|
|
لم تنجح النخبة في مصر في تحقيق التوافق العام حول الأهداف الوطنية المستقبلية لمصر, ليس فقط بسبب كثرة الثوابت والخطوط الحمراء التي تضعها الطوائف والشرائح المختلفة المكونة لها, أو بسبب الاستبعاد المتعمد للكثير من القضايا العملية الحيوية من النقاش والحوار في المجتمع, وإنما أيضا لأن تراثا تكون في مصر منذ ثورة يوليو1952, وما زالت آثاثره باقية حتي الآن, يقوم علي أن توافق النخبة لا يتم إلا من خلال السلطة السياسية وبيروقراطيتها التي تقوم بهذه المهمة نيابة عن الجميع, وليس سرا أن الثورة عند قيامها كانت لديها شكوك قوية تجاه أركان النخبة وأعمدتها, فالأحزاب السياسية علاوة علي فسادها الذي يتطلب التطهير, كانت سببا في الانقسام الوطني, والساسة علي وجه العموم تقاسمهم الولاء للملك والانجليز, أما المثقفون فقد توزعوا بين تيارات فكرية بعضها غامض, وبعضها الآخر مستورد, وبعضهم الثالث كما في الصحافة لا يؤمن له ولا يوثق فيه. القصة بعد ذلك معروفة فقد تم تأميم النخبة بكاملها لمصلحة السلطة السياسية وبيروقراطيتها من خلال السيطرة علي الإعلام والصحافة والتنظيم السياسي الواحد, والهيمنة علي النقابات والاتحادات وجميع أجزاء المجتمع المدني, ومن استعصي علي الترويض من المثقفين والساسة كان نصيبه قدر غير قليل من القسوة والوحشية, كان التصور أن النخبة ليس مطلوبا منها التوافق حول برنامج وطني ـ وهو ما كان حادثا بالفعل حول الجلاء والدستور وإعادة السيطرة الوطنية علي قناة السويس والإصلاح الزراعي ـ وإنما التوحد مع إرادة الأمة, والتي جسدتها القيادة التي لقن الشعب طلائعها الثورية أسرار آماله الكبري, كما جاء في الميثاق الوطني بعد ذلك, ومادامت أن القيادة, أو الزعيم في الحقيقة قد تم تلقينه من جانب الشعب بالأسرار العظيمة للأمة, فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب, ولم يعد علي الجميع في السلطة وخارجها إلا التوحد وراء ما يقوله القائد الملهم الذي حدد الرؤية المتكاملة التي تشرح ما هو كائن, وتحدد ما هو مطلوب, وتفرز الأعداء والأصدقاء, وتقود الجميع إلي المستقبل المنشود للكفاية والعدل, أي المجتمع الذي يحقق الكفاءة الإنتاجية إلي الدرجة التي توفر السلع والخدمات للكل, وتوزعها مع السعادة بعد ذلك بالعدل والقسطاس.
ولا جدال أن كثيرا من ذلك قد انتهي الآن, فقد عادت الأحزاب مرة أخري, وباتت هناك أنواع مختلفة في الصحافة إلي جانب الصحافة القومية, ووجد المثقفون مساحات في أجهزة الإعلام الجماهيرية وغير الجماهيرية, ومن لم يجد ما يكفيه من المساحة ذهب إلي وسائل الإعلام العربية, واستعادت النقابات والجمعيات الأهلية الكثير من حيويتها. ومع ذلك فإن تراث يوليو القائم علي توحد النخبة في الإرادة السياسية للدولة لا زال باقيا ويفرض نفسه بقوة علي الساحة الفكرية والسياسية من خلال المنطق الذي يقوم عليه حيث يصير الكل في واحد, ومن خلال بيروقراطية الدولة التي تعززت مواقعها وتكاثرت أذرعتها علي عكس ما يعتقد الجميع. فقد اشتركت أدوات التنشئة السياسية في أجهزة الإعلام العامة والتربية والتعليم في العمل علي استقرار ذلك المفهوم القائم علي وجود إرادة عامة ينبغي أن ينصهر فيها الكل في سبيكة واحده, أما الاستقلال بالرأي, أو الانفراد بفكرة, فقد ظل النظر إليه بمثابة نوع من الانحراف غير المحمود,إن لم يكن ما هو أكثر, ورغم الجهود الكبري التي بذلت خلال الأعوام الأخيرة من أجل السماح بقدر أكبر من التعددية في هذه الأجهزة وفي البرامج الدراسية, فإنها لم تنغرس بعد لكي تصير قيمة عامة, ولا يزال الطابع الغالب عليها ينحو إلي وحدانية التوجه ووجهة النظر, بل وفي بعض الأحيان أن يبدو الرئيس مبارك وكأنه صورة أخري من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر برغم رفضه الصريح في أكثر من مناسبة كل ذلك, ولا يقل عن ذلك أهمية أن أجهزة الدولة الرسمية بدت في كل الأحوال وكأنها الممثل للإرادة العامة من خلال ما أكدته دوما علي الثوابت القومية التي لا تتعلق بالدستور والقانون في أغلب الأحوال وإنما ما تعلق منها بالهوية والذاتية.
وإذا كانت عناصر كثيرة من النخبة المصرية قد تبنت الكثير من الثوابت والسقوف الفكرية والخطوط الحمراء التي تتحدي النقاش وتمنع التوافق العام, فإن بيروقراطية الدولة تشعر منذ ثورة يوليو بأنها الحارس علي هذه الثوابت المسجلة باسمها, ولا يحق لأحد منافستها فيها, فهي الحارس علي الدين والدولة, وهي الأصالة والمعاصرة, وهي الحداثة والتقليد, وهي التعددية والوحدة, وهي الحرية والنظام وهي وحدها التي تملك تفسير ذلك كله حسب الحاجة والمنطق والظرف التاريخي, وشكل أو طبيعة المنافس السياسي. وجهة النظر هذه لا تقف علي فراغ, وإنما تستند إلي قوة اجتماعية هائلة التكوين يمثلها جهاز الدولة البيروقراطي, برغم كل التطورات التي حدثت في الاقتصاد المصري خلال السنوات العشر الأخيرة والتحول نحو القطاع الخاص واقتصاد السوق, فإن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن جهاز الدولة البيروقراطي استمر في التضخم, وفي الوقت الراهن فإن عدد العاملين في الدولة يصل إلي خمسة ملايين ومائتي ألف نسمة, بالإضافة إلي مليون يعملون في القطاع العام والهيئات الاقتصادية المختلفة, بمعني آخر, فإن نسبة تتراوح ما بين ربع وثلث القوة العاملة ـ حسب التعريف الخاص بالقوي العاملة ـ لا تزال تعمل لدي الدولة وتتلقي معاشها منها, ومن المدهش أن ذات النسبة تقريبا كانت موجودة عند انتهاء الحقبة الناصرية وعند وفاة الرئيس السادات, برغم كل شيء فقد حافظت ثورة يوليو علي أساسها الاجتماعي والسياسي باستمرارية مذهلة.
وإذا أضفت إلي ذلك فكر هذا الأساس القائم علي تعبيره عن الإرادة العامة المشار لها سابقا, فلن يكون مدهشا بالمرة أن نجد أفكار التعددية والتوافق بين النخبة ليس لها صدي كبير لدي البيرواطية التي تعرف كيف تفتح الأبواب والنوافذ وتغلقها في ذات الوقت. وهي تستطيع أن تسمتع حتي نهاية التاريخ عن ضرورة الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي, ولكنها تعرف تماما كيف تقطع قدمه إذا ما جاء علي الأبواب, وهي من الممكن أن تستمع من أعلي المستويات في الدولة عن ضرورة الاستثمار الأجنبي بالنسبة لايجاد فرص عمل جيديد, ولكنها في ذات الوقت تعرف كيف تجعله محاطا بالشكوك الوطنية طوال الوقت حتي إذا خرج عن الطوق, أو لم يستجب للتعليمات فإنه يمكن الإلقاء به إلي خارج البلاد عند أول فرصة. وبمقدور البيروقراطية أن توقع مع الاتحاد الأوروبي اتفاقية للمشاركة تتعلق بالأوضاع الاجتماعية والسياسية في مصر, وتعقد اتفاقيات مع عشرات المنظمات الدولية غير الحكومية لكي تفتح مكاتبها في القاهرة, ولكنها سوف تجعل أي اقتراب منها تجاه المجتمع المدني نوعا من الغزو الأجنبي.
وليس معني ذلك أن البيروقراطية مع الانغلاق ضد الانفتاح أو مع العزلة ضد الاندماج أو مع الخصوصية ضد العولمة, ولكن الأهم أن تتم كل هذه المتناقضات من خلالها: الداخلي والخارجي, والاستثمار الأجنبي والمحلي, وفي كل الأحوال, فإنه لا ينبغي لأحد أن يكبر علي جهاز الدولة الممثل لإرادة الأمة, فإذا خرجت شركة عن الطوق وكبرت قليلا ذاع فورا أنها تسعي إلي الاحتكار الأثيم علي أساس أن احتكارات البيروقراطية حميدة دائما, وإذا برز مثقف أو حزب أو مؤسسة فإن هواجس كبري سوف تتردد فورا وترتب عودة كل المؤسسات إلي أحجامها الطبيعية التي تقف فيها علي بعد السماء السابعة من الجهاز الإداري للدولة. معني ذلك أن تراث يوليو برغم كل التغييرات خلال العقدين الماضيين لا يزال قويا ومؤثرا, وعندما توجد قوة بهذا الحجم والتأثير داخل النخبة, فإن بقية أركانها إما أنها تركن إلي السلامة وتنتظر دوما الإشارة, أو أنها تلجأ إلي التقية الفكرية والسياسية, أو أنها تعيد تفسير أفكار البيروقراطية وفق هواها. وسواء كانت الأمر هذا أو ذاك, وفي كل الأحوال, فإن ذلك ليس توافقا للنخبة وإنما هو توحد بالقسر الفكري يتماشي تماما مع نفس الطريقة التي تستخدمها بقية النخبة تجاه بعضها البعض, والنتيجة ليس فقط غياب التعددية الحقيقية, وإنما أيضا غياب الرؤية المشتركة التي يمكن تعبئة الوطن حولها من أجل تحقيق التقدم والمكانة.. ولا يزال للحديث بقية. |
|
|
|
|
|