قضايا و اراء

41794‏السنة 125-العدد2001مايو11‏17 صفر 1422 هـالجمعة

الأمن المائي المصري‏..‏ رؤية مستقبلية
بقلم د‏.‏ علاء ياسين
أستاذ الهيدروليكا ـ كلية الهندسة ـ جامعة الإسكندرية

نشأت الحضارة المصرية القديمة علي ضفاف نهر النيل وبفضله‏,‏ وأبدع المصريون القدماء منذ فجر التاريخ في مجال الري والزراعة‏,‏ والمتتبع للتاريخ المصري القديم يعلم أن سد وادي الكفرة الذي أنشيء عام‏4500‏ قبل الميلاد قرب حلوان بهدف تجميع المياه والاستفادة منها يعتبر من أقدم المشروعات في مجال المياه‏,‏ وتوالت الأعمال الهندسية المرتبطة بمياه النيل‏,‏ حيث أنشأ مينا فرعون مصر الجسر الأيسر للنيل علي الضفة الغربية للنيل لحماية الجزء الغربي من مصر العليا والذي كان يضم العاصمة في ذلك الوقت كما قام ملوك الأسرة الثانية عشرة بإنشاء جسر آخر للنيل بالضفة الشرقية‏,‏ كما نفذوا في عصر أمنحتب الثالث أول خزان موسمي في التاريخ لتخزين مياه الفيضان ببحيرة موريس بمصر العليا‏.‏
وطبق نظام الري الحوضي في مصر عام‏3300‏ قبل الميلاد‏,‏ واستمر إلي عهد محمد علي الذي أدخل‏1820‏ نظام الري الدائم في بعض المساحات لزراعتها بالقطن وقصب السكر‏.‏
وفي عام‏1816‏ شرع محمد علي في تهذيب جسور نهر النيل‏,‏ وفي حفر ترع كبيرة وعميقة لتأمين الاحتياجات المائية لري محصول القطن الذي أدخل زراعته في مصر في ذلك الوقت‏.‏ وفي عام‏1820‏ أنشئت ترعة المحمودية‏,‏ ثم تلتها ترعة الإسماعيلية عام‏1860,‏ وترعة الإبراهيمية عام‏1873.‏ وفي عام‏1833‏ اقترح المهندس البلجيكي لينان وزير الأشغال في ذلك الوقت علي محمد علي بناء قناطر عند رأس الدلتا عند مدخلي فرعي دمياط ورشيد مع تركيب بوابات يمكن فتحها وقفلها عند الطلب تبعا لاحتياجات الري‏,‏ وتسمح برفع مناسيب المياه لتغذية الترع الرئيسية في موسم التحاريق‏,‏ كما تسمح بالانطلاق الحر لمياه الفيضان‏,‏ ولقد وافق محمد علي علي ذلك الاقتراح وبدأ العمل في تنفيذه‏,‏ ولم يتم إنجاز هذا العمل العملاق إلا في عام‏1861‏ لأسباب فنية عديدة‏.‏ ومع وصول مهندسي الري الإنجليز الي مصرر قادمين من الهند‏,‏ تم تكليفهم من قبل الحكومة المصرية بدراسة المشروعات المطلوبة للتوسع في نظام الري المستديم‏,‏ وفي فبراير‏1898‏ تم توقيع عقد إنشاء خزان أسوان وقناطر أسيوط ولقد تم إنشاء خزان أسوان في خريف عام‏1902‏ لحجز نحو مليار متر مكعب من مياه الفيضان حتي منسوب‏106‏ أمتار فوق منسوب البحر المتوسط‏.‏

ومن المعروف أن خزان أسوان كان يعتبر في ذلك الوقت أعظم عمل من نوعه في العالم‏,‏ وقد تم تنفيذه قبل الموعد المحدد بعام‏,‏ وبلغت تكلفته‏3‏ ملايين جنيه‏.‏ وخلال السنوات‏1908‏ و‏1912‏ تم تنفيذ التعلية الأولي لخزان أسوان لرفع منسوب التخزين الي‏113‏ مترا ولزيادة السعة التخزينية الي‏2,25‏ مليار مترا مكعب‏,‏ وبلغت تكلفة التعلية الأولي نحو مليون جنيه‏.‏
وتمت التعلية الثانية بين عامي‏1929‏ و‏1934‏ لرفع منسوب المياه الي‏121‏ مترا والسعة التخزينية الي‏5,25‏ مليار متر مكعب‏.‏ وبلغت تكلفة التعلية الثانية‏4,50‏ مليون جنيه وشهد عام‏1902‏ نهاية العمل في قناطر أسيوط وقناطر زفتي‏,‏ وتم تنفيذ قناطر اسنا علي نهر النيل عام‏1906‏ بينما قناطر نجع حمادي دخلت الخدمة في عام‏1930.‏

وشهد النصف الثاني من القرن الماضي ملحمة هندسية أخري في مجال الري واستغلال الموارد المائية النيلية‏,‏ وهو إنشاء السد العالي‏.‏ ففي عام‏1949‏ تقدم المهندس الزراعي دانينوس وهو من أصل يوناني بفكرة إنشاء السد العالي لتخزين كميات هائلة من مياه الفيضان بالخزان الطبيعي الموجود جنوب أسوان بدلا من القائها في البحر مع توليد الطاقة الكهربائية‏.‏ وتبني الرئيس الراحل جمال عبدالناصر هذا المشروع الذي كانت له آثار سياسية واقتصادية كبيرة‏,‏ وتم توقيع اتفاقية المياه عام‏1959‏ مع السودان‏.‏ ويمثل إنشاء السد العالي حلقة جديدة من حلقات كفاح المصريين السياسية ولتنمية مواردهم المائية النيلية وتأكيد حقوقهم المكتسبة وتم تنفيذ المشروع بالكامل وبدأ في تخزين المياه عام‏1970.‏
ومع تنفيذ السد العالي أصبحت مصر لأول مرة في موقف يسمح لها بالتحكم الكامل في مياه النيل التي يتم السماح بمرورها خلف السد وطبقا للاحتياجات المائية الفعلية لري الأراضي الزرعية وللشرب والملاحة وغيرها من الأنشطة البشرية‏.‏ كما أتاح إنشاء السد العالي منذ إنشائه وحتي الآن تأمين حصة مصر السنوية طبقا لاتفاقية عام‏1959‏ مع السودان والتي تبلغ‏55,5‏ مليار متر مكعب‏,‏ كما أتاح للمخطط المصري أن يضع برامج طموحا لتنمية واستصلاح الأراضي في مصر‏.‏
ومما لا شك فيه أن مصر في حاجة مستمرة الي التوسع الأفقي في الأراضي الزراعية‏.‏ كما أنها في أشد الحاجة الي التوسع الرأسي في المحاصيل التي ينبغي زراعتها لتحقيق الأمن الغذائي للإنسان المصري الذي يزيد بمعدل‏2,3%‏ سنويا‏.‏ ولقد بذلت خلال الأربعين سنة الماضية جهود كبيرة لاستصلاح الأراضي غطت مساحات واسعة في شمال وشرق الدلتا‏,‏ غرب ترعة النوبارية‏,‏ ومناطق متفرقة من جنوب مصر‏,‏ حيث تبلغ الرقعة الزراعية لمصر الآن نحو‏7,5‏ مليون فدان‏,‏ بينما تبلغ المساحة المحصولية نحو‏13‏ مليون فدان‏.‏

وتشير نتائج الاحصاء لتعداد سكان مصر في أول يناير‏1998‏ الي أن سكان مصر‏62,688‏ مليون‏,‏ وأن الزيادة السنوية‏1,257‏ مليون والزيادة اليومية‏3444‏ نسمة بمعدل مولود كل‏25‏ ثانية‏.‏ وتؤدي الزيادة السكانية المستمرة الي تناقص نصيب الانسان المصري من الأرض الزراعية والتي كانت نحو فدان عام‏1800,‏ وتناقصت الي نصف فدان عام‏1900,‏ وتبلغ الآن نحو‏500‏ متر مربع‏,‏ وحتي نحافظ علي هذا النصيب المتواضع للانسان المصري من الأراضي الزراعية‏,‏ يجب أن يكون التوسع في الاراضي الزراعية بمعدل لا يقل عن‏170‏ الف فدان في السنة مع عدم تبوير أي من الاراضي الزراعية الحالية‏.‏ ولذلك فإن الخطة الطموحة للحكومة المصرية تستهدف زراعة‏3,40‏ مليون فدان لفترة العشرين سنة بين عامي‏1997‏ و‏2017.‏ كما أدت الزيادة السكانية المتواصلة‏,‏ مع ثبات الموارد المائية النيلية المصرية الي تناقص نصيب الانسان المصري من المياه‏,‏ والذي انخفض الي أقل من‏1000‏ متر مكعب في السنة‏,‏ وبذلك دخل الانسان المصري الي منطقة الفقر المائي‏.‏
ويأتي علي رأس المشروعات العملاقة الجاري تنفيذها في الوقت الحاضر مشروع ترعة السلام ومشروع توشكي‏.‏ ومن المعروف أن ترعة السلام تستهدف تعمير سيناء بزراعة نحو‏420‏ ألف فدان بها‏,‏ علاوة علي زراعة‏200‏ ألف فدان غرب قناة السويس‏.‏ بينما مشروع توشكي يستهدف زراعة‏540‏ ألف فدان في جنوب مصر‏.‏ وهذه المشروعات العملاقة تهدف الي تحقيق أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية علي درجة عالية من الأهمية‏,‏ فهي تؤدي الي زيادة المساحة العمرانية في مصر وتكوين مجتمعات جديد تتوافر فيه الانشطة الزراعية والصناعية والتعدينية والسياحية‏,‏ علاوة علي زيادة الرقعة الزراعية بمقدار‏1,16‏ مليون فدان وهو ما يمثل نحو‏16%‏ من الرقعة الزراعية الحالية‏,‏ وسيؤدي ذلك الي زيادة المساحة المحصولية‏,‏ مما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي لمصر‏,‏ كما تتيح فرص عمل لشباب مصر‏,‏ مما يساهم في حل مشكلة البطالة والتي تبلغ حاليا‏8%‏ طبقا لآخر إحصاء‏.‏ وتحقق هذه المشروعات نوعا من التوازن في الخريطة السكانية والاستثمارية بين سكان هذه الأقاليم وباقي محافظات مصر ويوفر العديد من الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليم‏.‏ ولا شك أن تكوين مجتمعات جديدة في هذه المواقع يحقق دعما للأمن القومي المصري حيث يمثل الوجود البشري في سيناء أهمية قومية كبري‏.‏ كما تسهم هذه المشروعات في تقوية موقف المفاوض المصري في مجال الحقوق المكتسبة لمصر من مياه النيل‏,‏ ويؤكد حاجتها الي زيادة حصتها من مياه النيل من خلال مشروعات أعالي النيل‏.‏
غير أن تنفيذ هذه المشروعات يتطلب توفير ليس فقط الموارد المالية‏,‏ لكن أيضا الموارد المائية‏.‏ فمن المعروف أن مصر تستهلك حصتها المائية منذ إنشاء السد العالي وحتي الآن‏,‏ وأن مشروع توشكي يحتاج الي‏5‏ مليارات متر مكعب في السنة‏,‏ بينما ترعة السلام تحتاج الي نحو‏4,5‏ مليار متر مكعب سنويا‏,‏ ولذلك فإن توفير الموارد المائية للمشروعات الكبري الجاري تنفيذها الآن وكذلك المحافظة علي نصيب سنوي مناسب من المياه لكل مصري يمثل تحديا حقيقيا للانسان المصري‏,‏ ويتطلب مواجهة هذا التحدي تنفيذ العديد من البرامج والتي تتضمن‏:‏

‏1‏ـ تخفيض المساحات المنزرعة بالمحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه وهي الأرز وقصب السكر‏.‏ ولذلك لابد من تنفيذ برنامج جدي لخفض المساحات المنزرعة أرزا والتي تزيد عن‏1,5‏ مليون فدان‏,‏ والهبوط بهذه المساحة تدريجيا الي مليون فدان‏,‏ مع تطبيق القانون بحزم مع المخالفين‏.‏ كما أنه من الضروري التوسع زراعة بنجر السكر وخفض المساحات المنزرعة بقصب السكر‏.‏ وتقوم الاجهزة البحثية التابعة لوزارة الزراعة بمحاولات لاستنباط أنواع من الأرز الذي يمكث فترة زمنية أقصر واحتياجاته من المياه أقل‏.‏
‏*‏ الاحتياجات المائية لفدان الأرز‏=9500‏ متر مكعب
‏*‏ الاحتياجات المائية لفدان الذرة‏=4500‏ متر مكعب
‏*‏ الاحتياجات المائية لفدان القصب‏=12000‏ متر مكعب
‏*‏ الاحتياجات المائية لفدان بنجر السكر‏=4000‏ متر مكعب
‏*‏ المساحة المنزرعة بقصب السكر‏=300‏ ألف فدان
‏*‏ طن السكر من قصب السكر يحتاج الي‏3200‏ متر مكعب من المياه‏,‏ بينما طن السكر من البنجر يحتاج‏1500‏ متر مكعب
‏*‏ انتاج فدان قصب السكر يعادل‏1.25‏ الي‏1.50‏ ما ينتجه فدان بنجر السكر

‏2‏ ــ التوسع في مشروعات خلط مياه المصارف بمياه الترع‏,‏ لكن قبل المضي قدما في هذا الاتجاه فإن الأمر يتطلب تطبيق قوانين الري والبيئة لحماية شبكة الترع والمصارف والتي يبلغ طولها‏45‏ ألف كيلو متر من التلوث الناتج عن صرف مخلفات المصانع والصرف الصحي للعديد من المدن والقري دون معالجة‏,‏ ومن المعروف انه قد تم وقف عمل أكثر من محطة خلط مياه المصارف بالترع نتيجة تدهور نوعية المياه‏.‏
‏*‏ مياه الصرف في الوجه القبلي تعود كلها الي النيل
‏*‏ في الوجه البحري يعاد استخدام نحو‏4.50‏ مليار متر مكعب ويلقي في البحر والبحيرات الشمالية نحو‏12‏ مليار متر مكعب‏,‏ علما بأنه يلزم صرف‏8‏ مليارات من مياه المصارف الي هذه البحيرات للحفاظ علي التوازن الملحي والثروة السمكية أي يمكن اضافة‏4‏ مليارات الي مشروعات الخلط‏.‏

‏3‏ ـ الاستمرار في اعطاء دفعة قوية لمشروعات تطوير الري في الدلتا والوادي‏,‏ مع توعية المزارعين وتحديد الاحتياجات الفعلية في المناطق المختلفة دون اسراف

‏4‏ ــ اجراء الدراسات الهندسية والزراعية والاقتصادية لتحديد أفضل المواقع لمناطق الاستصلاح في مصر‏,‏ ولتعظيم الاستفادة من مياه الري بمعني تحديد التركيب المحصولي في مختلف المناطق والتي تعطي أعلي عائد اقتصادي مقابل كل متر مكعب من المياه مع الالتزام بزراعة المحاصيل الاستراتيجية‏.‏

‏5‏ ــ استخدام طرق الري المتطور بالرش والتنقيط بالمناطق المستصلحة الجديدة وحدائق الفاكهة في الوادي والدلتا‏.‏

‏6‏ـ التوسع في الدراسات الخاصة بالمياه الجوفية والاستغلال الآمن لهذه المياه في الزراعة والشرب
‏*‏ المياه الجوفية المستخدمة حاليا في الدلتا والوادي تقدر بنحو‏1.5‏ مليار متر مكعب يمكن زيادتها الي‏4‏ مليارات متر مكعب
‏*‏ المياه الجوفية المستخدمة حاليا في الوادي الجديد تقدر بنحو مليار متر مكعب يمكن زيادتها الي‏2.50‏ مليار متر مكعب

‏7‏ ـ العمل علي زيادة حصة مصر من مياه النيل‏,‏ وبذل المزيد من الجهود للمضي في تنفيذ العديد من مشروعات أعالي النيل لخفض الفاقد في مياه النيل بالتنسيق مع دول حوض النيل‏(‏ قناة جونجلي ــ المرحلة الأولي ستضيف‏4‏ مليارات متر مكعب مناصفة بين مصر والسودان ــ وكان قد تم تنفيذ‏70%‏ منها قبل توقف العمل نتيجة الحرب الأهلية بجنوب السودان‏)‏

‏8‏ ــ توفير مياه الشرب بالمناطق السياحية والاستثمارية في الساحل الشمالي والبحر الاحمر وسيناء عن طريق تحلية مياه البحر‏,‏ وخصوصا ان هناك تقدما في تكنولوجيا التحلية وانخفاضا مستمرا في التكلفة مع استخدام نظام‏BOT‏ لمثل هذه المشروعات‏.‏
إن تنفيذ البنود الثمانية وغيرها من البرامج يتطلب جهدا كبيرا ومضنيا واننا علي ثقة من أن خبراء وزارة الموراد المائية والري‏,‏ وزملاءهم في وزارة الزراعة قادرون بما يتمتعون به من خبرات متراكمة علي مر السنوات من وضع البرامج التنفيذية لكل من هذه البنود‏,‏ مع قيام الدولة بتوفير الاستثمارات اللازمة‏,‏ وذلك من أجل تحقيق هدف قومي أساسي وهو تحقيق الأمن المائي المصري خلال السنوات القادمة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية