قضايا و اراء

41769‏السنة 125-العدد2001ابريل16‏22 من محرم 1422 هـالأثنين

الآن أناقش
بقلم‏:‏ثروت أباظة

لأول مرة في تاريخ الناصرية بل في تاريخ مصر اجد ناصريا يحاول مناقشتي في أمر حكم الطغيان والجبروت‏,‏ وذلك بمقال طويل كتبه في أدب يليق بالمثقفين كاتب اسمه محمود أحمد سعيد تحت عنوان ثروت أباظة وهوايته الخاصة‏.‏
وأحمد الله أن تكون هوايتي الخاصة هي محاربة الظلم والطغيان وتمزيق الإنسانية وكرامة البشر وقدسية العرض وفي عنوان جانبي يقول الكاتب الثورة وحكم الفرد ويضرب أمثلة علي حكم الفرد ويرضي لنفسه أن يذكر أو يوميء إلي سيد الأنبياء مثالا لحكم الفرد ناسيا أنه نبينا وكل الأنبياء يوافيهم الحكم من الله سبحانه وتعالي‏,‏ ومع ذلك ومع ان النبي محمدا صلي الله عليه وسلم الأثير عند ربه كان خليقا أن يختار الله له سبحانه أن يكون كلمته فيما يعرض له من أمور إلا أنه ــ تعالت حكمته ــ أراد لنبيه ان يلتمس الحكم من الشوري فجاء في القرآن الكريم أمره إلي نبيه الحبيب وشاورهم في الأمر وقوله تقدست كلماته وأمرهم شوري بينهم فقد كان خليقا بالكاتب أن ينأي بنفسه عن ذكر النبي صلي الله عليه وسلم حين يتكلم عن الديكتاتور وحتي أؤكد للقاريء مكانة نبينا العظمي عند ربه ــ وإن كان الأمر لايحتاج إلي تأكيد ــ اذكر ماصوره أول قمر صناعي للأرض وما فيها من جبال وقد ظهرت الصورة وفيها الجبال ترسم اسم محمد جلية واضحة لاشبهة فيها وقد عرضت هذه الصورة ورأيتها مرتين في يومين متتاليين بسينما مترو بالإسكندرية وصحت واقفا في المرتين بصوت مرتفع الله أكبر‏,‏ ولعل هذا الصياح الذي لم أقدر آثاره هو الذي جعل هذه الصورة تختفي من الوجود اختفاء تاما يدل دلالة واضحة علي ان هذا الاختفاء كان بفعل فاعل ولم يكن مجرد إهمال لأن الإهمال يستحيل عليه ان يصبح إصرارا‏.‏

وكان من بين ما قاله الكاتب هو اضطرار الرئيس الثائر ان يحفظ ثورته من الباشوات لأنهم خطر عليها وتلك قالة تنافي الواقع تماما فكل زعماء الأحزاب أيدوا الثورة وذهبوا إلي قادتها واذكر ان الرئيس محمد نجيب كان يزور أبي في منزلنا قبل الثورة وكان يكن لأبي كل إجلال وإكبار واستمر هذا الخلق منه بعد الثورة والباشوات قدم منهم ثلاثون باشا من الشخصيات ذات المكانة الرفيعة عريضة عرفت باسم عريضة الثلاثين إلي الملك‏,‏ وكانت العريضة تهاجم الملك في تصرفاته وفي اختيار المقربين منه‏,‏ وكانت العريضة تحتم حتمية لاشية فيها أنه لابد ان يبتعد الملك عن اعماله الخاصة الشائنة‏,‏ كما انها كانت تطالبه بإبعاد الاشخاص الذين يتمتعون بسيرة تزكم الأنوف هذه واحدة‏,‏ والثانية أن الثورة حبست من حبست من باشوات في أول حكمها دون أن تند من احدهم بادرة تخشاها الثورة من تهديد لسلامتها وإنما كان الحبس عشوائيا لايبرره أي حق أو منطق‏.‏
وأذكر أنني في الأشهر الأولي للثورة كنت اكتب في جريدة الزمان مقالات يومية كانت الإذاعة التي تتحكم فيها الثورة تذيعها يوميا مما يدل دلالة واضحة علي تحمسي وأنا ابن باشا للثورة وفرحتي بتخلصنا من الملك الضال ولكني حين رأيت البيت الذي قاله الشاعر يصدق علينا وهو البيت الذي يقول عن خلع عبد الحميد سلطان تركيا عن عرشه‏.‏
كان عبد الحميد بالأمس فردا
فغدا اليوم ألف عبد الحميد

ولما ألغي الدستور الذي قالت الثورة في يوم إعلانها عن نفسها أنها جاءت لتحميه فكانت كالطبيب الذي يأتي لمعالجة المريض فيقتله ولما رأيت هذا أدرت ظهري للثورة برمتها ورفضت كل محاولة تقربني منها ودفعت الثمن غاليا فقد ظللت قرابة خمسة وعشرين عاما بلا عمل رسمي‏.‏
وأذكر أبيات شوقي الخالدة عند خلع السلطان عبد الحميد
لاتستشير وفي الحمي عدد الكواكب من مشير
كم سبحوا لك في الرواح وألهوك لدي البكور
ورأيتهم سجدا لك كسجود موسي في الحضور
خفضوا الرؤوس ووتروا بالذل اقواس الظهور

وهذه الأبيات ترسم في براعة فائقة وصدق وطيد كيف كان الناس يتعاملون مع عبد الناصر‏.‏
وبمناسبة عنوان الكاتب الثورة وحكم الفرد فقد فاته ان يذكر ماصنعه عبد الناصر بالأعضاء الذين قاموا معه بالثورة‏,‏ وكانوا يكونون معه مجلس قيادة الثورة‏.‏ فقد اقصاهم جميعا ولم يبق معه إلا أنور السادات لشدة ذكائه وسعة حيلته‏,‏ وحسين الشافعي لشدة طيبته وإمعانه في الطاعة‏.‏
وبعد‏,‏ فلم يذكر الكاتب شيئا عن الاعتداء علي اعراض الرجال أمام زوجاتهم والاعتداء علي النساء أمام ازواجهن‏.‏

وهل هناك إنسان يستحق لقب إنسان يقبل هذا التمزيق للبشر؟ ولم يذكر الكاتب شيئا عن الرعب والذعر والارتعاد الذي كان يعيش فيه المصريون كافة‏,‏ وهل هناك شيء في العالم يكفكف الهلع الذي أحاط بهم؟ ولم يذكر الكاتب ما أتسم به الحكم من إذلال اصحاب المكانة والاحترام‏,‏ حتي لقد كان الزبانية يجعلون من السادة حميرا ويركبونهم أمام ذويهم واتباعهم‏.‏
وكم كان الكاتب بعيدا عن الحق حين قال القوي القديمة كانت تريد العودة إلي الحكم فإن هذه القوي القديمة لها من الذكاء النفاذ ماتعرف به أنه لاسبيل لها ان تعود إلي الحكم‏,‏ بأي حال من الأحوال‏.‏
وبعد فيا أيها الاستاذ المؤدب انا أسوق لك هذه العجالة لأني أراك تحاول أن تناقش وهذا الاتجاه إلي محاولة النقاش أمر افتقدته ففقدته في كل من تصدوا لي قبلك‏.‏ وهذه الكلمات القليلة التي أسوقها لك جزء يسير من سجل حكم خطير من البلاء البعيد الذي اصابتنا به ثورتك‏,‏ وهو أمر لاتكفي الكتب العديدة للإحاطة به‏,‏ ولا أنسي ان اذكر ان مجانية التعليم التي ذكرتها صاحبها طه حسين باشا‏.‏ ويعلم الله انه أسف لأنه نفذها قبل أن يعد لها وهو كما تعلم واحد من الباشوات‏,‏ وسلام الله عليك فهو سبحانه وحده القادر ان يهديك سواء السبيل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية