قضايا و اراء

41755‏السنة 125-العدد2001ابريل2‏8 من محرم 1422 هـالأثنين

آسيا
المشرق العربي الجديد
بقلم : د‏.‏محمد السيد سليم
مدير مركز الدراسات الآسيوية ـ جامعة القاهرة

المتأمل للتطورات الاقتصادية في المشرق العربي خلال السنوات الثلاث الأخيرة يلحظ أن هناك توجها استراتيجيا نحو بناء ما يمكن أن نسميه المشرق العربي الجديد‏,‏ وأن هذا التوجه يحل تدريجيا‏,‏ ولكن بكل تأكيد‏,‏ محل المفهوم الأمريكي الإسرائيلي المسمي الشرق الأوسط الجديد‏,‏ وكان المفهوم الأخير قد طرحه شيمون بيريز في كتابه المعنون بالاسم ذاته‏.‏
ويقوم التصور الإسرائيلي لهذا الشرق الأوسط الجديد علي أنه إطار اقليمي يقوم علي دعامتين‏,‏ قيادة اسرائيل للمنطقة مستندة إلي تفوقها التكنولوجي‏,‏ وأسبقية التعاون الاقتصادي الاقليمي علي حل مشكلة الأراضي العربية المحتلة‏,‏ أي أن يتم التعاون الاقتصادي الاقليمي علي حل مشكلة الأراضي العربية المحتلة‏,‏ أي أن يتم التعاون الاقتصادي في الوقت الذي يستمر الاحتلال وتتوسع فيه إسرائيل في استعمار‏(‏استيطان‏)‏ الأراضي المحتلة‏.‏
ومن المعلوم أن مصر قد رفضت المفهوم الاسرائيلي في حينه وربطت الشرق الأوسط الجديد بالتعاون المتكافيء وبالربط العضوي بينه وبين إنهاء مشكلة الاحتلال الإسرائيلي‏.‏ وعندما بدا واضحا أن اليمين الإسرائيلي بزعامة نيتانياهو قد وجه ضربة قاصمة للسلام في الشرق الأوسط‏,‏ جمدت مصر بالتعاون مع الدول العربية المؤتمرات الشرق أوسطية‏,‏ فكان المؤتمر الشرق أوسطي الرابع الذي عقد في قطر سنة‏1997‏ هو آخر تلك المؤتمرات‏.‏

ما الجديد في الأمر؟
في مواجهة تجميد المشروع الشرق أوسطي‏,‏ بدأت الدول العربية في طرح مشروع المشرق العربي الجديد‏.‏ ولكن الطرح لم يأت في سياق اصدار كتاب‏,‏ أو عقد مؤتمر ولكن في إطار سلسلة كم الإجراءات الاقتصادية ذات التوجه الاستراتيجي الشامل الذي يهدف في النهاية إلي إعادة العلاقات الاستراتيجية في المشرق العربي‏.‏
ويمكن أن نشير إلي ثلاثة اجراءات محددة تتولد من خلال هذا التوجه‏::‏ أول هذه الاجراءات هو مشروع الربط الكهربائي بين مصر‏,‏ ودول المشرق العربي‏,‏ والذي دخل حيز التنفيذ‏.‏ وهذا المشروع يربط بين مصر‏,‏ والأردن‏,‏ وسوريا‏,‏ ولبنان ثم تركيا‏.‏ وهذا المشروع يعتبر الشبكات الكهربائية في تلك الدول بمثابة شبكة واحدة بحيث يتم نقل الأحمال الكهربائية من مكان إلي آخر عند الضرورة‏,‏ وبحيث تتوافر الكهرباء إلي مناطق بتكاليف أقل‏.‏
وثاني هذه المشروعات هو مشروع نقل الغاز الطبيعي من مصر إلي دول المشرق العربي ومنها إلي تركيا وأوروبا‏.‏ هذا المشروع يتضمن نقل الغاز الطبيعي المنتج من مصر إلي دول المشرق العربي عبر شبكة أنابيب‏.‏ وكان التصور الأول هو أن تنقل مصر عبر تركيا الغاز الطبيعي عن طريق أنابيب عبر البحر المتوسط‏,‏ ولكن تحول التفكير إلي ربط تركيا بالمشرق العربي ومصر عبر نقل الغاز عن طريق دول المشرق العربي‏.‏ وذلك في ضوء انخفاض تكلفة الربط البري التي تبلغ حوالي‏700‏ مليون دولار في مقابل النقل البحري إلي دولة واحدة هي تركيا بتكلفة قدرها مليار دولار‏.‏

وبذلك سيمتد خط نقل الغاز الطبيعي من السويس إلي العقبة في الأردن ثم سوريا حيث تفرع خط أنابيب إلي طرابلس في شمال لبنان وآخر إلي الحدود التركية‏,‏ وسيمر جزء بسيط من الخط بالبحر بين الحدود المصرية وميناء العقبة الأردني‏.‏ وعبر هذا الخط سيتم نقل‏12‏ مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي المصري يوميا تحصل فيه الأردن علي‏3‏ ملايين متر مكعب ولبنان علي‏6‏ متر مكعب‏,‏ وتأخذ تركيا الباقي أما سوريا فانها لا تحتاج غازا فلديها ما يكفيها من انتاجها الحالي‏.‏ وبذلك ترتبط تركيا بمصر عبر المشرق العربي الجديد‏.‏
أما المشروع الثالث‏,‏ فهو مشروعات الربط عبر السكك الحديدية وذلك كجزء من التطور العالمي لتنشيط النقل عبر القارة بالسكك الحديدية وهو ما يتمثل في الطريق الأوراسي البري الثاني‏(‏ طريق الحرير الجديد‏)‏ من شنغهاي إلي استانبول‏,‏ وطريق ثراسيكا من القوقاز إلي شمال أوروبا‏.‏ وتقوم مصر حاليا ببناء خط الشرق السريع الممتد من الاسماعيلية حتي رفح مع ربطه بمشروع شرق التفريعة‏,‏ بهدف الارتباط بمشروعات النقل بالسكك الحديدية المشار اليها بعد اتمام عملية السلام‏.‏ وفي الوقت ذاته يلحظ المراقب أن هناك حركة عربية‏,‏ وعربية تركية نحو تنشيط الربط بالسكك الحديدية ففي ابريل‏1999‏ وقعت سوريا وتركيا اتفاقا في دمشق لبناء شبكة خطوط حديدية بينها بحيث تصبح دمشق‏,‏ طبقا للاتفاق مركزا علي عدد من خطوط السكك الحديدية التي تربط أوروبا وآسيا الوسطي‏,‏ وإيران في الشمال‏,‏ مع الأردن والسعودية في الجنوب‏,‏ واتفق الطرفان علي إحياء سكة حديد الحجاز‏,‏ وكانت تمتد من استانبول إلي دمشق والمدينة المنورة‏,‏ كذلك اتفقت الأردن وسوريا في يونيو‏1999‏ علي إعادة تشغيل سكة حديد الحجاز لربط الموانيء السورية واللبنانية بالمدن الأردنية والسعودية‏.‏
وتوضح متابعة هذه المشروعات الثلاثة أنها تمس عملية التكامل الاقتصادي عبر تكوين البنية التحتية لدول المشرق العربي‏,‏ وهو ما يعني أولا أن المفهوم الاستراتيجي العربي للتكامل قد بدأ يتغير في اتجاه تحقيق التكامل من خلال التنمية‏,‏ وليس العكس حيث كانت الأدبيات العربية تؤكد أنه لا تنمية بدون تكامل‏.‏ الجديد في الأمر هو التأكيد علي أنه لا تكامل بدون تنمية مشتركة‏.‏

كذلك‏,‏ فإن هذه العملية تسهم بقوة في إحداث توازن استراتيجي في المشرق العربي بين العرب وإسرائيل بحيث تصبح إسرائيل إحدي دول المنطقة‏.‏ ومن الممكن لإسرائيل أن تدخل في تلك المشروعات إذا تم استكمال عملية السلام في الشرق الأوسط‏.‏ ومن المعروف أن إسرائيل كانت تريد أن تكون هي نقطة توزيع الغاز الطبيعي المصري إلي دول المشرق العربي‏,‏ وهو أمر رفضته الدول العربية‏.‏ ومن ثم فإن المشرق العربي الجديد لا يتجاوز عملية السلام‏,‏ إلي إجندة أخري ولكنه يسهم في تعميق عملية السلام بحيث إذا تم استكمالها طبقا لقرارات الأمم المتحدة وعلي النحو الذي يحقق طموحات الشعب الفلسطيني‏,‏ فإن دول المشرق العربي ستكون مستعدة لبحث استفادة إسرائيل من تلك المشروعات‏.‏ ومشروع الارتباط الإسرائيلي الوحيد الحالي بتلك المشروعات هو مشروع لم يتفق عليه بعد‏.‏ وحينما سيتم فإنه سينطلق من أساس مختلف عن الأساس الذي قام عليه المشرع الشرق أوسطي‏.‏ هذا الأساس هو أن إسرائيل هي مجرد واحدة من دول المنطقة وليست مركز السيطرة فيها‏.‏
ومن ناحية أخري‏,‏ فإن المشرق العربي الجديد ليس منفصلا عن بقية الوطن العربي‏,‏ حيث إن مشروعات الربط الكهربائي‏,‏ والسكك الحديدية ستمتد عبر مصر إلي ليبيا ومنها إلي دول المغرب العربي في مرحلة لاحقة‏.‏
وفي مناقشة تمت علي شواطيء البحر الميت في الأردن في إطار ندوة نظمها المعهد الدبلوماسي الأردني عن عملية السلام في الشرق الأوسط‏,‏ دعا السفير د‏.‏محمد حجازي سفير مصر لدي الأردن‏,‏ الأكاديميين العرب إلي تأصيل المفهوم الاستراتيجي للمشرق العربي الجديد‏,‏ حيث إننا لا نتحدث عن مجرد أنابيب وأسلاك‏,‏ وقضبان سكك حديدية ولكن عن ارتباطات استراتيجية بعيدة الأمد‏,‏ كما أن التكامل الأوروبي بدأ بالربط في مجال الفحم والصلب‏.‏ وأعتقد إن هذه الدعوة تستحق اهتماما من المؤسسات البحثية العربية بحيث يكون بناء المشرق العربي الجديد كمقدمة لبناءالوطن العربي الجديد علي قمة أولويات البحث العلمي لتلك المؤسسات‏.‏ كذلك‏,‏ فإن مثل هذا الاهتمام من شأنه إحياء الأمل في المستقبل العربي الذي يراه البعض كئيبا ويسير من سييء إلي أسوأ بينما نغفل القوي بعيدة الأمد في اتجاه التنمية والتكامل‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية