قضايا و اراء

41797‏السنة 125-العدد2001مايو14‏20 صفر 1422 هـالأثنين

الأبناء وجاه الآباء
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

كان أبي وزيرا لوزارة الشئون الاجتماعية عام‏1941‏ وكان عمري آنذاك أربعة عشر عاما وكنت في هذه السن الباكرة أتوق إلي الكتابة في أي مجلة وأري اسمي منشورا‏.‏ وكان لوزارة الشئون مجلة تصدر باسمها وأراد واحد من العاملين في هذه المجلة ان يتقرب لي ظنا منه أنه بهذا يتقرب إلي أبي وما أسرع ماتبين أنه اخطأ الطريق‏.‏ قال هذا المتزلف إني علي استعداد ان انشر لك ماتشاء في المجلة ولا اطلب منك إلا ان توقع ما تكتب باسم ثروت دسوقي أباظة‏.‏ ولم افرح كثيرا بهذا العرض ولكنني قلت ما علي المحاول من سبيل‏.‏ وبينما أنا جالس إلي أبي رويت له ماقاله لي الموظف وقال رحمه الله بما يتمتع من ذكاء السياسي المحنك‏.‏
ــ فإذا فعلت أتكون سعيدا‏.‏ هل اسمك ثروت دسوقي أباظة أم محمد ثروت أباظة‏.‏ ايرضيك ان تنشر شيئا بغير اسمك‏.‏
وانتهي الأمر عند هذا إلي غير رجعة‏.‏

ومرت سنون وجاء إلي زيارة أبي رجل كان مقربا منه كل القرب وكان يعمل بتجارة الأقطان‏.‏ وجلس الرجل بالحجرة أبي منتظرا ان ينزل من الدور الأعلي لبيتنا ورأيت ان اجالسه وكنت حينذاك طالبا بكلية الحقوق ومضي بنا الحديث في شتي شجونه وإذا بالرجل يعرض علي أن أشاركه في تجارة القطن ولم أجد ــ في جهالة الشباب الباكر ــ مانعا من هذه المشاركة بل أني ذهبت ــ ولم أنتظر حتي ينزل أبي ــ بل سارعت إليه في غرفته ونقلت إليه في بهجة ما قاله لي التاجر وفوجئت بأبي صامتا لايعلق علي حديثي بشيء ونزلت معه إلي حيث يجلس التاجر وفوجئت بأبي يثور ثورة عارمة‏.‏
ــ أتعرض علي ثروت أن يشاركك في تجارة القطن طبعا ثروت لايعرف شيئا في هذه التجارة وإنما أنت تريد ان تنتفع في تجارتك باسمي أنا وتلك رشوة دنيئة خسيسة ولولا أنك في بيتيلطردتك وأمرتك ألا تعود إلي زيارتي أبدا‏.‏

واستولي علي الرجل خزي مبيد وراح يترضي أبي ويعتذر إليه وقال له أبي‏:‏
ــ إن ماعرضته قد يقبل إذا لم تكن تعرفني منذ زمن بعيد وتعرف خلقي ومبدئي في الحياة ولهذا فإني لا أغتفر لك هذه الزلة أبدا‏.‏

وأصر الرجل ألا يبارح إلا بعد أن كرر الاعتذار والأسف ثم مضي لطيته‏.‏
وتمر السنون وأتخرج في كلية الحقوق وفي حجرة نوم أبي والتليفون بجواره وكان قد خرج من الوزاراة التي تولاها‏.‏

وكانت الوزارة الوفدية هي القائمة بالحكم في ذلك الحين وجدت نفسي أقول لأبي‏:‏
ــ أرجو ان تكلم حافظ عفيفي باشا ليعيني ببنك مصر‏.‏
وكان حافظ عفيفي رئيس مجلس إدارة بنك مصر‏.‏ ولحافظ عفيفي تاريخ طويل مع أبي ففي أولي سنوات عمري اصبت إصابة قاتلة بالدوسنتاريا وربما اصبح هذا المرض مجهولا الآن أو شبه مجهول وكان الذي يعالجني طبيب الأطفال الأشهر شوقي باشا كما كان يعالجني حافظ عفيفي باشا الذي لا يعرف إلا القليلون أنه طبيب أطفال وكان معهما أجنبي تبرع بأن يقول لأبي إن حالتي تشبه فوطة علي مشجب لايدري ان كانت ستسقط أم ستبقي‏.‏

وكنت الابن الوحيد لأبي وطبيعي ان يتملكه خوف الأب علي وليده ولست بحاجة ان اقول لك إني شفيت ولو لم اكن لم شغلت أنت اليوم بقراءة هذه الكلمات التي لا أدري موقعها من نفسك‏.‏
وحافظ عفيفي كان حرا دستوريا وكان وأبي يشتركان في تحرير جريدة السياسة التي كان يصدرها حزب الأحرار وعودا علي بدء فإني اجد رجائي لأبي بأن يكلم صديقه الصدوق بشأن وظيفة لي في بنك مصر لاتشوبه أي شائبة وليس فيه مايغضب أبي ولكنني فوجئت بأبي يقول لي في شيء من الحدة‏.‏
ــ أتتصور ان أرفع سماعة التليفون وأقول لأحد عين لي ابني‏.‏

وكنا لانناقش آباءنا قط وكلفتني هذه الجملة من أبي أربعا وعشرين سنة أنا فيها محروم من أي وظيفة والله وحده يعلم هذا الحرمان من عنت نفسي ومادي‏.‏
ولهذا فإني أري حتي الآن ان حجب أبي لجاهه عني قد أوسعني جهدا جهيدا وأنا اليوم أري أنه لابأس علي الأبناء ان ينتفعوا بجاه آبائهم بشرط أساسي ألا يجعلهم هذا الانتفاع جائرين علي حقوق الآخرين‏.‏

ولهذا تألمت كل الألم مما يفعله بعض الأساتذة بكلية الطب لأبنائهم فإن مايصنعون ينافي الشرف والأمانة التي لابد للأطباء خاصة ان يتحلوا بها‏.‏ فإنهم هم الأمناء علي أرواح البشر فكيف نطمئن لطبيب فاقد الأمانة ان يذود عنا الأمراض‏.‏
اللهم إنا نسألك لهؤلاء الهداية والعودة إلي ما يرضاه الله ورسوله من العدل والبعد عن كل مايثير الشكوك في أشخاصهم‏.‏ إنك سبحانك العادل رب المقسطين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية