قضايا و اراء

41783‏السنة 125-العدد2001ابريل30‏6 صفر 1422 هـالأثنين

مثاليات
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

حين وقف الدكتور محمد حسين هيكل باشا أمام محكمة الثورة شاهدا في قضية فؤاد سراج الدين باشا انتهز الضباط أعضاء المحكمة الفرصة فقالوا له إنك لاشك تعرف الحديث النبوي من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه‏.‏ وقال هيكل باشا مؤلف كتاب حياة محمد اعظم كتاب ألف عن سيد الخلق‏.‏
ــ طبعا أعرفه
ــ ألم تكونوا تعرفون ان الحكم الملكي كان حكما منكرا‏.‏

ــ نعرف ذلك ولذلك كتبنا له العريضة المشهورة باسم عريضة الثلاثين‏,‏ وقد وجهنا له فيها اللوم الشديد لتصرفاته المشينة‏,‏ وطالبناه بإبعاد المشبوهين الذين يحيطون به ويلطخون شخصه وحكمه بالهوان الحقير‏,‏ وقد دعانا إلي تولي الحكم بعد حريق القاهرة فرفضنا واشترطنا ان ينفذ ماجاء بعريضة الثلاثين‏,‏ وكان هذا موقفنا في حزب الأحرار الدستوريين‏,‏ وكان أيضا موقف الهيئة السعدية‏.‏
ــ أهذا كل ماستطعتم ان تفعلوه‏.‏
ــ لقد حاولنا ان نغير المنكر بلساننا أو بأقلامنا‏.‏

ــ ولماذا لم تغيروه بأيديكم‏.‏
ــ لم يكن بأيدينا السلاح‏,‏ فقد كان السلاح بأيديكم أنتم‏.‏

ولم تجد المحكمة شيئا تقوله وانتهي النقاش عند هذا الحد‏.‏ ولاشك أن الثورة قد غضبت كل الغضب من الدكتور محمد حسين هيكل باشا لأنه لم يقبل لنفسه ان ينصاع لرغباتها حين وقف شاهدا في محاكمة فؤاد باشا‏.‏ وحين نفي عن حزبه وعن الرجال الذين رافقوا زمانه مسئولية فساد الملك‏.‏ وكان الدكتور هيكل باشا وكل الوزراء السابقين ممنوعين من ممارسة حقوقهم السياسية الأمر الذي يصم عهد الثورة بالحمق والظلم والافتئات‏.‏
والذي لاشك فيه أن رجال الثورة جاءوا إلي الحكم وكلهم يتميز غيظا من الباشاوات‏,‏ وكل تصرفاتهم تدل دلالة لاشك فيها علي صدق ماأقول‏.‏
وأجد نفسي هنا أذكر التعبير القرآني الشريف في سورة الملك حيث يقول جل من قائل إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور‏.‏ تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير

وفي حديث أجرته محطة اذاعة عالمية دعيت إليه مع هيكل باشا‏,‏ وكان هيكل باشا قد صدر له قبيل الحديث بفترة قصيرة روايته الشهيرة هكذا خلقت ومجموعة قصص قصيرة فسأله المذيع‏:‏
ــ قد عدتم أخيرا إلي كتابة الرواية والقصة القصيرة مع أنكم تركتم كتابة الرواية منذ صدرت لكم أول قصة في الأدب العربي زينب‏.‏
وفوجئت بالرجل الجريء الندب يقول للمذيع في شجاعة منقطعة النظير‏:‏

ــ أنا اليوم محروم من ممارسة حقوقي السياسية في بلادي‏,‏ فطبيعي ان اعود إلي كتابة الرواية والقصة القصيرة‏.‏
حين انتهي الحديث قلت لهيكل باشا‏:‏
ــ اجابة معاليكم عنيفة جدا‏,‏ وتدين الحكم الحالي‏.‏

فقال لي في ذكاء شديد‏:‏
ــ هل تظن أنهم لم يقبضوا علي حتي الآن لوجه الله
ودار في ذهني أنهم قبضوا علي فؤاد باشا سراج الدين سكرتير عام حزب الوفد‏,‏ ولو لم يكن النحاس باشا في شيخوخته لقبضوا عليه هو الآخر‏.‏ كما أنهم قبضوا علي إبراهيم باشا عبد الهادي زعيم حزب الهيئة السعدية وحاكموه محاكمة تلقي علي عهدهم كله الخزي والعار‏,‏ حتي ان محاميه كبير محامي مصر الأشهر مصطفي مرعي أبي ان يستمر في المرافعة وانسحب في شجاعة‏,‏ واصدروا حكمهم علي ابراهيم باشا عبد الهادي بالاعدام بتهمة الخيانة العظمي‏,‏ ولم يستحوا ان يكون سندهم في هذا الحكم أن سيارة الزعيم الوطني الفذ شوهدت في الشارع الذي تقع فيه السفارة البريطانية‏.‏
واعتذر إليك عن الاستطراد فقد صورت الاخبار السينمائية ابراهيم باشا بعد الحكم عليه‏,‏ وكان لحظة التصوير يشعل سيجاته‏,‏ واذكر ان المعلق واحسب انه كان الاستاذ فاروق خورشيد قال في جسارة ووقف الزعيم العظيم يشعل سيجارته في ثبات وبغير مبالاة‏,‏ وربما لايكون هذا ليس نص ما قاله المعلق‏,‏ ولكن من المؤكد ان هذا كان معناه‏.‏

واعتذر مرة أخري عن الاستطراد‏,‏ فإن محاميا كبيرا كان سجينا في الزنزانة الملاصقة لزنزانة إبراهيم باشا عبد الهادي التي ألقوه فيها لينتظر تنفيذ الإعدام‏.‏
وهو يروي أن السيدة الفاضلة حرم الزعيم جاءت لتزوره في سجنه‏,‏ فإذا هو يقول لها في كبرياء وعظمة وإباء‏:‏
ــ إذا سمعت انك سعيت لتخفيف الحكم عني لدي أي جهة فاعلمي أنني اذا عشت فستكونين طالقا حراما علي‏,‏ وإذا مت فإني سأشهد الله إنك لست زوجتي أمامه‏.‏

وكان رئيس الجمهورية في ذلك الحين الرئيس محمد نجيب وسعت إليه دول كثيرة تطلب تخفيف الحكم علي إبراهيم باشا واستجاب لها واستبدل الحكم بالسجن‏.‏
وعودا إلي هيكل باشا‏,‏ فقد مرت هذه الذكريات التي رويت لك بذهني وهو يقول لي‏:‏
ــ أتحسب انهم لم يقبضوا علي لوجه الله
ــ فلماذا إذن

ــ وإنما ارتدعوا عن القبض علي لمكانتي الأدبية في العالم العربي‏.‏
واصابت كلمته موقعها في نفسي من الاستحسان وثبت في يقيني منذ ذلك الحين أن الوزير وصاحب المنصب يكونان علي شيء من الهيبة في وطنهما فقط‏,‏ ولكن الأديب ذا الشأن يكون رمزا جديرا بالاجلال والحفاظ عليه والإعزاز له في العالم اجمع‏.‏
وهكذا لم تستطع الحكومة الغاشمة ان تقبض علي واحد من أعظم رواد الأدب العربي هيكل باشا‏.‏ والفضل بالفضل يذكر‏,‏ فعندما نال العملاق عباس العقاد جائزة الدولة التقديرية‏.‏

وقف يلقي كلمته فأبي أن يوجه الشكر إلي الحكومة أو رئيسها مرتئيا أن الذي قدم له الجائزة التقديرية هو قلمه وروعة مادبجه للعالم العربي من فكر سامق علي مدي السنين الطوال‏.‏
هذه الذكريات الماسية اقدمها إليك واثقا ان الشرفاء يكبرون الشمم‏.‏ وأولئك الذين يرصع الله دنياه بهم من حين ليرطب بهم هجيرها حتي يحتمل الإنسان العيش فيها سبحانه تعالت قدرته‏.‏

‏*‏ تعليق‏:‏ إلي الأستاذ محمود أحمد سعيد عتابك مقبول ولكنك تعلم أن العسكري الأسود أكذوبة كبري وفرية أقرب إلي النكتة‏,‏ والثورة بقضها وقضيضها لم تستطع أن تقيم دليلا واحدا يثبت هذا الخرف‏,‏ أما الاعتداء علي اعراض الرجال والنساء في عهدكم فهو ثابت بأحكام المحاكم ولايقبل النقاش‏,‏ وحسب الناصرية هذا‏,‏ خزيا أبديا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية