|
رسالة باريس : د. أحمد يوسف |
 | | جاك شيراك |
من عجائب التاريخ أن لويس التاسع ملك فرنسا بعد أسره في دار ابن لقمان بالمنصورة في عام1250 فوجئ وهو في زنزانته ببعض قادة المماليك ـ وقد فرغوا لتوهم من قتل توران شاه آخر ملوك الأيوبيين والوريث الشرعي لعرش مصر ـ يعرضون عليه عرش مصر.. ويقول جوانفيل مرافق الملك وحافظ سره في مذكراته: إن الملك رد قائلا: أنا لا أحكم من يقتلون ملوكهم. ورغم أن فولتير في قاموسه الفلسفي ينفي هذه الواقعة, إلا أنها تكشف عن وجود خوف متأصل ومتجذر في أعماق الذاكرة الجماعية الفرنسية من اللعنة التي يجلبها قتل الملوك, وهو بالطبع يساعدنا علي فهم حساسية موضوع إعدام آخر سليل أسرة لويس التاسع نفسه وهو لويس السادس عشر بجزر رقبته بالمقصلة في الساحة المواجهة للمسلة المصرية الآن.
ويري علماء نفس ومراقبون أن الرئيس جاك شيراك قد استشعر حساسية الموضوع يوم تلقيه أمر القاضي إريك آلفن الذي يستدعيه فيه للشهادة في قضية الفساد الشهيرة المعروفة باسم قضية الوظائف الوهمية ببلدية باريس والتمويل غير المشروع لحزب التجمع الديجولي, وهي القضية التي سنعود لتفاصيلها بعد قليل. وأن الرئيس طلب من مساعديه تشكيل لجنة خاصة من خبراء دستوريين ومحامين وخبراء إعلام وخبراء قياس الرأي العام, لبحث كيفية التعاطي مع هذه المشكلة التي تهدد الرئيس في مرحلة يستعد فيها لخوض انتخابات رئاسية ثانية في مايو المقبل.
ثم اتخذ موضوع تورط الرئيس في هذه القضية أبعادا جديدة عندما ترك جان كلود ميري وهو أحد الممولين لحزب التجمع الديجولي كاسيت فيديو تم الكشف عنه بعد وفاته, ويعترف فيه بأن عمليات التمويل المشبوهة كانت تتم بعلم رئيس الحزب وعمدة باريس آنذاك الذي لم يكن سوي جاك شيراك. وتسارعت الأحداث بعد ذلك في اتجاهين: اتجاه التعايش الحساس بين شيراك ورئيس وزرائه ليونيل جوسبان من ناحية, واتجاه علاقة الرئيس ـ أي رئيس الدولة وليس جاك شيراك شخصيا ـ بالمؤسسات القضائية, وبروز موقف الرئيس من القانون من ناحية ثانية. وقبل الخوض في هذين الموضوعين لابد من العودة قليلا للوراء لمعرفة أصل القضية والتهم المنسوبة ـ بشكل غير مباشر حتي الآن ـ للرئيس جاك شيراك.
أمركة الانتخابات حتي أوائل السبعينيات كانت الديمقراطية الفرنسية مثلها مثل سائر الديمقراطيات العريقة في أوروبا, تعتمد في تمويلها علي اشتراكات أعضاء الحزب ومساعدات الدولة, وتقوم في تحركاتها السياسية علي الاتصال بالشعب في اللقاءات والندوات والنزول المباشر للقاء الناس في الأسواق, خصوصا. غير أن دخول التليفزيون في المعارك الانتخابية, والسحر الكبير الذي كانت تمارسه الانتخابات الأمريكية علي الأوروبيين تمويلا وابهارا واعتمادا علي الدعاية الفجة قبل اعتمادها علي الاحتكاك المباشر بالناس, جعل كثيرين في فرنسا يحلمون بدخول هذا النوع من الانتخابات أو لنقل ان هذا النوع من الانتخابات كان آتيا لا محالة إلي فرنسا وأوروبا وانه كان سيعبر الأطلنطي قسرا تحت وطأة انتشار طرائق الحياة الأمريكية. غير أن أمركة الانتخابات في فرنسا وأوروبا تحتاج إلي أموال باهظة لا تستطيع خزانة أي حزب توفيرها مهما وسعت قاعدته الشعبية, وفي غياب قانون منظم لحركة التعامل بين الأحزاب والشركات الصناعية العملاقة التي بدأت هي أيضا في الظهور, وبدت أنها في حاجة إلي غطاء سياسي لتوسيع ثروتها ليس فقط في فرنسا, بل في العالم.
ومن هنا أعطت هذه المصلحة المشتركة بين الشركات الصناعية والأحزاب السياسية أرضية مشتركة أو جسرا عبرت عليه مليارات الفرنكات في شكل عمولات ورشاوي وهدايا وأشكال أخري مختلفة, وراح الجميع يعبر هذا الجسر في الاتجاهين دون قانون أو رقيب, حتي جاءت سنوات الثمانينيات في عهد ميتران, وتظهر أول فضيحة, وهي المعروفة باسم أوروبا كارفور. وجرت هذه الفضيحة فضائح أخري جعلت الجمعية الوطنية الفرنسية تسرع بإصدار تشريعات جديدة تحد من العلاقة المشبوهة بين الأحزاب ورجال المال والأعمال, إلا أن هذه التشريعات لم تتضمن قانونا يمنح الغفران للذين تورطوا في هذه العمليات قبل صدور هذه القوانين. ومن هنا وفي ظل تنافس سياسي حاد بين اليمين واليسار في فرنسا في عهد فرانسوا ميتران, بدأ كل طرف يفتح للآخر الملفات القديمة للتعامل المشبوه مع رجال المال والأعمال, دون أن يدري الجميع أن النار ستحرق روما ونيرون معا, بل ستصل إلي منزل رئيس الجمهورية نفسه, وهو ما حدث مع الرئيس جاك شيراك الذي وجد نفسه ذات يوم علي رأس حزب كبير هو حزب التجمع الديجولي, وعلي رأس مدينة كبيرة هي باريس, وهو ما جعل حركة المال تدور وتختلط بين خزانة الحزب تارة والمال العام بخزانة بلدية باريس تارة أخري, والموظفون في هذه الأخيرة يعملون في الحزب والعكس وهو السبب الأساسي في مشكلة الرئيس جاك شيراك اليوم. ومن هنا نعود للنقطتين اللتين تحدثنا عنهما وهما أثر التعايش مع جوسبان علي هذه الأزمة وهو الوجه السياسي للقضية, ثم موقف الرئيس الدستوري وهو الوجه القانوني للأزمة وكلاهما يلتقي عند منعطف الانتخابات الرئاسية المقبلة.
التعايش والمواجهة يري مراقبون كثيرون في العاصمة الفرنسية أن متاعب الرئيس جاك شيراك كان من الممكن أن تتخذ طابعا أكثر هدوءا وغير سياسي بالمرة, لو لم يكن الرئيس يمر بحالة التعايش السياسي مع رئيس وزراء مختلف عنه سياسيا وفكريا واجتماعيا بل وعقائديا, فالاحتكاك اليومي في الجهاز التنفيذي الفرنسي بين قطبين متنافسين ليس فقط في الانتخابات الرئاسية المقبلة بل في كسب تأييد وود الرأي العام كل يوم, واظهار العضلات السياسية للخصم كل يوم والتلويح بأسلحة تخيف الخصم كل يوم, وهو ما جعل التعايش بين الرجلين يأخذ في الأسابيع الأخيرة وخصوصا بعد الانتخابات المحلية الأخيرة, طابعا مريرا وحادا كلما قصرت المسافة من التعايش الحالي إلي موعد الانتخابات الرئاسية, غير أن الذي سكب الزيت علي النار هو بروز نائب شاب في الجمعية الوطنية الفرنسية اسمه أرنو مونتبورج وهو اشتراكي ويحاول جمع توقيعات58 عضوا بالجمعية الوطنية, وهي النسبة التي يقرها الدستور حتي يمكن للجمعية الوطنية ثم مجلس الشيوخ تشكيل محكمة عليا من بعض القضاة والقانونيين الدستوريين والشخصيات العامة لمحاكمة رئيس الجمهورية. وقد فجر أرنو مونتبورج قنبلته قبل عدة أيام عندما نشر في صحيفة لوموند أسماء31 نائبا وافقوا علي التوقيع علي عريضة اتهام لرئيس الجمهورية وعندما وزع علي أعضاء الجمعية الوطنية كراسة خاصة تتضمن حيثيات الاتهامات الموجهة للرئيس, والتي تقتضي تشكيل المحكمة العليا بناء عليها. وبينما راح أرنو مونتبورج يواصل حملته لجمع التوقيعات وإكمال قائمة الـ58 عضوا التي هو في حاجة إليها, ثارت ثائرة قصر الاليزيه وأعلن مقربون من الرئيس شيراك أن جوسبان هو الذي يقف خلف مونتبورج ويحركه كما يحرك لاعب الأراجوز عرائسه.
ورغم نفي الحزب الاشتراكي لهذه الاتهامات, بل ورغم انتقاد جوسبان نفسه لمحاولة أرنو مونتبورج زعزعة الرئيس, فإن الرئيس شيراك والمعارضة معه قد نجحت إلي حد كبير في إحراج رئيس الوزراء عن طريق إيهام الناس بأنه حتي لو لم يكن جوسبان هو محرك أرنو مونتبورج فإنه بإمكانه إسكاته وحث النواب علي عدم التوقيع علي عريضة اتهام شيراك. وقد دفع هذا الموقف رئيس الوزراء والحزب الاشتراكي إلي الالتفاف حول شيراك ومونتبورج معا, وذلك بتقديم مشروع بتعديل الدستور يسمح للقضاء العادي بمحاكمة رئيس الجمهورية في أثناء تأدية وظيفته علي جرائم ارتكبها قبل توليه الرئاسة, وهو القانون الذي يناقش اليوم في الجمعية الوطنية. ومعني هذا أن القانون اذا تم تبنيه وتم تعديل الدستور فسيكون جاك شيراك في حال إعادة انتخابه رئيسا للجمهورية أول رئيس جمهورية يقدم للمحاكمة في تاريخ فرنسا, وبالتالي ستكون لهذه المحاكمة نتائج سياسية بعيدة المدي وأشد قسوة من إراقة دم الملك لويس السادس عشر تحت سكين المقصلة.
انقلاب السحر علي الساحر أما فيما يخص الشكل القانوني للأزمة وهو هل يجوز محاكمة رئيس الجمهورية أمام قضاء استثنائي حسب ما يريد مونتبورج, أو قضاء عادي حسب ما يريد الحزب الاشتراكي؟ وهل يمكن لرئيس الجمهورية أن يواصل أداء مهام منصبه اذا ما حكمت المحكمة عليه حكما ما؟
يقول المؤيدون لمبدأ المحاكمة أن شيراك نفسه قال إنه يتعرض يوميا للاتهامات دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه بحكم هيبة منصبه فها هي الفرصة أمامه الآن للدفاع عن نفسه. ويقول الرافضون لها ان محاكمة الرئيس تعني نهاية الجمهورية الخامسة التي وضع أسسها الزعيم الراحل شارل ديجول, كما أن المحاكمة ستهز مكانة فرنسا في أوروبا والعالم, ويعطون مثالا علي ذلك بفضيحة بيل كلينتون ومونيكا لونيسكي قائلين إن العالم علي مدي عامين احتقر الديمقراطية الأمريكية التي وصلت إلي مستوي الكشف عن أدق أسرار الرئيس الجنسية.
وبينما تهتز فرنسا بفعل هذا الجدل حول إمكان محاكمة رئيس الجمهورية وفرنسا علي بعد أشهر من الانتخابات الرئاسية, يبدو الرئيس شيراك واثقا من نفسه مبتسما لخصومه ومعارضيه سعيدا بارتفاع شعبيته كلما ارتفعت نبرة الهجوم عليه. ويري المراقبون أن الفوز الساحق لليمين المعارض في الانتخابات البلدية السابقة رغم كل مشاكله وتمزقه كان بفضل مكانة الرئيس وجهود زوجته, وهو ما يعني أن السحر الذي يقوم به بعض السحرة في فرنسا الآن ضد الرئيس شيراك قد تكون له نتيجة عكسية, ويجعل الرأي العام يتعاطف مع الرئيس خاصة أنه حريص كل الحرص علي الحفاظ علي مكانة فرنسا في العالم, وصورتها في أوروبا, وحريص علي الاقتراب من الفرنسيين وهو ما يزيد من احتمالات انقلاب السحر علي الساحر, والسحرة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.. |
|
|
|
|
|