الكتاب

41825‏السنة 125-العدد2001يونيو11‏19 من ربيع الأول 1422 هـالأثنين

حكاية صورة الجد
بقلم‏:‏ د‏.‏ فوزي فهمي

لعل صاحبنا أحس أنه في حاجة‏,‏ أكثر من أي وقت مضي‏,‏ الي أن يقضي يومين أو ثلاثة أيام في مونتسير‏,‏ فلا شك أنه كما يجب علي التاريخ أن يتجدد علي الدوام‏,‏ وأن يعيد صناعة نفسه بهدف تجاوزها‏,‏ فكذلك علي الانسان أيضا أن يتجدد‏,‏ فالتقدم لا يفهم بدون التجاوز‏,‏ بوصفه لحظة اعادة النظر فيما أنتج وحصل‏,‏ والمقارنة بين ما يتحقق‏,‏ وما ينبغي له أن يتحقق‏.‏
وفور أن عقد صاحبنا عزمه علي مغادرة باريس‏,‏ إذ بصديق له يطلب منه البحث عن صورة جده في متحف تلك المدينة التي سيزورها‏,‏ وأكد له أن يتحري عما اذا كان بالإمكان شراؤها‏.‏ تري هل لهذا المطلب الغريب رصيد في الواقع الحسي‏,‏ بمعني‏:‏ هل هناك ــ بالفعل ــ صورة للجد في متحف المدينة؟ ولأن الحكاية تتحرر من منطق الواقع اليومي المألوف لذا سوف نعدل صيغة السؤال‏,‏ تري هل هذا المطلب اختراع لواقع افتراضي من قبل هذا الصديق‏,‏ كناية عن رغبة ذاتية تتصل بخصائصه وظروفه‏,‏ حتي أصبحت هذه الرغبة بالنسبة اليه معتقدا يستند الي حالات لا تخضع لضوابط وحسابات الواقع والعقل بالضرورة؟ أيا ما كان المأزق‏,‏ ومهما تكن مصادره‏,‏ فإن صاحبنا كان يعتقد أن صديقه قد اختلق حكاية صورة جده‏.‏

ربما لأن صاحبنا كان ينأي عن أن يتورط في خطاب الاتهام لصديقه‏,‏ أو أنه لا يرغب في استقراء الحكاية من جانبها التوثيقي‏,‏ أو لمجرد أنه ــ ببساطة ــ يكره زيارة المتاحف‏,‏ فقد قرر أن يتوسل بعذر ما‏,‏ يتنصل به من القيام بهذه المهمة‏.‏ هكذا رسم خط الهروب بحذر المجرب‏,‏ وانتزع تلك المهمة من وقته‏,‏ وراح يتجول ويتنقل منطلقا في شوارع مونتسير‏,‏ منغمسا في خط الهروب‏,‏ ذلك الذي اختلسه رفضا لأداء المهمة التي فرضها عليه صديقه‏,‏ كاستحواذ علي أيامه في تلك المدينة‏,‏ وتنحيته عن وجوده الذي اختاره فيها‏,‏ ومطالبته بملاحقة مجهول‏,‏ وهو ما يعد استبدادا به لعدم توافر القبول‏,‏ والرغبة لديه في البحث عن مجهول يتطلب الكشف ببذل الجهد بخطوات اجرائية‏,‏ في حين أن الفرضية الأولي لهذا المجهول لم تجد لديه قبولا‏,‏ إذ كان يعتقد أن صديقه قد اختلق له هذه المهمة‏,‏ وهو سبب تملصه المسبق والمضمر‏.‏
فجأة انهمرت الأمطار علي صاحبنا‏,‏ وهو يتمشي في شوارع المدينة‏,‏ فأوقفت ومنعت وحدت من حريته وانطلاقه في الشوارع‏.‏ وعلي الفور التجأ الي مكان يلتمس فيه الوقاية‏,‏ ويتواري من زخات المطر‏,‏ فإذ به يكتشف أن المكان الذي راح يلوذ بامتداد فضائه هربا حتي تستكين زخات المطر‏,‏ إن هو إلا مدخل المتحف الذي كلفه صديقه بزيارته‏,‏ والبحث فيه عن صورة جده‏,‏ وفي برهة خاطفة‏,‏ تخلقت أمامه القفزة الصدفة التي طغت علي سباق الأحداث الذي تصوره ونفذه‏,‏ صحيح أن القفزة الصدفة في الواقع المألوف وفي الأحداث تكسر التسلسل‏,‏ أي تكسر طمأنينة حس التعاقب والتتالي علي محور الزمن والممكن‏,‏ لكن ذلك الأمر هنا لا يهم‏,‏ بل المهم ما ينفجر تحت موجاتها العارمة‏,‏ وما تكشف عنه في عالمنا من أمور مستترة‏,‏ لذلك فان الحضور الفجائي للمتحف‏,‏ بهذه الانعطافة والتصاق المسافة‏,‏ ألغي فكرة التهرب‏,‏ وأي احتيال قد يحاوله‏,‏ وبدا صاحبنا واقعا في قبضة قدرية ما‏,‏ وكأن الادانة تفضحه أمام صديقه‏,‏ وتأتيه في العلن وتواجهه‏,‏ وهو يجهل شهودها‏.‏ ومع نيته وقصده وارادته المسبقة برفض المهمة التي كلفه بها الصديق‏,‏ فإذ بــالقفزة الصدفة تربكه‏,‏ وتكتسح حتي منطقه‏,‏ الذي يعتمد علي أن صديقه قد اختلق حكاية صورة الجد‏,‏ بل تدفعه أيضا الي تغيير السياق‏,‏ والاختيار الاضطراري بقصدية واحدة‏,‏ هي دخول المتحف‏.‏

كيف ينبغي إذن أن نفهم الفعل الذي وقع‏,‏ أي دخوله المتحف بهذه السلبية الصامتة‏,‏ دخولا غير مشفوع بشعور من المقاومة؟ لقد أقصي صاحبنا ارادته الرافضة تحت ادعاء بالقبول بالمهمة‏,‏ ثم التنصل بعد ذلك سرا من فعلها‏,‏ ففقد بذلك معني الأمان الشعوري‏,‏ الذي يمنحه قيمة التصالح بين الارادة المعلنة وواقعية ممارستها‏.‏ ولأنه في اطار ذلك لا يمتلك شعورا سليما معافي‏,‏ بل شعورا منشطرا بين متناقضين‏,‏ لذا فهو يخشي من كشف تهربه الذي حجبه وأعلن ما يناقضه‏.‏ وعندما وجد نفسه في مواجهة المتحف تمزقت وتساقطت وسائل الكذب وأقنعته أمام سلطة الشفافية‏.‏ وخوفا من فضح تهربه من المهمة‏,‏ سقط صاحبنا في كابوس‏,‏ وبدا المتحف وكأنه عتبة الفصل عن تهربه من القيام بالمهمة‏,‏ وأيضا عتبة الوصل بها‏,‏ إذ أفسح المتحف له ملتجأ لاستقباله فتشبث به‏,‏ وفي فضائه استبطن مشاعر صديقه‏,‏ فشحن برغبته وقواه التي ــ فجأة ــ اندرجت فيه‏,‏ فاستحالت صورة جد صديقه هي شاغله المسيطر‏,‏ وصار هو نفسه طيف صديقه‏,‏ أو معايشا له‏,‏ أو مؤديا لدوره‏,‏ أو أن طيف صديقه قد تلبسه‏.‏
في داخل المتحف أصبح صاحبنا سلسلة من الاستجابات وردود الأفعال للحظة الراهنة التي صنعتها القفزة الصدفة‏,‏ إذ بدخوله المتحف انحسرت ذاته وذابت‏,‏ وفقد هويته‏,‏ ولم يعد فردا‏,‏ بل مسكونا بدور معلن‏,‏ والدور المسند إليه هو البحث عن صورة الجد‏.‏ من هنا بدت الدائرة كاملة ومغلقة‏,‏ ومن العسير أن يخطو خارجها خطوة واحدة‏.‏ والوصفة السحرية أو التعويذة التي توحي بالتكيف مع ما أصبح عليه صاحبنا‏,‏ هي أن يكتشف وجود صورة الجد معلقة‏,‏ وهذا ما حدث‏.‏

ونعاود التساؤل‏:‏ تري من الذي وجد الصورة واكتشفها‏,‏ هل صاحبنا‏,‏ أو طيف صديقه الذي يتلبسه؟ ويظل التساؤل مشروعا‏,‏ حتي عندما يسأل صاحبنا ــ أو طيف صديقه الذي يتلبسه ــ مدير المتحف عن إمكانية أن يشتري صورة الجد‏.‏ لكن الصورة ما إن تظهر حتي تنفي‏,‏ إذ ينكر مدير المتحف وجود هذه الصورة أصلا بالمتحف‏,‏ عندئذ تكاد تكتمل للسؤال إجابته‏,‏ إلا أننا نقترب من حدود الغموض عندما تتسع الفجوة بين الظهور والانكار‏,‏ ففور أن يرشد صاحبنا ــ أو من يتلبسه ــ مدير المتحف عن مكانها‏,‏ نقع تحت دهشة لا تصدق‏,‏ حيث يجاهر المدير علنا أن البيع أمر يستعصي علي الاتمام‏,‏ بل هو المستحيل بعينه‏,‏ وذلك لأن الصورة غير مسجلة لديه في دفاتره‏.‏ ونعود الي التساؤل‏:‏ من الذي وجد الصورة ــ إذن ــ واكتشفها؟ لو أنه كان صاحبنا لرفع ذلك عنه الحرج أمام صديقه في عدم حصوله علي الصورة ابتياعا‏,‏ بسبب حضور العارض الذي يعوق أداء دوره في شرائها‏,‏ كما يستوي الأمر أيضا‏,‏ حتي لو كان من وجدها هو طيف صديقه الذي يتلبسه‏,‏ لأن العارض يجسد معضلة محيرة‏,‏ إذ يظل ويبقي الموقف المزدوج للصورة بين الظهور والانكار‏.‏ بين الحجب والتجلي‏,‏ وهما وجهان لعملة واحدة هي غياب الحقيقة‏,‏ أو غياب الحسم بوجودها‏,‏ الذي يرغم ويكره الصورة أن تظهر وتوجد مجسدة في الواقع بكيفية محددة‏,‏ وعكس ذلك يعني اختفاءها وإنكارها‏,‏ لكن لا شك أن طمس الحقيقة لا يعني انهيار اليقين بها‏.‏

يصطحب مدير المتحف صاحبنا الي مكتبه عبر القاعات الرحبة المتعددة‏,‏ لكن سرعان ما يفقد صاحبنا رفقة المدير‏,‏ فيواصل التجوال في الأروقة العجيبة‏,‏ ورنين القلق يتوازي مع تجواله‏,‏ حتي يصل أخيرا الي باب يظن أنه باب النجاة‏,‏ فيدلف اليه ملقيا حمولة القلق‏,‏ فإذ به يكتشف أنه دخل حدود روسيا ــ مرة اخري نواجه التصورات التي تخرق الواقع‏,‏ لكن ليس علينا أن نصدقها‏,‏ بل نتأمل ما تكشف عنه في نفوس بشر عالمنا المألوف اليومي ــ ان أول ما لاحظه صاحبنا‏,‏ انها ليست روسيا صباه‏,‏ بل روسيا السوفيتية‏,‏ والتي في راهنها يعد طريدا للعدالة‏,‏ ومطاردا وملاحقا من قبل السلطات‏.‏ حاول أن يخفي ويحجب كل إشارة تشي به‏,‏ سواء في ملابسه‏,‏ أو في وثائق سفره‏,‏ أو حتي في العملة الأجنبية التي يحملها‏.‏ وفي النهاية يمسك صاحبنا عن أن يحكي تفاصيل اعتقاله‏,‏ ثم كيفية هروبه‏,‏ لكنه يصرح‏:‏ يكفي القول بأن ذلك كلفني جهدا وصبرا‏,‏ مما لا يمكن تخيله للعودة من جديد الي الخارج‏,‏ وإنني منذ ذلك الحين آليت علي نفسي ألا أقوم بأية مهمة تلقي علي كاهل المرء نتيجة لجنون الآخرين‏.‏
تأسس وعي صاحبنا في النهاية مستندا الي المعاناة التي مر بها‏,‏ فجاهر بضرورة القطيعة مع جنون الآخرين‏,‏ وهو مالا ننأي عنه ولا نتحرر منه إلا بارادة الاقتدار والمران في تعرف تلك المساحة الغامضة من ذاتنا‏,‏ بجهد الذات علي الذات‏,‏ وتأملها وتنميتها وامتحانها وكشف خباياها‏,‏ حتي نمتلك ذاتا فاعلة يلتصق بها سلوكنا‏,‏ فتمنح ممارسها ما يخصه وحده من السمات المتفردة‏.‏ عندئذ تصير الذات انتاج عينها وليست انتاج غيرها‏,‏ آمنة من أن تكون موزعة أو مضافة الي ذات أخري تخالطها فتخلخلها وتبعثرها‏,‏ وترغمها علي أن تعيش حياة ليست حياتها‏.‏

لقد وقع صاحبنا ضحية لأنه خاصم الشفافية‏,‏ وتكتم حقيقة مشاعره‏,‏ ولم يبح بما يعتقد‏,‏ وأيضا لأنه امتلك ذاتا هشة‏,‏ رخوة‏,‏ متخلعة‏,‏ متلعثمة‏,‏ وبلا أفق‏.‏ وتحت الضغط الفوري المهاجم غدت خواء‏.‏ لتمتليء بكل ما رفضته ومالم تقتنع به‏,‏ ذاتا انفلتت من مسئوليتها فقوضت معني اليقين‏,‏ وسمحت لصاحبها بأن يعايش حلما ليس حلمه‏,‏ فأصبح بمحض وهنه وانهزامه وعجزه‏,‏ضحية حلم شخص آخر كآلة عمياء‏,‏ إذ يسكنه ويستعمره حلم غيره‏,‏ فتجرعه كابوسا قامعا مهيمنا محاصرا مترصدا‏,‏ ملقيا به في طريق مسدودة هالكة‏.‏
قتل صاحبنا حريته مرتين‏:‏ فعندما اتخذ موقفا نفاقيا تجاه صديقه‏,‏ بالموافقة المعلنة علي القيام بالمهمة وهو عكس ما يضمره‏,‏ قتل بذلك حرية القول‏,‏ وقطع تواصل ذاته بين ما يعتقده وبين ما يصدره ويعلنه للناس‏.‏ ثم قتل حرية الفعل‏,‏ لحظة أن هاجمه الوجود الفعلي للمتحف‏,‏ فعلي الفور انهار حضوره الداخلي‏,‏ وارتد مذعنا باحثا عن الصورة‏,‏ فاقدا جسارة المواجهة‏,‏ كاشفا عن أن حرية رفضه للمهمة‏,‏ والتي أخفاها أيضا‏,‏ مغشوشة وعاطلة‏,‏ إذ سقطت لحظة المحاصرة‏.‏

إن إرادة الاقتدار التي تؤسس وتحفر لها قصة زيارة الي المتحف لكاتبها فلاديمير نابوكوف الروسي المولد‏,‏ الأمريكي الجنسية‏,‏ رهانها ذات غير قابلة للاستبدال أو غرس الأوهام‏.‏ الواقع أمامها دائما قيد الإدراك‏,‏ بوعي يتفادي الالتباسات‏,‏ يسعي الي التمايز في شروط البقاء‏,‏ يمارس الشحن الدائم لطاقة إعادة إنتاج الذات صانعة المممكنات‏,‏ ويرفض علاقات الاستتباع وسلطة الأوصياء‏.‏ فرهان المعني تجسده ارادة الاقتدار‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية