الكتاب

41764‏السنة 125-العدد2001ابريل11‏17 من محرم 1422 هـالأربعاء

2‏ ـ أون أول جامعة في الدنيا
بقلم‏:‏ د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

حين تحتفل جامعة عين شمس بعيدها الذهبي‏,‏ فهي ابنة صغيرة آخر العنقود لأم عريقة عمرها بلا حدود‏,‏ فلم يستقر العلم بعد‏,‏ علي تاريخ مولدها‏..‏ فأكبر الظن كما يقول ديورانت‏[‏ إننا لم نعد‏,‏ طور البداية في الكشف عن عظمتها‏.]...‏
إن الحضارة المصرية أولي الحضارات وأجملها‏...‏ وحين بنت مصر الهرم الأكبر‏,‏ بنت الإنسان المصري علي طريقتها في بناء الهرم‏.‏

إن اكتشاف قالب الطوب‏,‏ اكتشاف عظيم‏,‏ وتشكيل الحجر‏,‏ اكتشاف عظيم فما أصنعه يصنعني‏,‏ وما أبنيه يبنيني‏,‏ إن دخول التجربة‏:‏ خبرة وقدرة وتشكيل للنفس‏...‏ يقول الدكتور أحمد فخري‏:‏
‏[‏إن العقل ليحار اذا ما أعملنا التفكير في كمية العمل الذي يحتاج اليها مثل هذا البناء حتي لو استخدمنا المعدات الميكانيكية الحديثة‏].‏
واحتار العلماء بالفعل‏..‏ كما يقول سارتون في كتابه‏[‏ تاريخ العلم‏].‏

إنه مع فرض أن المهندسين المصريين أحلوا القوة البشرية محل القوة الآلية في تشييد هرمهم‏,‏ إلا أن ذلك لا يفسر المنجزات الفنية والمعمارية التي تجمعت في بنائه‏,‏ وإنما يضيف اليها معجزات بشرية لاتقل عنها في صعوبة تفسيرها‏,‏ ذلك أنه من السهل أن نتحدث عن حشد آلاف الرجال وليكونوا ثلاثين ألف رجل مثلا‏..‏ كيف تم تشغيلهم؟
كيف تم تدريب الفنيين منهم؟
كيف أمكن تحقيق التعاون بينهم؟
الهرم معناه تنظيم جبار للمجموعة الإنسانية التي قامت به‏..‏ هذا التنظيم‏..‏ والتخصيص‏..‏ والتصميم‏..‏ والتنفيذ‏..‏ والاشراف هو في ذاته حضارة في مستوي رفيع‏..‏ إنها فن الإدارة‏..‏ فن الزعامة المصحوبة بقوة الإبداع‏.‏
إن الهرم بالمقاييس العلمية الحاضرة ليس فيه خطأ واحد‏.‏
والهرم ليس بناء فحسب‏...‏

إنه بناء‏..‏ وإنشاء‏,‏ وراءهما علوم الجيولوجيا وميكانيكا التربة‏,‏ والفلك والهندسة‏,‏ وقبل هذا عقيدة الإيمان بالبعث وعودة الروح‏.‏
وبعد الهرم الأكبر‏,‏ بنت مصر هرم‏(‏ خفرع‏)‏ ثم هرم من كاورع‏.‏
وقبله بنت مصر هرم زوسر هرم سقارة المدرج‏,‏ وهرم سنفرو‏.‏

أقول إن ولع مصر بالبناء‏,‏ لون من البناء النفسي‏..‏ ولعل البناء أكسبها النضج النفسي‏..‏ هل الحجر أوحي اليها القوة؟ أم أن قوتها اختارت الحجر للبناء؟
وهذا يفسر أن مصر الإسلامية في أول عهدها بالاسلام‏,‏ بنت بالطوب في مرحلة الانطواء لتتبين الجديد‏..‏ حتي جامع احمد بن طولون علي ضخامته مبني بالطوب‏.‏
وإذ اتخذت مصر في الإسلام دورا قويا‏,‏ بنت بالحجر‏,‏ وبالروح القديمة نفسها ـ والروح غير الطراز ـ وخير شاهد علي هذا جامع ومدرسة السلطان حسن الذي يسميه المهندسون في مصر والخارج‏(‏ الهرم الإسلامي‏).‏

لقد زرع المصريون وعرفوا رغد العيش‏,‏ ومهاه النعمة‏,‏ ثم بنوا الأهرام بعائد الزراعة وخيرها وبدافع استمرار نعيمها‏,‏ واستبقائه بعد الحياة فما يفكر في الخلود‏,‏ محروم أو مجهود أو بائس ولكن نعيم الحياة في مصر‏,‏ جعل جنة المصريين‏,‏ مصر خالدة‏.‏
‏**‏ وبعد العلوم‏,‏ انتقل في رحبات جامعة أون الي‏:‏ الفنون
أكدت جامعة أون أن مصر الزراعة هي مصر الفن‏.‏
فالزراعة عمار وعمارة‏.‏
والخصب يتبعه‏,‏ الفن‏.‏
زرعت مصر الحجر‏,‏ فشكلته فنونا كالشجر‏..‏
بنت البيت‏,‏ وشيدت المعبد‏,‏ وسوت التمثال‏,‏ ورفعت الهرم‏...‏
وعلي الحجر‏,‏ كتبت مصر‏.‏

حولت مصر الصخر‏,‏ الي حجر كريم حين روته بالمعني‏,‏ وشحنته بالرؤي‏,‏ ووشوشته‏,‏ وحملته من أسرار الفن والأدب والحكمة والدين ما جعله مصدر تاريخ‏,‏ ومظهر حضارة‏.‏
إن الحجر المصري محظوظ فلم يرو حجر مثله من وجدان مترع بالحياة كالوجدان المصري بما فيه من رؤي‏..‏ ومعني هذا أنه ولد في قلوبهم شوق مبكر الي القيم‏...‏ الي الفن والعلم والدين دليل إحساسهم بالحياة والكون‏,‏ وقدرتهم علي التعاطف معه‏.‏
ازدهر هذا في جامعة‏(‏ أون‏)‏ قبل مينا بمئات السنين‏,‏ يظلم حضارتنا من يقول إن عمرها سبعة آلاف سنة‏..‏

إن التصوير المصري‏,‏ تصوير بالنور علي الحجر ولهذا فهو مليء بالرؤي‏.‏ وبين النور والحجر تتسلل الحياة‏,‏ رمزا لانسياب الفكر‏.‏
إن التكعيبة والسريالية القائمة علي التجريد وتجاوز الشكل‏,‏ بل تجاوز المنطق والتطويح الي ما وراء العقل‏,‏ يتفوق عليها الفن المصري القائم علي نقاء الشكل مع الاحتفاظ باللمحات الإنسانية‏..‏ فحين يرسمون علي الجدران أزهار السوسن النشوانة تعانق أشعة الشمس المصرية الوهاجة المنتشرة علي وادي النبات الأخضر‏,‏ وتطفر الماشية فرحة في الضوء الأبيض ويهتف العظيم اخناتون مهللا للنور‏,‏ متهللا في فرحة غامرة‏,‏ وينظم أناشيده مسبحا لخالق السوسنة الطفلة والطير السابح‏,‏ والسحابة الغادية‏..‏ منزها في تواضع وهو ملك مصر والأنهار تجري من تحته‏,‏ الإله الواحد كما كان يدعوه مخلصا خالصا‏...‏

إن الفن المصري بسمة إيمان علي صفحة الوادي‏..‏ إيمان صاف كالطبيعة المصرية‏,‏ نور وحجر وصفاء ولهذا أحب قدماؤنا النيل والشمس‏,‏ فلوحاتهم فيها التحرر والعذوبة والانسياب من النيل‏..‏ ومعابدهم تفتح علي الشرق‏,‏ وأبوالهول ينظر الي الشمس‏..‏
لقد أحبوا الشمس ورأوا في انتصارها علي الظلمة‏,‏ انتصار الحق علي الباطل‏..‏
إن شدة الاستضاءة في الفن المصري تعمل علي تجميع النفس كالخفوت‏.‏

إن القدم الثابتة في التمثال المصري‏,‏ تعبر عن الحزم والحسم والتصميم والواقعية‏,‏ وهي مع الثبات فيها اندفاع المركب في النيل أو قوارب ميراروكا‏.‏
وحين تحولت الكلمة الي مرآة للقلب البشري‏,‏ ولد فن النحت
يقول هنري مور وهو رائد فن النحت الحديث‏:‏

‏[‏أعطي كل شيء اذا أتيح لي أن أكتسب الانسانية الماثلة في التمثال المصري القديم‏..‏ هذا السكون والجلال‏]‏
وتبتسم جامعة‏(‏ أون‏).‏
واذا كان الحصان رمز الفن الإغريقي‏,‏ فإن المركب رمز الفن المصري‏.‏
هناك الدفعة والسرعة‏..‏ وهنا في مصر التحرر والعذوبة والانسياب‏.‏

في الجسم المصري‏,‏ بسطة ورشاقة نخلة النيل‏,‏ إن جسم نفرتاري فيه من روح المسلة‏,‏ الصعود والشموخ‏..‏ والأجسام المرسومة في المعابد رياضية معتدلة حتي وهي جالسة أمام حجر الطاحون‏...‏ حتي عملية الطحن المرهقة تتم مع انتصاب الأجسام‏.‏
إن الخط التصويري المصري مفعم طاقة‏..‏ إنها الصحوة التي تعبر عنها‏,‏ جلسة الكاتب المصري في انتباهة رائعة يستوحي فكره هو‏,‏ لا يملي عليه إملاء‏.‏
ومع هذا الشموخ كله‏,‏ كان المصري يجمع الي الاعتداد‏,‏ السماحة‏..‏ يصور هذا الفن المصري الذي يجمع بين القوة والرقة‏..‏ رقة تتمايل معها الخطوط في الرسوم المصرية تمايل سنابل القمح في حقولنا مع النسمة‏.‏
إنه إعجاز عجزت عنه الفنون في غير مصر‏.‏
للموضوع بقية
محافظ المنيا

آثر الرجل توجيه تكاليف الاحتفال بالعيد القومي للمنيا‏,‏ لافتتاح‏22‏ مدرسة وتدعيم مركز الأورام بالمنيا‏,‏ وافتتاح مركزين طبيين ووحدة صحية ومجمعات لخدمات‏,‏ ومراكز للشباب‏,‏ وترميم مسجد الحسن والقباب الإسلامية والمكتبات الثقافية وإنارة بعض العزب والنجوع‏.‏
وأتذكر وزارات تعلن عن انفاق الملايين في احتفالات مفتعلة لتغطية الغرض الأساسي‏,‏ وترتسم علامات استفهام كثيرة حين يغيب الحساب‏.‏
وزارات ومحافظات وكم بين الثري والثريا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية