قضايا و اراء

41825‏السنة 125-العدد2001يونيو11‏19 من ربيع الأول 1422 هـالأثنين

مشروع محطة الترجمان للنقل الإقليمي‏:‏ كيف؟
بقلم‏:‏ الدكتور محمد رياض
أستاذ الجغرافيا بآداب عين شمس

نشر في جريدة الأهرام بتاريخ‏20‏ مايو‏2001‏ خبر عن محطة القاهرة الكبري للنقل البري مفاده أن وزير قطاع الأعمال ومحافظ القاهرة وافقا علي مشروع الشركة القابضة للنقل البحري والبري لإنشاء محطة القاهرة الكبري للنقل البري الاقليمي بأرض الترجمان علي مساحة‏52‏ الف متر مربع‏(‏ نحو‏12‏ فدانا‏)‏ وتكلفة‏170‏ مليون جنيه لخدمة‏60‏ ألف راكب يوميا‏,‏ وجراج متعدد الطوابق وخدمات تجارية وترفيهية‏.‏
وقد سبق لي أن نشرت في صفحة قضايا وآراء بتاريخ‏3‏ أكتوبر الماضي أن مشروع الترجمان له بعض المحاسن والكثير من المثالب علي رأسها أن منطقة الترجمان ليست الموقع الأمثل لمحطة مركزية‏.‏ بل إنه ليس من المستحسن انشاء محطات مركزية أصلا‏.‏ فأرض الترجمان جزء من حي بولاق الذي يعرف الجميع أنه اليوم وغدا عبارة عن منطقة محاصرة بثلاثة شوارع هي الجلاء وبولاق‏(26‏ يوليو‏)‏ والكورنيش‏,‏ وكلها تتسم بحركات سيارات شديدة الكثافة لا تستطيع معها استيعاب الحركة المتوقعة لستين ألف راكب يوميا‏.‏

فلو افترضنا أن كل هؤلاء الركاب سيأتون أو يغادرون في اتوبيسات حمولة‏60‏ شخصا فمعني ذلك أن المحطة والشوارع التي تدخل إليها وتخرج منها سوف تتحمل حركة ألف اتوبيس يوميا‏.‏ ولو افترضنا أن المحطة ستعمل علي مدار عشرين ساعة يوميا فمعني ذلك حركة تقدر بخمسين أتوبيسا ضخما كل ساعة تستوعب نحو ثلاثة آلاف راكب أو اتوبيس كل دقيقة تقريبا يخرج أو يدخل المحطة‏.‏ هذا بالإضافة إلي عدد كبير من التاكسيات والسيارات الخاصة التي تنقل الركاب المغادرين والقادمين ـ بمعني نحو عدة مئات من السيارات في الساعة تدخل وتخرج من المحطة لنقل نحو نصف الركاب بينما النصف الآخر سنفترض أنه سيأتي أو يغادر المحطة بوسائل النقل العام من أوتوبيس القاهرة أو مترو الأنفاق عند محطة الاسعاف‏(‏ جمال عبد الناصر‏)‏ التي سينشأ لها نفق خاص للمشاة بطول نحو نصف كيلو متر‏,‏ يربطها بمحطة الترجمان المركزية كما هو واضح من المشروع‏.‏
والخلاصة أن خمسين أوتوبيسا ومئات التاكسي والملاكي سوف تتزاحم في شارع الجلاء أو بولاق أو الكورنيش أو مدخل السبتية كل ساعة علي مدار عشرين ساعة يوميا‏.‏ فهل هذه الشوارع قادرة علي استيعاب هذه الحركة الهائلة فضلا عن حركتها الكثيفة الحالية؟ فمعروف لدي الناس أن المرور في شارع الجلاء علي سبيل المثال‏,‏ قطعة من العذاب يمارسها كل من يسير فيه مضطرا‏,‏ لأن المرور في الجلاء اجباري في اتجاه واحد من رمسيس إلي عبد المنعم رياض‏.‏ فلا توجد بدائل للجلاء ورمسيس والكورنيش باعتبارها محاور طولية‏.‏ ويمثل شارع بولاق المحور العرضي الوحيد الذي يربط هذه المحاور الطويلة‏,‏ وربما يستكمل المشروع بتوسيع وفتح شارع السبتية إلي الكورنيش في منطقة قريبة من المركز التجاري العالمي‏.‏ صحيح سيكون لاستكمال وصلة كوبري‏6‏ اكتوبر العلوي بعض التسهيلات للحركة المتجهة إلي الزمالك والمهندسين‏,‏ لكن ذلك لا يشكل سوي نسبة محدودة من حركة المحاور الطولية‏.‏ فشارع الجلاء يشكل الطريق الاجباري لغالبية الحركة الآتية من أول شبرا المظلات وغالب الحركة القادمة من غمرة عبر شارع وميدان رمسيس في اتجاه ميدان عبد المنعم رياض ومن ثم ميدان التحرير والطرق التي يخدمها في وسط وجنوب البلد‏.‏ ولا تمثل الحركة في شارع الجلاء مجرد مرور عابر‏,‏ بل إن غالبها يقصد العمل أو التعامل مع جميع الأبنية العامة العامة التي يزخر بها هذا الشارع‏:‏ مجمع محاكم شمال القاهرة والشهر العقاري والنقابات المهنية والمستشفيات ودور الصحافة العملاقة وبعض المدارس والمعاهد الخ‏..‏ وقد شبهت يوما شارع الجلاء بنفق مفتوح يجري فوقه كوبري علوي وتحته نفق المترو‏!‏

وطريق الكورنيش أوفر حظا من الجلاء فالحركة فيه في اتجاهين لاتساعه النسبي لكن هناك الكثير من عنق زجاجة تتعثر فيها حركة السيارات من أهمها تقاطع بولاق وأمام التليفزيون ومنطقة الالتقاء مع عبد المنعم رياض‏,‏ ومناطق التزاحم عند ابراج البنوك ومركز التجارة العالمي وفندق كونراد ودار الكتب والوثائق‏.‏ أما شارع بولاق فحدث ولا حرج‏:‏ هو يخدم الكتلة السكنية الشعبية في عشش الشيخ علي والفرنساوي وبولاق‏.‏ هذا فضلا عن أنه المسار الوحيد الذي يجلب الحركة من الأوبرا ووسط البلد إلي الزمالك والمهندسين‏,‏ ومن ثم محور‏26‏ يوليو إلي طريق الاسكندرية الصحراوي‏.‏
علي اتوبيسات النقل الاقليمي أن تخرج الي هذا الحشر من السيارات‏.‏ فالمتجهة جنوبا إلي الجيزة والواحات والصعيد لابد لها أن تسلك شارع الجلاء الي عبد المنعم رياض وتتجه إلي الكورنيش المزدحم حتي كوبري المنيب ليعبر بعضها النيل الي الجيزة وما بعدها غربا إلي الواحات وجنوبا إلي الصعيد‏,‏ ويستمر البعض جنوبا إلي حلوان والصف وطريق الصعيد الشرقي حتي أسيوط‏.‏ والأتوبيسات المتجهة شمالا إلي الدلتا عليها أن تخرج إلي
الكورنيش بطريق بولاق أو مسار السبتية الذي يجب انشاؤه‏,‏ ومن ثم الي خضم شبرا الخيمة وبقية الدلتا‏.‏ أما أتوبيسات البحر الأحمر ومنطقة القناة وسيناء فعليها أن تتزاحم في شارع رمسيس الي العباسية ومدينة نصر حتي تصل الي الدائري في اتجاه القطامية والعين السخة او السويس او أوتوستراد الاسماعيلية‏.‏

ولاشك في أن الدخول أو الخروج داخل الكتلة السكنية للقاهرة الكبري التي تمتد قرابة‏70‏ كيلو مترا طولاوعرضا سوف يستغرق من الوقت الشيء الكثير ـ ساعة او تزيد قبل الانطلاق في الطرق الاقليمية‏.‏ علما بأن بعض الطرق الاقليمية شديد الكثافة المرورية كقطاع أوتوستراد الاسماعيلية حتي العاشر من رمضان‏,‏ أو قطاع الطريق الزراعي من شبرا الخيمة الي قليوب وقها وطوخ أو قطاع أوتوستراد حلوان حتي التبين‏,‏ أو قطاعات طرق الجيزة الي ميدان الرماية وغيره‏.‏
في دول كثيرة من العالم هناك حرص علي ألا تختلط خطوط الحركة الاقليمية بالحركة الكثيفة داخل الكتلة السكنية للمدن‏.‏ لهذا فهم يبنون محطات نهائية للخطوط الاقليمية علي مشارف الكتلة السكنية‏.‏ وقد كان هذا مبدأ معمولا به في القاهرة ومازال كذلك حتي الآن‏.‏ ففي امتداد رمسيس في مدينة نصر كانت هناك محطة لسيارات البحر لأحمر نقلت هي ومحطة الأتوبيس الصحراوي للاسكندرية والساحل الشمالي من ميدان الاسماعيلية في مصر الجديدة الي محطة معقولة الموقع في الماظة‏.‏ وكان موقف أحمد حلمي وراء باب الحديد نهاية خطوط الدلتا ثم نقل الي قرب مسطرد في شبرا الخيمة وأماكن اخري‏,‏ وكانت سيارات ليبيا تنتهي في العتبة ثم انتقلت الي قرب تقاطع شارعي الأزهر وبورسعيد‏,‏ ولا أدري أين صارت الآن‏.‏ ومواقف الجيزة تحولت الي أماكن متفرقة ربما كان أكبرها عند المنيب‏.‏ هذه أمثلة جيدة لتطبيق مبدأ انتشار المحطات النهائية خارج الكتلة السكنية بالقاهرة الكبري‏.‏

كما أنه تطبيقا لهذا المبدأ فإن هناك مخططات لنقل محطة سكة الحديد من موقعها الحالي وتقسيمها الي محطتين أولاهما محطة مركزية تخدم خطوط الشمال وتبني في مكان ما عند نهاية مترو الأنفاق في شبرا الخيمة‏,‏ والثانية تحويل محطة الجيزة الي محطة نهائية لخط الصعيد‏.‏ وهذه الأفكار تولدت من أن خط حديد الصعيد بين رمسيس والجيزة ـ وعمره قرابة قرن وثلث ـ أصبح غير ملائم لأنه يمر وسط الكتلة السكنية ويشكل عائقا كبيرا للحركة بين السبتية وشبرا‏,‏ وداخل امبابة المكدسة‏,‏ وبين العمران الحديث في المهندسين والدقي وبين القري التي تحولت توابع نصف حضرية لبندر الجيزة مثل بولاق الدكرور وما يستجد من أمثالها علي طول محور الطريق الدائري الغربي‏.‏
فإذا كنا نسير علي هذا النهج التطبيقي والمنطقي من حيث تفتيت المواقف المركزية الاقليمية لنتجنب الازدحام المروري حولها‏,‏ نجد مشروع محطة الترجمان يعكس الاتجاه‏180‏ درجة ويعود بنا الي مبدأ التجميع والتركيز دون مبرر كاف‏.‏ خاصة وأن موقع الترجمان الجغرافي ليس الأمثل لمركزية مفرطة‏.‏ حين كانت القاهرة صغيرة كانت العتبة المركز العصبي لشبكة ترام القاهرة‏,‏ وحين تضخمت القاهرة لم تعد العتبة كذلك‏.‏ بل من الصعب أن نجد ميدانا مركزيا لكل المدينة الآن‏.‏ فلماذا تكون لدي الأجهزة التنفيذية خطط متناقضة متعارضة‏:‏ واحد يروم الانتشار والاخر يتجه الي المركزية؟

كان الهدف من تنمية منطقة الترجممان بازالة العشش والمساكن غير الصحية هو اقامة حديقة عامة خاصة أن القاهرة تفتقر بشدة الي رئات من الخضرة تمتص الأتربة وتخفض الحرارة وتحسن مواصفات الجو وتحل البهجة الخضراء محل الدروب والأزقة‏.‏
فمنطقة بولاق بين الكورنيش والجلاء تحتاج هذا الاخضرار مقابل عماليق الأبنية علي واجهات كورنيش النيل وشارع الجلاء‏,‏ كم يحتاجها المرضي في مسشتفي السكة الحديدي ومستشفي الولادة‏.‏ وباختصار فإن تنمية المنطقة علي هذا النحو سترفع أسعار الأرض فتحل ابنية حديثة محل المتهالك العمراني القديم في المنطقة‏.‏ اعتقد أن المخططين والمكاتب الاستشارية والوزارات المعنية تعرف ما أعنيه‏..‏ وأكثر‏.‏ فلماذا هذا التراخي في مفهوم التنمية وتجديد الأحياء من أجل الصالح العام والترقي البيئي والحضاري؟

صحيح أن المشروع يشتمل علي جراج متعدد الطوابق وخدمات ترفيهية وتجارية مع احاطة المنطقة بحدائق وأشجار‏,‏ إلا أن ذلك سوف يرفع من تأثير عادم‏1675‏ سيارة هي السعة المخططة للجراج فضلا عن‏90‏ أتوبيسا للنقل الاقليمي‏.‏ وذلك بعكس التأثير البيئي الجيد الذي تصنعه حديقة عامة تصبح واحة ظليلة نقية الهواء علي مساحة نحو‏15‏ فدانا في هذه المنطقة المشحونة بالحركة والعوادم والتلوث السمعي‏.‏
أما من حيث ما يوفره المشروع من الخدمات التجارية والترفيهية فهو تحصيل حاصل‏.‏ ذلك أننا هنا داخل منطقة وسط البلد التي تمتليء بالمسارح والسينما والمحلات التجارية المتخصصة‏,‏ فضلا عن الأسواق الضخمة الحديثة علي الكورنيش‏.‏ وكان المستحسن تنمية الأسواق التقليدية في بولاق‏,‏ وبخاصة سوق وكالة البلح التقليدي الذي يقدم خدمات مختلفة نطيرها قليل في القاهرة‏.‏

وأخيرا فلا بأس من انشاء جراج متعدد الطوابق في المنطقة‏,‏ ولكن ذلك كان يجب أن يكون من أولويات خطط الأبنية والمؤسسات العامة والخاصة الكبيرة كالاهرام والأخبار والمحاكم والمستشفيات والنقابات المهنية‏.‏ وربما كان في منطقة القللي متسع لعمل جراجات متعددة لخدمة الحركة ما بين شبرا ورمسيس والجلاء‏,‏ علي أن تتحمل هذه المؤسسات نصيبا وافرا من تكلفة بناء مثل هذه الجراجات كخدمة عامة وخاصة لهم جميعا‏.‏ والغرض النهائي هو السعي من أجل قاهرة اكثر يسرا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية