|
تحقيق: وجيه الصقار |
 | جهاز G.P.S المتصل بالاقمار الصناعية لتحديد مواضع المبانى الاثرية |
دخلت عملية ترميم الآثار, مرحلة هائلة من التطوير باستخدام أجهزة الحاسب الآلي والكمبيوتر في تصفيف وتصنيف وتجديد الأثر بما لايخل بكل امكاناته الأثرية أو يقلل من أبعاده وتوزيعاته, بل يعطي وبدقة أكثر حياة جديدة للأثر اعتمادا علي المعلومات المتوافرة عن الأثر المتهدم أو حتي الذي تمت إزالته منذ سنين طويلة. الدكتور هشام حسين المهندس المعماري ومرمم الآثار يقول: إن المتعامل مع هذا الجانب بصفة أساسية لابد أن تتوافر لديه فنون وعناصر الحضارة المصرية خاصة في مجال المعمار وهو الوقت نفسه يجب أن يكون علي دراية كافية في استخدامات جهاز الكمبيوتر ووسائل التعامل معه توظيفه: وأن يدرك أيضا أن عناصر الآثار كانت في الأصل مقتنيات أو أملاكا شخصية ولكل منها طبيعته وظروفه الحضارية من حيث خامات الأثر وطبيعة المنطقة, لذلك فان الكمبيوتر لابد من تزويده بعلوم تخدم هذا الجانب من الكيمياء والطبيعة والجيولوجيا والبيولوجيا والعمارة والهندسة وميكانيكا الصخور وعلوم التربة والمياه وغيرها ليعطي تقييما حقيقيا في التعامل مع الأثر وأنسب وسائل لمعالجته, لان عمليات الترميم ليست مجرد عمليات اصلاح لما تلف من آثار بل لها أصولها وتقاليدها ومعاييرها المرتبطة أيضا بالخبرة الواسعة وخصائص النوعيات المختلفة من الآثار والتنوع حسب ظروف وجودها ومادتها وشكلها ومظهرها وسماتها الفنية ولأن الأثر ليس كيانا ماديا مجردا بل هو فكر وفن وحضارة.
وأضاف: أن الترميم يتمثل ايضا في اقامة المباني الأثرية المنهارة واستبدال الأجزاء المتآكلة بمواد حديثة تتماثل مع المواد الأثرية في التركيب والطبيعة والمظهر وهذا ما يحدده الكمبيوتر بعد تغذيته بكل المعلومات والعلوم المرتبطة بها, اضافة لتكملة الأجزاء الناقصة إذا كانت تدعم المبني أو تحمل أجزاء آيلة لسقوط الأسقف أو الاعتاب أو إبراز خصائص معمارية ذات دلالة معينة, وتتم عمليات الترميم بحيث لاتطمس أو تغير الطرز المعمارية الأثرية بحيث يسهل التفريق بين الاجزاء القديمة والاجزاء التي أقيمت حديثا بالمبني. ويضيف الدكتور هشام حسين المهندس المعماري الأثري أن الترميم الهندسي للأثر يتضمن بعد توافر معلومات الكمبيوتر, تدعيم وحقن وعزل الاساسات واقامة الحوائط المساندة والمانعة للانهيارات وصلب السقوف والاعتاب وحل المشكلات المترتبة علي مياه الرشح والنشع وغير ذلك من أعمال هندسية انشائية تضمن بقاء المباني وعدم اختلال توازنها, ويستوجب ذلك استخدام مواد تتلاءم في خواصها الطبيعية مع المواد الأثرية وبحيث لايترتب علي استخدامها أية اضرار جانبية في المستقبل, أما الترميم الدقيق فيشمل جميع الأعمال الخاصة بملء الشقوق والفجوات وحقن الشروخ وتثبيت القشور السطحية, وترميم وعلاج النقوش الجدارية والزخارف والحليات وتنظيف وتثبيت الألوان وتجميع وتقوية الكتل الحجرية واستخلاص الاملاح, وترميم جميع العناصر المعمارية المرتبطة بالنحت والنقش والتصوير.
علوم المناخ وقال: إن المستحدث في استخدامات الكمبيوتر في ترميم الآثار يشمل ايضا علوم المناخ والتلوث البيئي وظواهر التحلل البيولوجي بفروعها مثل الكائنات الدقيقة وعلم الحيوان, والحشرات الذي يبحث في مجالات القوارض والخفافيش والحشرات والكائنات الدقيقة الضارة بالأثر, وطرق مقاومتها, وفي نفس الوقت فإنه إلي جانب اعتماد الترميم علي علم صيانة الآثار فهو يعتمد أيضا علي فروع الفنون التطبيقية والجميلة مثل النحت والتصوير الزيتي والعمارة والهندسة المعمارية والديكور وغيرها. وحول طرق تسجيل المباني يقول المهندس والأثري عصام موسي: ان ذلك يتم بطرق وأساليب مختلفة للتسجيل والترميم والصيانة حسب اختلاف نوعية المباني, فهناك المباني التاريخية التي مازالت تؤدي وظيفتها الاصلية وتستعمل وفقا لمقتضيات العصر في أغراض أخري وهي ما اصطلح علي تسميتها بالمنازل الأثرية, وهناك مبان متعددة العهود, أو أن تكون اطلالا متناثرة هنا وهناك في المواقع الأثرية, حيث من الطبيعي أن تختلف أهداف ومباديء التسجيل والترميم والصيانة في كل هذه الحالات فتسجيل وتصوير المعالم الأثرية المصرية يتم بطريقة الفوتو جرامتري وحفظها بطريقة البيانات الرقمية واستنتاج الأبعاد الثلاثية منها, وهذه الطريقة الفوتوجرامتري طريقة فنية تسمح باعداد رسم مسطح وآخر بارز تمثل ثلاثية الابعاد لأية قطعة أو أثر مثل مسقط افقي أو قطاع رأسي أو واجهات أو تفصيل أي مبني أو قطعة من أي نوع من واقع معلومات الكمبيوتر الذي يتم تعذيته بصورتين مأخوذتين من زوايا مختلفة مما يعطي صورة توحي باهتزازها اصلا وهي في الحقيقة غير ذلك.
وأضاف: أن تطبيق هذه الطريقة علي الرسم الهندسي أو الرسومات الطوبوغرافية يتم بسرعة ودقة فائقتين في النتائج, وأنه باستخدام نظام تجميع وتسجيل بيانات الكتل البنائية بصفة عامة والأثرية بصفة خاصة واستخدام أنظمة المساحة التصويرية للأرض موضوع الأثر باستنباط المعلومات المترية الابعاد والأبعاد الوصفية التفاصيل اللازمة لانتاج واستخراج لوحات تفصيلية واجهات ـ قطاعات ـ مساقط افقية ـ العمق ـ البعد الثالث يتم باستخدام أزواج متداخلة من الصور بجهاز الحاسب الآلي. وكانت الأنظمة حتي عهد قريب تعتمد ولفترة طويلة علي الأجهزة المساحية التصويرية التقليدية التي تستخدمه مكونات ضوئية وميكانيكية ونتيجة ربط هذه الأجهزة بالحاسب الآلي اخيرا فان أجهزة المساحة التصويرية التحليلية سادت علي الأجهزة الميكانيكية والتي كانت تعتمد علي العامل البشري الذي كان يجلس لفترات طويلة في وضع ثابت مدففا بعينيه في العينة الميكروسكوبية لرؤية الصور المكونة واستخراج المعلومات مما يضيع كثيرا من الوقت, اضافة لعدم توافر الدقة المتناهية في معالجة الأثر خاصة أن العامل البشري لايتطور الا بالممارسة العملية الطويلة لاكتساب المهارات اللازمة للوصول لمرحلة شبه دقيقة. وأن الطريقة الجديدة أي المساحة التصويرية الرقمية هي تقنية معلوماتية لاستنباط المعلومات الهندسية والدرجات اللونية والمعلومات الوصفية الخاصة بمعالم المبني من الصور الرقمية الخاصة بها. كما تتضمن مدخلات البيانات مثل الصور الرقمية أو الفوتوغرافية.
وتقوم أجهزة المساحة التصويرية الرقمية باجراء بعض العمليات آليا والتي كان يتم اجراؤها بواسطة العامل البشري, وأن الرؤية المجسمة في الأجهزة الرقمية يمكن الاحساس بها لأي فرد حتي ولو كان غير متخصص ولكن عليه في هذه الحالة ارتداء نظارة خفيفة الوزن مع اختيار وضع مريح والنظر مباشرة الي شاشة الحاسب الآلي فيصل الي تحقيق أعلي معدلات الكفاءة والسرعة في النتائج مع انخفاض نسبة الخطأ الي اقصي حد, وتحتوي الأجهزة الملحقة بالكمبيوتر علي معدات الكترونية( هاردوير) وبرامج( سوفت وير) تقوم باداء مهام المساحة التصويرية بطريقة تفاعلية أو نصف آلية حيث يعد تجميع نماذج المباني الرقمية هو أحد الطرق الأكثر اقبالا في عمليات انتاج الرسوم واستنباط الابعاد الثلاثة بل إن مايجري في طرق مستحدثة تحديد موقع المبني أو الأثر باستخدام نظام الاستقبال من الأقمار الصناعية بالطرق العالمية الحديثة ثم يتم تحويلها للنظام المستحدث المحلي تمهيدا لاسقاطها علي الخرائط الخاصة بالدولة. كما يتميز هذا الاسلوب الجديد في الترميم بأن هذا النوع من الرسم يسمح بتتبع حركة المباني من سنة لأخري من الحركات والميل والهبوط بما يوفر للمهندس والمرمم الوقوف علي بيانات ثمينة للتقويات اللازمة والاخطار المهددة للمعالم الأثرية.
المنشآت الأثرية |
 | | احد الامثلة التطبيقية لاستخدام النماذج المجسمة فى المبانى الاثرية المندثرة |
ولعل أحدث وأول استخدامات للطريقة الجديدة ومن خلال استخدامات الكمبيوتر والتي تتم حاليا في المنشآت الأثرية لمسجد الرفاعي وقصر محمد علي ومسجد برسباي, تتمثل في أخذ المناظر حسب الزوايا المطلوبة وفي أحسن الظروف مما يتطلب اشخاصا علي دراية كافية بهذه الطريقة مع اعداد الرسم علي أساس الصور المزدوجة التي تبدو كما لو أنها مهزوزة, مما يتطلب ايضا أجهزة حاسب آلي خاصة ومتخصصين محترفين وفي الوقت نفسه فإن هذه الطريقة الفنية الجديدة تسمح إضافة لذلك بعمل مايسمي القوالب أو( موديلز) من واقع الصور الفوتوغرافية أو الرقمية المزدوجة, حيث ـ مثلا ـ يمكن عمل نموذج للوحة أثرية بالمقاس المرغوب وبكامل رسمها البارز وبالمادة المختارة من واقع الصور الفوتوغرافية لتلك اللوحة, وهذا يفيد افادة فائقة في حالات انقاذ أثر يستعاض فيها عن الاصل عند الحاجة علي أساس توفير صورتين فوتوغرافيتين عند الكشف عنه, وهذه الوسيلة تعتبر مثالية في حالة الكشف عن آثار حالتها سيئة. وتتميز الطريقة الجديدة ايضا بامكان التسجيل المجسم للمنشآت الأثرية والتاريخية, أي عمل نماذج دقيقة لها باستخدام التقنية الحديثة والتطبيقات العملية المستخلصة من عملية التسجيل ذلك لأن تلك النماذج بمثابة بعث للشعوب يبدأ بالوعي التاريخي بآثارها لأن التعرف علي التاريخ القومي ـ كما يقول الدكتور هشام حسين ـ هو بمثابة التعرف علي الذات الوطنية التي تسمح بفهم الماضي وتقويم الحاضر والتخطيط الواعي للمستقبل وايجاد رؤية قومية لدي المواطن, وتعطي هذه النماذج ايضا صورة أو هي مرآة عاكسة لتاريخ وحضارة ونمو الانسان لذا فإنها تعتبر وثيقة تاريخية تمدنا بالمعلومات المختلفة عن الماضي, وبالتالي يجب حفظها وتسجيلها بكل الوسائل المستحدثة. ويضيف مهندس الترميمات المصري أن من المزايا المطروحة في هذه التقنية ان العديد من المنشآت قد اندثرت بالفعل ولا وجود لها كأثر نتيجة عوامل طبيعية كالفيضانات أو عوامل صناعية مثلما حدث عند انشاء السد العالي بأسوان, وماتبع ذلك من اندثار ومحو لعدد كبير من المباني التاريخية بمنطقة النوبة, حيث لم يبق منها سوي مجموعة لوحات تم رفعها قبل غمر الأثر بمياه النيل واندثاره, فالنماذج الدقيقة لمثل هذه المعالم يمكن تشكيلها كأثر حي بالطريقة الجديدة وعرضه ومشاهدته وبالتالي يتم الابقاء عليها تاريخيا ولا يمكن نسيانها بمرور الزمن.
كما أن النماذج التي يمكن صنعها يمكنها ان تحافظ علي تاريخ وشكل مبان اثرية تعرضت لعوامل علي مدي عصور متتالية أثرت فيها حيث يمكن تسجيل الاضافات التي أجريت عليها حسب كل عصر وتوضيحه, إضافة الي ذلك فإن تلك النماذج يمكن أن تكون مصدرا مهما للدخل القومي إذا ماتم عرضها بأماكن السياحة والآثار وهي في الوقت نفسه دعاية مجسمة دقيقة مصنوعة بطريقة علمية خالصة ويمكن توزيعها أيضا بالمدارس والجامعات والمكتبات كنموذج للمتاحف ومحتوياتها لزيادة ثقافة الطلاب, وهي في الوقت نفسه يمكن ان تكون نموذجا للعمل الحرفي الذي يجذب الشباب من الفنيين واتاحة فرص عمل ذهبية لهم. وقال: إن النماذج المجسمة للمنشآت والمعالم الأثرية المصرية تشمل المعابد والمنشآت الفرعونية والمساجد والمنشآت الاسلامية, والكنائس والمنشآت القبطية, والمراكب القديمة التي كانت مستخدمة للعبادة أو التجارة أو الدفن والاحتفالات المختلفة وكذا المفردات التاريخية المعبرة عن تراثنا مثل حجر رشيد وعجلة رمسيس الحربية ولوحة نارمر وغيرها.
مدرسة حرفية وطالب المهندس المعماري عصام موسي بضرورة انشاء مدرسة حرفية مجهزة بأحدث الامكانات العلمية والتطبيقية من أبناء المعاهد والجامعات, واقامة ندوات ومؤتمرات حول ترميم الآثار وأهميتها, واتاحة الفرصة لتعاون الهيئات والشركات العاملة في مجال ترميم الآثار, وعمل برنامج عرض منتقل لنماذج الاثار المصرية في كل انحاء العالم لتحقيق دعاية كافية عنها وأعلي عائد سياحي, وإنشاء مراكز تمثل متاحف مصغرة داخل المباني التعليمية والعمل علي نشر واتاحة الفرص للجميع للإسهام في الحفاظ علي آثار مصر سواء من خلال وعي الافراد أو مشاركة رجال الأعمال. |
|
|
|
|