الكتاب

41825‏السنة 125-العدد2001يونيو11‏19 من ربيع الأول 1422 هـالأثنين

بل العشوائية هي في القرار‏!‏
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

لم أصدق ما تفوه به وزير الإسكان الدكتور محمد إبراهيم سليمان في رده علي غضب نواب الشعب دفاعا عن ذلك القرار المعيب الذي استصدره من مجلس الوزراء بنزع ملكية ما لا يقل عن‏1600‏ فدان من ملاكها الشرعيين في جزيرتي الوراق والدهب‏!‏ فلست أعتقد أن قبة مجلسنا النيابي قد شهدت مثل هذا القدر من المغالطات في حديث واحد منذ منشأ الحياة النيابية في البلاد‏,‏ كما قد يندر أن نجد قرارا واحدا قد جاء متعارضا مع هذا الكم من القوانين كقرار وزير الإسكان الذي قدمه لمجلس الوزراء مدعما بمعلومات خاطئة تدعي بأن هاتين الجزيرتين هما من طرح النهر ولم تظهرا إلي الوجود إلا بعد بناء السد العالي وأنهما من العشوائيات التي تسعي الوزارة لإعادة تخطيطها بعد أن أصبحت مأوي للمجرمين والبلطجية والخارجين علي القانون‏,‏ بينما العشوائية الوحيدة في الموضوع هي الطريقة التي صدر بها هذا القرار‏,‏ الذي أتمني أن يقوم رئيس مجلس الوزراء الدكتور عاطف عبيد بالرجوع عنه فورا‏.‏
فقد اندلعت نيران الغضب طوال فترة شهر حتي الآن بين سكان جزيرة الوراق وجزيرة الدهب الهادئتين منذ اكتشف سكانهما ومالكي أراضيهما بالمصادفة أن وزير الإسكان قد استصدر قرارا بنزع ملكية الجزيرتين لمصلحة بعض المستثمرين‏,‏ وذلك بهدف تقسيمهما وتحويلهما من أراض زراعية إلي مبان خرسانية‏,‏ وهكذا اندلعت مظاهرات الاحتجاج وعقدت اللقاءات الغاضبة مع محافظ الجيزة الذي صدر القرار في محافظته دون مشاركة منه بل حتي دون إخطار له‏,‏ ومع ممثلي مجلسي المحافظة المحلية والبلدية‏,‏ ومع أمانة الحزب الوطني بالجيزة ومع النواب ممثلي الجيزة بمجلس الشعب والذين فوجئوا جميعا بالقرار الذي يحمل رقم‏542‏ لسنة‏2001.‏

وردا علي هجوم أعضاء مجلس الشعب العنيف علي القرار والذي صدر في‏25‏ أبريل الماضي‏,‏ لم يسع السيد وزير الإسكان إلا الرد بكم مذهل من المغالطات التي تفي واحدة منها فقط في حديث لأي مسئول حتي يفقد علي الفور مصداقيته أمام الشعب‏,‏ فقد بدأ الوزير حديثه مدعيا أن الجزيرتين مملوكتين بالكامل للدولة وليس لأحد من ساكينهما سندا للملكية‏,‏ وقال إن الجزيرتين لم تظهرا في النيل إلا بعد بناء السد العالي كطرح نهر‏,‏ وهنا المغالطة الأولي‏,‏ فإذا كانت هذه الجزر مملوكة للدولة وليس لأحد من سكانها سندا بملكية فيها فلماذا استصدر الوزير قرارا بنزه ملكيتهما؟ لقد حول الوزير بقوله هذا جميع قاطني الجزيرتين إلي مغتصبين لأراضي الدولة التي طرحها النهر‏,‏ بينما هم في الواقع ملاك شرعيين بعقود ملكية رسمية موثقة‏,‏ وقد إطلعت بنفسي علي بعض عقود ملكية المواطنين بالجزيرتين فوجدت أن تاريخ ملكية بعض العائلات يعود إلي القرن الـ‏19‏ وبحوزتي سندات رسمية موثقة بالشهر العقاري منذ عشرات السنوات لأراضي ورثها الكثير من السكان عن أجداد أجدادهم عبر السنين‏,‏ بل إن بعض هذه العقود يعود تاريخها إلي بداية إنشاء إدارة الأملاك قبل أكثر من قرن كامل من الزمان‏,‏ ومن بين هذه العقود علي سبيل المثال عقد بفدان واحد بجزيرة الوراق ملك محمد حامد محمد يعود تاريخه إلي عام‏1880,‏ وعقد بملكية‏20‏ فدانا بنفس الجزيرة ملك الحاجة نعيمة عبدالمنعم زين ويعود تاريخ ملكيتها إلي عام‏1892,‏ وعقود ملكية مسجلة في جزيرة الدهب باسم ورقة بهية رضوان‏21‏ فدانا صادرة بحكم قضائي مسجل عام‏1932,‏ بالإضافة إلي عقود أخري مماثلة لكل من ورثة المستشار سيد سيد ابراهيم‏20‏ فدانا ومسعد سيد علي رمضان‏7‏ أفدنة وعزت عبدالهادي غانم فدانان وعبدالفتاح مدبولي وهو عضو مجلس شوري سابق‏15‏ فدانا والدكتور محمد عبدالقادر عطية الحاصل علي الدكتوراة في العلوم من الولايات المتحدة‏50‏ فدانا‏,‏ كما توجد أيضا ملكيات حديثة نسبيا تمت عن طريق الشراء الرسمي من الملاك لكل من الدكتور إبراهيم كامل أبوالعينين‏22‏ فدانا وسميع أنسي سويرس‏16‏ فدانا بجزيرة الوراق‏,‏ وفكري مكرم عبيد‏9.5‏ فدانا بجزيرة الدهب‏,‏ ولا أظن أن من بين هؤلاء مجرمين أو بلطجية أو خارجين علي القانون‏,‏ كما لا يوجد في أراض أي منهم أو حولها أي أثر لتلك العشوائيات التي برر بها الوزير قراره أمام نواب الشعب‏.‏

كذلك قال الوزير لنواب الشعب إن عدد السكان في جميع هذه الأراضي التي يطالب بنزع ملكيتها لا يتعدي‏7‏ آلاف مواطن‏,‏ بينما يعرف النواب الذين يمثلون هذه المنطقة أن عدد الأصوات الانتخابية التي تمثلها كل من الجزيرتين يحصي بعشرات الآلاف من بين السكان الذين يزيد عددهم علي‏75‏ ألفا‏,‏ كما قال سيادته أن هذه المناطق تمثل مصدرا للتلوث البيئي‏,‏ ولست أعرف كيف يمكن للأراضي الزراعية أن تلوث الجو‏!‏ لكن يبدو أن علينا من أجل الوصول إلي الحقيقة أن نذهب إلي عكس ما يقوله هذا الوزير علي طول الخط‏,‏ فإذا قال سيادته إن الجزيرتين هما طرح نهر وأنهما لم تنشآ إلا بعد بناء السد العالي فسنجد أن الحقيقة تقول بأنهما موجودتين منذ الأزل‏..‏ كما أن المقريزي ـ كما نبه أحد النواب بالمجلس ـ قد ذكر علي سبيل المثال جزيرة الوراق ذكرا واضحا في كتاباته‏,‏ كما سنجد الحقيقة تقول أيضا إن الذي حدث بعد بناء السد هو اختفاء الفيضان ومن ثم توقف ظاهرة طرح النهر‏,‏ واذا قال سيادته إن الجزيرتين مملوكتين للدولة‏,‏ فستجد أن الحقيقة تقول إن أملاك الدولة بهما لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من المساحة الإجمالية‏,‏ واذا قال سيادته إنهما مصدر تلوث فسنجد الحقيقة تقول إنهما تساعدان بالخضرة التي تفيضان بها علي تنقية الجو من التلوث الذي تعاني منه القاهرة والجيزة‏,‏ وخلف ذلك لن نجد في حديث الوزير الحاصل علي الدكتوراة‏!!‏ غير بعض ما يتفوه به المعلمين من المقاولين كقوله لنواب الشعب حانضرب تعظيم سلام للمجلس‏(!!)‏ وإحنا موش حانعمل إلا اللي يقول عليه المجلس‏(!!).‏

ثم نأتي بعد ذلك إلي القرار‏542‏ لسنة‏2001‏ الذي تقدم به السيد الوزير إلي مجلس الوزراء مدعما بمذكرة إيضاحية لا توضح شيئا بل تلتلئ بكلام إنشائي مرسل عن الواجهات الحضارية لمصر دون إقامة علاقة واضحة بين هذه الواجهات والاعتداء علي الملكية الخاصة لسكان الجزيرتين‏,‏ كما تقول المذكرة تهدف تنمية جزيرتي الوراق والدهب إلي ادماج برامج تنيمتهما مع الجهود التخطيطية والتنموية الجارية بإقليم القاهرة الكبري مع ملاحظة أن الجزيرتين تقعان في الجيزة وفقا لمخطط التنمية بعيد المدي‏,‏ دون تحديد لهذه البرامج وخطط التنمية والمخططات بعيدة المدي‏,‏ فهي كلمات من عينة تعظيم سلام للمجلس التي تفضل بها سيادة الوزير في حديثه البرلماني‏,‏ مع العلم بأن مصادرة أملاك‏65‏ ألف شخص بقرار لم يعرض علي مجلس الشعب وبزعم أنه لمنفعة عامة غير محددة انما يضرب الواجهة الحضارية لمصر في مقتل أمام جميع المستثمرين في العالم وفي ظل عهد يمثل فيه احترام الملكية الخاصة أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها سياسة البلاد‏,‏ وأنا أسميها مصادرة وليس نزع ملكية لأن نزع الملكية لا يكون إلا للمنفعة العامة والمنفعة العامة يجب أن ينص عليها في قرار نزع الملكية‏,‏ لكن ذلك لم يرد من قريب أو بعيد في ذلك القرار العشوائي الذي تقدم به السيد الوزير ـ الحريص علي الواجهة الحضارية لمصر ـ والسبب في ذلك أن المنفعة العامة معروفة ومنصوص عليها في القانون رقم‏10‏ لسنة‏1990‏ والذي يدعي الوزير أنه استند إليه في مشروع قراره وهي تتمثل في إقامة طريق مثلا أو كوبري أو مدرسة أو مشروع عام كمشاريع الصرف الصحي‏,‏ وهي جميعا لايمكن أن تحتاج إلي‏1600‏ فدان‏,‏ فما هو هذا المشروع الخاص بالمنفعة العامة الذي ينوي الوزير إقامته علي أراضي جزيرتي الدهب والوراق والذي لم ينص عليه في قراره حسب ما يقضي به قانون نزع الملكية للمنفعة العامة‏,‏ ثم لماذا لم يمتد القرار‏542‏ لنزع ملكية بعض الجزر الأخري القريبة من الجزيرتين مثل جزيرة الشعير التي يتساءل اللواء أحمد حسني أحد الملاك بجزيرة الوراق إن كانت الفيلا الفخيمة المقامة بها علي‏15‏ فدانا والتي تزين واجهتها لافتة رخامية تحمل اسم محمد إبراهيم سليمان هي من أملاك السيد الوزير أم أن ذلك تشابه في الأسماء؟ أم أن الواجهات الحضارية لمصر والخطط التنموية والجهنمية والتي هي بعيدة المدي لا يصل مداها إلي هذه الجزيرة القريبة من جزيرة الوراق؟‏!‏

ومن ناحية أخري لست أعرف كيف أن وزيرنا المقدام قد واتته الشجاعة علي القول لممثلي الشعب إن الجزيرتين هما من العشوائيات التي ينبغي إزالتها في الوقت الذي يقول في مذكرته الإيضاحية لمجلس الوزراء إنها تمتد إليهما التنمية الحضرية بعد ألا يناقض القرار نفسه بذلك؟‏!!‏ أما عن مناقضة القرار لترسانة كاملة من القوانين والقرارات الصادرة من قبل فأولا يجييء هذا القرار مناقضا لقرار عدم المساس بالأراضي الزراعية وعدم البناء فوقها وهو القرار الذي وصل إلي حد استصدار أمر عسكري عادت الحكومة فتراجعت عنه مكنفية بتنفيذ القرار بالوسائل القانونية‏,‏ وهو الأمر رقم‏1‏ لسنة‏1996‏ والذي أصدره كل من رئيسي مجلس الوزراء ونائب الحاكم العسكري العام‏,‏ والذي يحظر في مادته الثالثة إقامة أي مبان أو منشآت علي الأراضي الزراعية‏,‏ أو اتخاذ أي إجراءات بشأن تقسيمها لهذه الأغراض‏..‏ وحين يتحدث الوزير في قراره عن تنمية الجزيرتين فهل يقصد تفسيمهما لأغراض البناء أم أن وزارة الإسكان ستقوم بتنميتهما زراعيا؟‏!!‏ أليس في ذلك تناقضا مع قرار حظر البناء علي الأراضي الزراعية‏,‏ أم أن ذلك القرار خاص بالمواطنين وحدهم ولا يسري علي وزارة الإسكان‏,‏ وماذا عن عقوبة مخالف هذا القرار والتي تصل إلي حد السجن‏..‏ هل هي الأخري مخصصة للمواطنين وحدهم ـ والذين يضرب الوزير تعظيم سلام لنوابهم في مجلس الشعب ـ وليست للمسئولين؟‏..‏ وماذا عن قرار آخر أصدره رئيس مجلس الوزراء أيضا بعد ذلك بسنتين أي في عام‏1998‏ بتحويل جزر النيل إلي محميات طبيعية‏,‏ هل سمع وزير الإسكان بهذا القرار أم أن هذا القرار هو الآخر للمواطنين فقط ـ والذين يقول الوزير إنه لن يفعل إلا ما يقول عليه نوابهم بمجلس الشعب؟ لقد هللت وزارة البيئة لهذا القرار عند صدوره وأفاض مسئولوها في تحديد مزايا قرار رئيس مجلس الوزراء قائلين إن هذه الجزر بها‏92‏ نباتا بريا وأن هناك‏96‏ نوعا من الطيور النادرة تعيش فوق الجزيرتين‏,‏ وقد تم آنذاك إجراء حصر شامل لبعض الإشغالات في هذه الجزر حفاظا علي طابعها الزراعي‏,‏ الذي يريد وزير الإسكان الآن إلغاءه‏,‏ ألا تناقض الحكومة بذلك نفسها؟

تأتي بعد ذلك التناقضات التي انطوي عليها قرار الوزير مع التوجهات الأساسية للدولة‏,‏ فبالإضافة لتعديه علي مبدأ احترام الملكية الخاصة فإن هذا القرار جاء مناقضا لروح الديمقراطية التي نسعي جاهدين لترسيخها‏,‏ فهل يعقل أن يصدر مثل هذا القرار دون أن يخطر به المحافظ ولا المجلس المحلي ولا نواب المنطقة في مجلس الشعب‏,‏ وهل يعقل أن يصدر مثل هذا القرار دون أي مناقشة سواء في مجلس الشعب أو مع السكان أو في أجهزة الإعلام لبحث جدوي تلك المنفعة العامة المزعومة التي باسمها تم نزع ملكية هذه الأراضي الشاسعة والتي اتضح أنها في الحقيقة منفعة خاصة لن يستفيد منها إلا بعض المستثمرين الذين سال لعابهم أمام إمكانيات الجزيرتين بعد إقامة الطريق الدائري فوقهما‏,‏ فهكذا وصف الوزير في مذكرته الإيضاحية أراضي الجزيرتين حين قال‏:‏ إيمانا بإمكانيات الجزر التي لم تمتد إليها التنمية الحضرية بعد‏..‏ واللتين زادت أهميتهما بإنشاء الطريق الدائري المار بهما وهو ما دعا الوزير للإستيلاء عليهما ونزع ملكيتهما من ملاكهما الشرعيين‏.‏
لقد تعدي وزير الإسكان بهذا القرار العشوائي الجائر والمعيب علي اختصاصات وزارة الزراعة المعنية بالأراضي الزراعية والتي أصدرت قاون حظر البناء علي الأراضي الزراعية عام‏1973‏ وعلي وزارة البيئة المعنية بالمحافظة علي المحميات الطبيعية من أي اعتداء وعلي وزارة الري والموارد المائية‏,‏ التي تتبعها هذه الجزر‏,‏ وفق القانون‏64‏ لسنة‏1971‏ الخاص بالري والصرف الصحي والذي ينص علي أن ما بين شاطئي النيل وفروعه يتبع وزارة الري‏,‏ كما أنه في محاولاته اليائسة والبائسة أيضا لتبرير قراره العشوائي أمام مجلس الشعب نصب نفسه مسئولا عن الأمن العام فقال إنه بذلك يطارد البلطجية والخارجين علي القانون فتعدي بذلك علي اختصاص وزارة الداخلية أيضا‏,‏ وقد وضع وزير الإسكان الحكومة في موقف لا تحسد عليه أمام نواب الشعب مما اضطر رئيس مجلس الوزراء الدكتور عاطف عبيد للتذكير بالمبادئ الأساسية لسياسة الدولة في العهد الحالي‏,‏ حين وعد بأن أحدا من المواطنين لن يضار وأن الملكية الخاصة مصانة ومحترمة‏.‏

فماذا نقول عن وزير تتناقض سياساته مع التوجهات الأساسية للدولة‏,‏ ويقول غير الحقيقة لممثلي الشعب‏,‏ ويعتدي علي اختصاصات أربع وزارات أخري علي الأقل‏,‏ ويتخذ من العشوائية أسلوبا لوزارته؟‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية