المكان الذي راح يلوذ بامتداد فضائه هربا حتي تستكين زخات المطر, إن هو إلا مدخل المتحف الذي كلفه صديقه بزيارته, والبحث فيه عن صورة جده, وفي برهة خاطفة, تخلقت أمامه القفزة الصدفة التي طغت علي سباق الأحداث الذي تصوره ونفذه, صحيح أن القفزة الصدفة في الواقع المألوف وفي الأحداث تكسر التسلسل, أي تكسر طمأنينة حس التعاقب والتتالي علي محور الزمن والممكن, لكن ذلك الأمر هنا لا يهم, بل المهم ما ينفجر تحت موجاتها العارمة, وما تكشف عنه في عالمنا من أمور مستترة, لذلك فان الحضور الفجائي للمتحف, بهذه الانعطافة والتصاق المسافة, ألغي فكرة التهرب, وأي احتيال قد يحاوله, وبدا صاحبنا واقعا في قبضة قدرية ما, وكأن الادانة تفضحه أمام صديقه, وتأتيه في العلن وتواجهه, وهو يجهل شهودها. ومع نيته وقصده وارادته المسبقة برفض المهمة التي كلفه بها الصديق, فإذ بــالقفزة الصدفة تربكه, وتكتسح حتي منطقه, الذي يعتمد علي أن صديقه قد اختلق حكاية صورة الجد, بل تدفعه أيضا الي تغيير السياق, والاختيار الاضطراري بقصدية واحدة, هي دخول المتحف.
كيف ينبغي إذن أن نفهم الفعل الذي وقع, أي دخوله المتحف بهذه السلبية الصامتة, دخولا غير مشفوع بشعور من المقاومة؟ لقد أقصي صاحبنا ارادته الرافضة تحت ادعاء بالقبول بالمهمة, ثم التنصل بعد ذلك سرا من فعلها, ففقد بذلك معني الأمان الشعوري, الذي يمنحه قيمة التصالح بين الارادة المعلنة وواقعية ممارستها. ولأنه في اطار ذلك لا يمتلك شعورا سليما معافي, بل شعورا منشطرا بين متناقضين, لذا فهو يخشي من كشف تهربه الذي حجبه وأعلن ما يناقضه. وعندما وجد نفسه في مواجهة المتحف تمزقت وتساقطت وسائل الكذب وأقنعته أمام سلطة الشفافية. وخوفا من فضح تهربه من المهمة, سقط صاحبنا في كابوس, وبدا المتحف وكأنه عتبة الفصل عن تهربه من القيام بالمهمة, وأيضا عتبة الوصل بها, إذ أفسح المتحف له ملتجأ لاستقباله فتشبث به, وفي فضائه استبطن مشاعر صديقه, فشحن برغبته وقواه التي ــ فجأة ــ اندرجت فيه, فاستحالت صورة جد صديقه هي شاغله المسيطر, وصار هو نفسه طيف صديقه, أو معايشا له, أو مؤديا لدوره, أو أن طيف صديقه قد تلبسه. في داخل المتحف أصبح صاحبنا سلسلة من الاستجابات وردود الأفعال للحظة الراهنة التي صنعتها القفزة الصدفة, إذ بدخوله المتحف انحسرت ذاته وذابت, وفقد هويته, ولم يعد فردا, بل مسكونا بدور معلن, والدور المسند إليه هو البحث عن صورة الجد. من هنا بدت الدائرة كاملة ومغلقة, ومن العسير أن يخطو خارجها خطوة واحدة. والوصفة السحرية أو التعويذة التي توحي بالتكيف مع ما أصبح عليه صاحبنا, هي أن يكتشف وجود صورة الجد معلقة, وهذا ما حدث.
ونعاود التساؤل: تري من الذي وجد الصورة واكتشفها, هل صاحبنا, أو طيف صديقه الذي يتلبسه؟ ويظل التساؤل مشروعا, حتي عندما يسأل صاحبنا ــ أو طيف صديقه الذي يتلبسه ــ مدير المتحف عن إمكانية أن يشتري صورة الجد. لكن الصورة ما إن تظهر حتي تنفي, إذ ينكر مدير المتحف وجود هذه الصورة أصلا بالمتحف, عندئذ تكاد تكتمل للسؤال إجابته, إلا أننا نقترب من حدود الغموض عندما تتسع الفجوة بين الظهور والانكار, ففور أن يرشد صاحبنا ــ أو من يتلبسه ــ مدير المتحف عن مكانها, نقع تحت دهشة لا تصدق, حيث يجاهر المدير علنا أن البيع أمر يستعصي علي الاتمام, بل هو المستحيل بعينه, وذلك لأن الصورة غير مسجلة لديه في دفاتره. ونعود الي التساؤل: من الذي وجد الصورة ــ إذن ــ واكتشفها؟ لو أنه كان صاحبنا لرفع ذلك عنه الحرج أمام صديقه في عدم حصوله علي الصورة ابتياعا, بسبب حضور العارض الذي يعوق أداء دوره في شرائها, كما يستوي الأمر أيضا, حتي لو كان من وجدها هو طيف صديقه الذي يتلبسه, لأن العارض يجسد معضلة محيرة, إذ يظل ويبقي الموقف المزدوج للصورة بين الظهور والانكار. بين الحجب والتجلي, وهما وجهان لعملة واحدة هي غياب الحقيقة, أو غياب الحسم بوجودها, الذي يرغم ويكره الصورة أن تظهر وتوجد مجسدة في الواقع بكيفية محددة, وعكس ذلك يعني اختفاءها وإنكارها, لكن لا شك أن طمس الحقيقة لا يعني انهيار اليقين بها.
يصطحب مدير المتحف صاحبنا الي مكتبه عبر القاعات الرحبة المتعددة, لكن سرعان ما يفقد صاحبنا رفقة المدير, فيواصل التجوال في الأروقة العجيبة, ورنين القلق يتوازي مع تجواله, حتي يصل أخيرا الي باب يظن أنه باب النجاة, فيدلف اليه ملقيا حمولة القلق, فإذ به يكتشف أنه دخل حدود روسيا ــ مرة اخري نواجه التصورات التي تخرق الواقع, لكن ليس علينا أن نصدقها, بل نتأمل ما تكشف عنه في نفوس بشر عالمنا المألوف اليومي ــ ان أول ما لاحظه صاحبنا, انها ليست روسيا صباه, بل روسيا السوفيتية, والتي في راهنها يعد طريدا للعدالة, ومطاردا وملاحقا من قبل السلطات. حاول أن يخفي ويحجب كل إشارة تشي به, سواء في ملابسه, أو في وثائق سفره, أو حتي في العملة الأجنبية التي يحملها. وفي النهاية يمسك صاحبنا عن أن يحكي تفاصيل اعتقاله, ثم كيفية هروبه, لكنه يصرح: يكفي القول بأن ذلك كلفني جهدا وصبرا, مما لا يمكن تخيله للعودة من جديد الي الخارج, وإنني منذ ذلك الحين آليت علي نفسي ألا أقوم بأية مهمة تلقي علي كاهل المرء نتيجة لجنون الآخرين. تأسس وعي صاحبنا في النهاية مستندا الي المعاناة التي مر بها, فجاهر بضرورة القطيعة مع جنون الآخرين, وهو مالا ننأي عنه ولا نتحرر منه إلا بارادة الاقتدار والمران في تعرف تلك المساحة الغامضة من ذاتنا, بجهد الذات علي الذات, وتأملها وتنميتها وامتحانها وكشف خباياها, حتي نمتلك ذاتا فاعلة يلتصق بها سلوكنا, فتمنح ممارسها ما يخصه وحده من السمات المتفردة. عندئذ تصير الذات انتاج عينها وليست انتاج غيرها, آمنة من أن تكون موزعة أو مضافة الي ذات أخري تخالطها فتخلخلها وتبعثرها, وترغمها علي أن تعيش حياة ليست حياتها.
لقد وقع صاحبنا ضحية لأنه خاصم الشفافية, وتكتم حقيقة مشاعره, ولم يبح بما يعتقد, وأيضا لأنه امتلك ذاتا هشة, رخوة, متخلعة, متلعثمة, وبلا أفق. وتحت الضغط الفوري المهاجم غدت خواء. لتمتليء بكل ما رفضته ومالم تقتنع به, ذاتا انفلتت من مسئوليتها فقوضت معني اليقين, وسمحت لصاحبها بأن يعايش حلما ليس حلمه, فأصبح بمحض وهنه وانهزامه وعجزه,ضحية حلم شخص آخر كآلة عمياء, إذ يسكنه ويستعمره حلم غيره, فتجرعه كابوسا قامعا مهيمنا محاصرا مترصدا, ملقيا به في طريق مسدودة هالكة. قتل صاحبنا حريته مرتين: فعندما اتخذ موقفا نفاقيا تجاه صديقه, بالموافقة المعلنة علي القيام بالمهمة وهو عكس ما يضمره, قتل بذلك حرية القول, وقطع تواصل ذاته بين ما يعتقده وبين ما يصدره ويعلنه للناس. ثم قتل حرية الفعل, لحظة أن هاجمه الوجود الفعلي للمتحف, فعلي الفور انهار حضوره الداخلي, وارتد مذعنا باحثا عن الصورة, فاقدا جسارة المواجهة, كاشفا عن أن حرية رفضه للمهمة, والتي أخفاها أيضا, مغشوشة وعاطلة, إذ سقطت لحظة المحاصرة.
إن إرادة الاقتدار التي تؤسس وتحفر لها قصة زيارة الي المتحف لكاتبها فلاديمير نابوكوف الروسي المولد, الأمريكي الجنسية, رهانها ذات غير قابلة للاستبدال أو غرس الأوهام. الواقع أمامها دائما قيد الإدراك, بوعي يتفادي الالتباسات, يسعي الي التمايز في شروط البقاء, يمارس الشحن الدائم لطاقة إعادة إنتاج الذات صانعة المممكنات, ويرفض علاقات الاستتباع وسلطة الأوصياء. فرهان المعني تجسده ارادة الاقتدار. |
|
|
|
|
|