|
|
لم أشعر في أي مرحلة من حياتي بالإحباط الذي أشعر به الآن كعربي كاد أن يفقد هويته, فتحتي عندما كانت الدول العربية ترزح تحت نير الاستعمار كنا نشعر بعروبتنا, فقد كان كل منا يعرف بوضوح عدوه الحقيقي, وكان لنا قضية مركزية واضحة المعالم, وهدف سياسي واحد, وهو الحرية, والسيادة والعروبة, ويشاطرنا همومنا وآمالنا تلك أغلب أشقائنا في العروبة ذلك أنهم كانوا يشربون من نفس الكأس... من هنا كانت العروبة مبدأ وليست شعارا, وكانت حقيقة, ولم تكن وهما, وهدفا, وليست مجرد أمنية. أكثر من هذا فإنه رغما عن ضعف النظام العربي كتنظيم سياسي آنذاك, فإن الإدارة, والزعامات العربية جعلت كلمة العروبة مسموعة وقوية, فآصبحت القومية العربية شبحا يؤرق منام الدول العظمي بدءا من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي, ونزولا إلي دول الجوار وهي إسرائيل, وتركيا, وإيران, أكثر من هذا, فإن الشعور العربي كان دافقا وقويا, فعندما وقع أول اعتداء إسرائيلي علي مصر عام1956 ـ حتي, ولو كان قد تم في إطار ثلاثي ـ غلي الدم وهيج في الشرايين العربية, وثارت الادارة والضمير العربي بركانا يزلزل السماء, ولم تستطع الولايات المتحدة إلا أن تستسلم للواقع السياسي العربي فتوجه انذارها للدول المعتدية بوقف اطلاق الناروالانسحاب الفوري من الأراضي العربية, وأيده قرار مجلس الأمن الذي كان أول وآخر قرار يصدر بوقف اطلاق النار والانسحاب من الاراضي التي احتلتها إسرائيل, وأمكن تنفيذه منذ إنشاء دولة إسرائيل وإلي يومنا هذا.
ليس هذا فحسب بل أن العدوان الثلاثي قد اسقط فرنسا, وبريطانيا من جدول الدول العظمي, وسحب منهما اختصاصات السيطرة علي منطقة الخليج العربي, والمشرق العربي ـ وربما المغرب العربي كذلك... من هنا فإن من يتساءل عما إذا كانت العروبة حقيقة, وواقعا أم سرابا؟ فإنني أرد, وبكل الموضوعية, والصدق, وكشاهد علي هذه المرحلة التاريخية, بأن العروبة كانت مبدأ وضميرا, وواقعا, فقد بدأت جنينا في وجدان كل عربي, ثم أصبحت مولودا عاش علي أرض مصر, وسوريا قرابة السنوات الثلاث, ثم قتل, بل وئد أمام ناظرينا, وأحرق المغرضون جثمانه, ونثروا ترابه في الفضاء حتي تضيع كل آثاره, ثم شرعوا في محاربة الفكرة ذاتها بمنطق الفرعون الذي خشي علي ملكه من نبوءة فقرر أن يقتل كل ذكر يولد, فقد حارب المغرضون الهوية, والثقافة, والفكر, والارادة العربية, والعمل العربي المشترك بل, والترابط العربي في مستواه الحدي, ولم يبق لنا من العروبة إلا لغة الضاد لتكون شاهدا علي انه ذات يوم كان هناك مايسمي بالعروبة. وأرجو ألا يتصور البعض أني مفرط في التشاؤم, ذلك أن لغة السياسة لاتعرف البلاغة اللفظية التي نحن غارقون فيها كعرب, كما أنها لاتعترف بمفاهيم التفاؤل أو التشاؤم, ولاالتنظير الأكاديمي, والجدلية الفكرية بل بالمكاسب السياسية الفعلية, فلقد زينت البلاغة, والولع بالخطابة لنا أن نزركش قماش العروبة الذي بلي, بعبارات طنانة هروبا من واقع حي يقطع بأننا نلبس العروبة كفنا مزركشا بدل أن نداويها, ونقويها لتعيش صحيحة, ودعونا نتساءل بكل الوضوح والشفافية: أين نحن الآن كعرب؟
وأزعم أن أبسط مايمكن أن نصف به المشهد الذي نعيشه الآن هو أننا قد تحولنا إلي مجرد مشاهدين في مسرح أغريقي لمعركة تدور بين أسود ضارية, ومصارعين من أهالينا سيقوا إلي حلبة المصارعة, ولايحمل كل منهم في يده إلا مديه لا تحميه حتي من هجوم قط, فتعاطفنا مع أهالينا المتصارعين, دون أن نتمكن من أن مواجهة هذه الأسود, ولاحتي أن نحتج علي من أطلقوها, ولن أسترسل في الأمثلة لأتطرق إلي مايحدث في العراق علي سبيل المثال ـ وسلبت منه سيادته إلي أجل غير مسمي نتيجة لجرم ارتكبه رئيس جمهوريته فعوقب عليه كل الشعب العراقي بشدة, وضراوة, وبلا رحمة, وحكم علي هذا الشعب المقهور بأن يكفر عن هذا الجرم حتي مماته هو, وأبناؤه, وأحفاده من بعده بعقوبات غبية أطلق عليها من اخترعوها العقوبات الذكية.. ولكني سأركز علي مايحدث أمام أعيننا للشعب الفلسطيني المناضل, الذي حول الاستشهاد إلي سلاح لايمكن رده من الخصم, ففلسطين لديها الآلف من الطوربيدات البشرية التي تلقي بأرواحها رخيصة من أجل وطنهم المسلوب الغالي, فلا أحد ينكر أن ماتشهده فلسطين الآن هو قمة الاذلال, والتجبر, والغطرسة من المسئولين الإسرائيليين, الذين فرضوا الحصار العسكري, واللوجستي علي المدن الفلسطينية في الضفة الغربي, وقطاع غزة فحولوها إلي84 كانتونا مغلقا علي أهلها ـ يتساوي في ذلك صغار المواطنين, وكبار المسئولين ـ وقاموا بدك منازلهم, وقذفوا صدور العزل من السكان بطائرات أف16, ومروحيات الأباتشي, والمدفعية الثقيلة متعللين بأنهم يتبعون ماأسموه بأسلوب الردع الواقي من أطفال الحجارة.
ولسوف أسوق مثالا واحدا سأسميه قصة الكفاح مجد لأدلل به علي ماذكرت, فقد جاء المخاض ريفية فلسطينية من احدي قري فلسطين فتوجهت للقرية المجاورة حتي تلقي رعاية طبيبها, فمنعتها قوات الجيش الإسرائيلي بكل غطرسة من العبور, واشتد عليها المخاض فلم تستطع العودة إلي قريتها, فوضعت مولودها علي الحدود المحاصرة بين القريتين الفلسطينيتين, ورزقها الله بمولودة أنثي فأسمتها مجد لتترجم ماتعرض له هذا المولود, وهو مازال جنينا من الإسرائيليين, أكثر من هذا فإن حاملي الهويات من ذوي المكانة الخاصةVIP قد منعوا كذلك من مغادرة الأماكن التي تواجدوا فيها وقت فرض الحصار الإسرائيلي, كما أغلق مطار غزة, ومعبر رفح الموصل بين الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية, ومصر ليفرض الحصار الكامل علي كل سكان غزة, والضفة الغربية, بما فيهم قيادات السلطة الوطنية الفلسطينية. ولقد غصت خلال الأسبوعين الماضيين في العديد من اللقاءات, والندوات, ومحافل الرأي, وورش العمل لتقديم المبادرة المصرية ـ الأردنية, وما يسمي بتوصيات لجنة جورج ميتشيل ـ وهو عضو مجلس شيوخ سابق, ومحرر اتفاق الصلح بين ايرلندا الشمالية, والجنوبية أبان ولاية الرئيس كلينتون, فاختير ليصوغ اتفاقا مماثلا بين الفلسطينيين والإسرائيليين, ورغم قناعتي الذاتية بأن التعامل مع أي اتفاق مهما كان متقنا وهادفا في ظل الحكومة الراهنة في إسرائيل هو بمثابة حرب للهواء, فقد عكفت علي دراسة الورقتين, وتوصلت للنتائج المبدئية التالية:-
* أن فلسفة المبادرتين واحدة, فهما تعتمدان علي منهاجية واحدة, وهي وقف العنف كخطوة أولي لتهيئة المجال لفرض إجراءات بناء الثقة لتمهد لاستئناف المحادثات بهدف التوصل لتسوية سياسية للموقف. * أن المبادرة المصرية كانت أكثر تحديدا لوضعها إطارا زمنيا يتراوح بين ستة شهور إلي عام واحد, للتوصل إلي حل نهائي لمعالجة كل القضايا المطروحة علي أجندة الوضع النهائي, ومنها القدس, وقضية اللآجئين, والمستوطنات, والحدود, والمياه, وجميع المسائل السياسية, وفق قراري مجلس الأمن رقمي242, و338, أكثر من هذا فقد أدخلت المبادرة المصرية ـ الأردنية راعيي عملية السلام, والأمين العام للأمم المتحدة, والاتحاد الأوروبي, ومصر, والأردن كأطراف تضمن إلتزام أطراف التفاوض بصيغة المبادرة المقترحة, أما تقرير ميتشيل فقد حدد في ديباجته أن اللجنة لا تعتبر محكمة موكولا إليها تحديد المعتدي, كما, وأنه ليس من صلاحياتها اقتراح الحلول السياسية للمسائل العالقة, ومن ثم أصبحت التوصيات التي طرحتها مجرد اجتهادات, ميزتها أنها تعتبر رأمة واحدة لاتقبل التجزئة حسبما أوضح ميتشيل ذاته.
* اتفقت المبادرتان المصرية ــ الأردنية, وتقرير ميتشل علي وقف الاستيطان بكل أشكاله في مرحلة التفاوض, ورفع الحصار العسكري, والاقتصادي عن الأراضي الفلسطينية, وعودة الجيش الإسرائيلي إلي مواقعه قبل سبتمبر2000, والامتناع عن استخدام الأسلحة الثقيلة أو أسلوب القتل المتعمد من جانب الجيش الإسرائيلي. * كما اتفقت المبادرتان علي أن مراحل حل الأزمة يلزم أن تتم بالتوازي مع بعضها, وليست بالتتابع كما تريدها إسرائيل, فالمحادثات الأمنية يجب أن تتلازم مع المحادثات السياسية.
* أن تقديري أنه بعد التدخل الأمريكي لمنع إسرائيل من استخدام الطائرات أف16, والمروحيات الأباتشي لضرب أهداف مدنية, ورد الفعل السييء الذي أحدثه استخدام إسرائيل لهذا المستوي من التسليح ضد مناضلين عزل, فإن الفكر التكتيكي الإسرائيلي قد اتجه إلي استخدام أسلوب التطويق, والعزل اللوجستيكي, والحصار العسكري للمدن, وللسلطة الفلسطينية الحاكمة بهدف اضعاف النظام السياسي الفلسطيني الحاكم في الداخل واثارة حالة من الاهتزاز السياسي له بغية تطويعه أو اسقاطة, وقد لقي هذا السيناريو معارضة من البعض من منطلق انه ليس من مصلحة النظام الإسرائيلي أن يوجد حالة فراغ سياسي داخل أراضي السلطة الفلسطينية, حيث أن المرشح لملء هذا الفراغ سيكون القوي الفلسطينية المتطرفةو فضلا عن أنه لن يكون هناك قيادة قادرة علي توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل, وكان ردي علي ذلك أن استهداف إسرائيل لرموز السلطة الفلسطينية الحاكمة حاليا يستند إلي تقدير للموقف يستند للسعي لتعظيم الخلافات الداخلية في الشارع الفلسطيني, ودفعه للتركيز علي الداخل لاختيار القيادات الجديدة, استنادا إلي أن صيغة سلطة الحكم الذاتي باطاراته التي أفرزها تطبيق اتفاق أوسلو ستظل قائمة, وتحتاج إلي من يشغل مواقعها, علاوة علي ماتقدم فإنني مازلت أري أن شارون لايرغب ـ بل, ولايمكنه كذلك ـ أن يمارس أي دور فاعل في ظل الحكومة الراهنة للتوصل إلي حل سلمي يهدف إلي حل قضايا القدس, واللاجئين, والاستيطان, والحدود, وخلافها من المسائل الشائكة, وأن اقترب شارون من هذا المنحني سوف يعني بالقطع سحب الثقة منه, وسقوطه كقيادة ليكودية نظرا لتضاؤل شعبيته التي قدرت في آخر استفتاء للرأي بنسبة70%, وعليه فإن مهمة شارون في هذه المرحلة ستقوم علي كبت أية جهود سلمية من أي مصدر كان, وسيسعي إلي سيناريو التسويف حتي في إطار مقترحات ميتشيل ذاته.
* إن زيارة جورج تينيت رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لفلسطين, وإسرائيل, ومشاركته في المحادثات الأمنية لها مدلولها: فهي ليست المرة الأولي التي يتدخل فيها هذا الجهاز لتليين الموقف الأمني بين طرفي النزاع, فالجانب الفلسطيني كان يطمئن إلي هذا الجهاز في فترة حكم الرئيس كلينتون لأنه كان يعتبره أقل الأجهزة الرسمية خضوعا للسيطرة اليهودية, والصهيونية, فضلا عن أنها المرة الأولي التي تقبل فيها الإدارة الأمريكية الجديدة توسيط هذا الجهاز في الخلاف بين الفلسطينيين, والإسرائيليين, بما يعطي دلالة علي حرص ادارة الرئيس بوش علي القيام بدور إيجابي مرحلي لإيقاف العنف كهدف أساسي, مستفيدا في ذلك من شواهد ايجابية مطروحة منها إعلان الرئيس الفلسطيني وقف اطلاق النار ـ من المنطقة أ الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية ـ ومقتل20 إسرائيليا علي شاطئ الدولفين بتل أبيب, واصابة70 آخرين بواسطة لغم بشري فلسطيني, وامتثال إسرائيل بعدم التسرع بالرد لإفساح المجال للمحادثات الأمنية لاحتواء الموقف, الأمر الذي رأي الأمريكيون أنه يحمل عناصر ايجابية لتحريك الموقف الأمني لاحتواء ما أسموه بالعنف بهدف افساح المجال أمام المحادثات السياسية لتلعب دورها, إلا أن مستوي الوفد السياسي الذي يرأسه وليام بيرنز المبعوث الأمريكي, الذي لانعتقد أن من صلاحياته اتخاذ مبادرات أمريكية إيجابية لتحريك المحادثات, يرجح أن دور الولايات المتحدة في هذه المرحلة سيعتمد علي سيناريو المشاركة في التوصل إلي حل سياسي وليس الانفراد به.
* أن أملي وإيماني يرتكزان علي أن الرئيس المناضل ياسر عرفات لن يسمح لتقرير ميتشيل أن يلهب حروبا أهلية فلسطينية, كما وأنه لن يقبل كذلك بأن يصبح تقرير ميتشيل نصلا تقطع به الأحبال الصوتية للمناضلين الفلسطينيين الذين يستشهدون لتصبح أصواتهم مآذن وأجراس لحماية القدس الشريفة وانتفاضة الأقصي لحين استعادة الحق الفلسطين كاملا. |
|
|
|
|
|