الكتاب

41726‏السنة 125-العدد2001مارس4‏9 من ذى الحجة 1421 هـالأحد

عبد الله الطوخي وفن الإخلاص
بقلم: رجاء النقاش

أكثر من اربعين سنة هي عمر الصداقة الروحية الخالصة التي كانت تربط بين الأديب الكبير الراحل عبد الله الطوخي وبيني‏.‏
وعندما علمت بخبر وفاته في الاسبوع الماضي لم تجد عيني قدرة علي البكاء‏,‏ ولم يجد قلبي سبيلا إلي العزاء‏.‏ ورغم أنني مع غيري كنا نتوقع هذا الخبر الحزين بعد أن قال الأطباء في باريس إن المرض الذي أصابه في كبده قد تجاوز فرصة الشفاءمنه‏,‏ فقد شعرت أنني فقدت نقطة ضوء قوية وثابتة في حياتي وحياة الكثيرين ممن يعرفون هذا الأديب الإنسان ويقدرونه حق قدره ويدركون أنه من المعادن التي يصعب تكرارها أو العثور علي بديل لها‏,‏ فقد كان عبد الله الطوخي نغمة موسيقية بالغة الصفاء‏,‏ وهي نغمة تتكون من المواساة والمشاركة والإضاءة المستمرة لينابيع الأمل في حياة الذين فقدوا الأمل وسيطرت علي قلوبهم الأحزان‏.‏

كان عبد الله الطوخي ظاهرة نادرة بين الأدباء والصحفيين من ابناء جيله‏,‏ وهذه الظاهرة لا أجد لها وصفا أو اسما إلا الحياة في إخلاص‏,‏ فقد كان موهوبا موهبة استثنائية في هذا الفن‏..‏ فن الإخلاص‏,‏ وكان إخلاصه ينبع منه بصورة طبيعية كما تفوح الوردة بالعطر‏,‏ أي دون افتعال أو اصطناع أو تكلف‏.‏ ولأن عبد الله الطوخي لم يكن يملك سلطة استثنائية ولم يحرص علي شيء من ذلك طيلة حياته فقد كان اخلاصه لا يلقي ما يساويه من التقدير‏,‏ وكان هذا الاخلاص أشبه بالوردة الزاهية في حديقة عامة يدخلها الناس مجانا ولا يدفعون ثمنا للاستمتاع بعطرها الجميل‏,‏ وبذلك يصبح هذا الورد أقل من قيمته الحقيقية لأنه متاح في سهولة ويسر للجميع‏.‏
عاش عبد الله الطوخي منذ ظهوره علي الساحة الأدبية في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي بمجموعته القصصية الأولي داود الصغير وهو يعمل بصبر وبسالة من أجل أن يكون نظيف اليد والقلب والقلم واللسان‏.‏

واستطاع بشجاعة نادرة وجهد كبير أن يحقق في شخصيته هذا الجمال الإنساني الذي لمم يلوثه شيء علي الإطلاق فكيف استطاع عبد الله الطوخي أو يقضي كل سنوات عمره محافظا علي كل هذا القدر العالي من الصفاء والنقاء في شخصيته وأدبه؟ وما هو الثمن أن الجزاء الذي عاد عليه من الجهد الكبيرالذي بذله في كتاباته المتنوعة وفي شخصيته الإنسانية البديعة؟
أذكر هنا عبارة قرأتها يوما لأحد المفكرين معناها أن الحكم علي الإنسان يكون بتربيته وليس بثقافته‏.‏ وهي عبارة دقيقة ومهمة‏.‏ فكثيرا ما نجد أشخاصا من أصحاب الثقافة العالية‏,‏ ومع ذلك نجد أن التعامل معهم عسير إلي أبعد حد‏,‏ فهم ممتلئون بالغرور والأنانية وعدم المبالاة بمشاعر الناس‏,‏ وقد نجد في أمثال هؤلاء المثقفين عيوبا أخطر وأشد هولا مثل العدوانية والحقد والحسد والرغبة الجنونية في اختطاف ما في أيدي الآخرين والاستيلاء عليه بغير حق‏.‏ والثقافة ـ مهما كانت عالية ـ لا تشفي مثل هذه النفوس المريضة مما تعانيه‏.‏ وهذه النماذج الإنسانية التي لا تنقصها الثقافة وربما لا تنقصها الموهبة أيضا تعاني شيئا جوهريا هو نقص التربية القوية السليمة‏,‏ فمثل هذه التربية هي الأساس الذي يضمن للشخصية سلامتها ومناعتها ضد أمراض النفوس‏.‏ والفارق بين التربية والثقافة هو فارق دقيق يصح الالتفات إليه‏,‏ لأنه يفسر الكثير من الأمور التي قد تبدو في الظاهر غامضة أو متناقضة‏.‏

وعبد الله الطوخي قد وصل إلي ما وصل إليه من صفاء جميل في شخصيته بفضل نشأته الأولي‏,‏ فقد نشأ هذا الأديب الإنسان نشأة الفلاحين‏,‏ وهو من مواليد‏18‏ أغسطس سنة‏1926‏ في إحدي قري المنصورة‏,‏ لم يكن من الفلاحين المسحوقين ولم يكن من المترفين أيضا‏,‏ فقد ورث عن أسرته أرضا زراعية‏,‏ سمعت منه مرة أنها تبلغ أربعين فدانا‏,‏ وقد حقق له إيراد هذه الأرض منذ البداية قدرا معقولا من الاستقرارالاقتصادي‏,‏ فنجا بذلك مما تعرض له معظم الأدباء والفنانين الموهوبين القادمين إلي القاهرة من ريف مصر‏,‏ فالغالبية الكبري من هؤلاء الوافدين كانوا يحملون علي ظهورهم عبئا ثقيلا هو الفقر الساحق‏,.‏ ولذلك فقد كان عليهم أن يكافحوا علي جبهتين في وقت واحد‏:‏ الأولي هي جبهة الرزق الذي كان عسير المنال‏,‏ والثانية هي جبهة إثبات وجودهم الأدبي واقناع الناس بهذا الوجود‏.‏ وقد تخلص عبد الله الطوخي بموارده الثابتة والمحدودة من عناء المعركة الأولي‏,‏ وهي المعركة التي سحقت الكثيرين وتركت في أشخاصهم ونفوسهم آثارا يصعب أن تزول وألجأت بعضهم إلي استخدام اساليب ملتوية جدا للتغلب علي آثار الانسحاق الاقتصادي‏.‏ وقد ساعد الاستقرار المادي المحدود عبد الله الطوخي علي تحقيق المحافظة علي ما في نفسه من عفة طبيعية ظلت مصاحبة له علي مدي حياته كلها‏.‏ فلم يكن أبدا فارغ العين ولم يعرف عنه أحد أنه دخل في صراعات مادية من أي نوع‏,‏ ولم يقاتل أبدا من أجل الوصول إلي مناصب تعطيه سلطة علي غيره وتميزه عن الآخرين‏,‏ فقد عاش راضيا بمنصبه الوحيد الذي اختاره لنفسه ووجد فيه الفرح والمتعة وهو منصب غير رفيع إلا عند صاحبه وعند الذين يتذوقون الجمال الروحاني المعنوي الخالص‏,‏ وأقصد به منصب صاحب القلم الذي يعبر عن مشاعره وأفكاره بإخلاص وأمانة وعذوبة رائعة‏.‏ وهنا نعود إلي نشأة الطوخي وتربيته الأولي الأساسية‏,‏ فقد كانت الكتابة الصادقة بالنسبة له أشبه بالحقل عند أي فلاح يواصل العمل في حقله بصبر ومثابرة‏,‏ ويرضي بما يعانيه من تعب وعذاب‏,‏ لأنه يعرف أن المتعة وانشراح الصدر والبهجة تأتي كلها حين تثمر الأرض السمراء ويتحول وجهها الطيني الي لون أخضر‏.‏ والذين يعرفون طبيعة الفلاح القديم في مصر يعرفون فيه كل هذه المعاني والصفات‏,‏ فهو يجمع في شخصيته بين الصبر والرضا‏,‏ ويبذل جهدا كبيرا يعرف أن نتيجته متواضعة‏,‏ ولكنه مع ذلك يجد متعته وراحته في التعب ومواصلة العمل في حقله الصغير ولو كان قيراطا أو قيراطين‏.‏
وعبد الله الطوخي نشأ علي هذه التربية الريفية التي أصبحت طبيعة متأصلة فيه‏,‏ فقد كان من هذا النسيج العجيب‏,‏ فهو يرضي بالتعب وبذل الجهد مهما تكن النتائج قليلة أو متواضعة‏.‏ وقد بقي هذا الفنان الإنسان يزرع أرضه الأدبية دون أن يشعر بالضيق والملل‏,‏ ودون أن يلعن الناس والحياة‏,‏ أو يتغني باليأس والتشاؤم والشعور بالمرارة لأن حظه كان أقل من حظ غيره‏,‏ أو لأنه لم ينل من الدنياما يتساوي مع قيمة جهده وعمله‏.‏
هذه الطبيعة الريفية المرهفة الأصيلة كانت هي سر الأسرار في شخصية عبد الله الطوخي وفي ذلك الفن الذي أبدعه وكان خير نموذج وهو فن الإخلاص‏.‏

وعندما جاء عبد الله الطوخي في أواخر الأربعينيات إلي القاهرة ليكمل تعليمه في كلية الحقوق التي تخرج فيها ـ أو منها ـ سنة‏1951‏ كانت هذه الفترة أيام اشتعال وغليان وطني كبير‏,‏ وكانت مصر قد تركت كل شيء وخرجت إلي الشوارع لتطالب بحقها في الاستقلال ونصيبها العادل في مجالات الحياة المختلفة‏,‏ وكانت أقدار مصر في ذلك الوقت بيد الاستعمار الانجليزي والارستقراطية المصرية وعلي رأسها القصر الملكي المعزول عن الناس بصورة كاملة‏,‏ وكان الشعب مشطوبا عليه بقلم أحمر‏,‏ ولذلك فقد انتفض هذا الشعب وضاق به الصمت والصبر والحرمان‏,‏ فلم يجد سوي أن يصرخ وينشب أظافره في المعتدين عليه‏,‏ ووصل شعب مصر في تلك السنوات إلي السؤال الخالد وهو أن يكون أولا يكون‏..‏ أن يعيش أو يموت‏..‏ أن يبقي أو يتحول إلي رماد‏..‏ وفي هذا الغضب الشعبي الهائل اندمج عبد الله الطوخي‏,‏ وشارك في إحدي مظاهرات الطلبة التي حاولت اقتحام ثكنات قصر النيل‏..‏ ومكانها الآن فندق النيل هيلتون وقد لقيت هذه المظاهرة وما يشبهها من أساليب المقاومة الوطنية ردودا قاسية من أسلحة الانجليز‏,‏ وسقط فيها جرحي وشهداء كثيرون‏.‏ وإلي هذه الحركة الوطنية انتمي عبد الله الطوخي واندمج فيها بحماس وصدق‏.‏
ثم توالت الأحداث وقامت ثورة يوليو‏1952.‏ وفي
أوائل سنوات الثورة انضم عبدالله الطوخي إلي أحد التنظيمات الشيوعية السرية المتعددة التي كانت منتشرة في مصر في تلك الفترة‏,‏ ودخل السجن في إحدي حملات الاعتقال التي كان يتعرض لها الشيوعيون‏,‏ وبالتحديد في حملة اعتقالات سنة‏1954‏ والتي كان من ضحاياها عدد كبير من المع المثقفين والأدباء في مصر ومنهم فيما أذكر‏:‏ يوسف إدريس وعبدالرحمن الخميسي ومحمد عودة وغيرهم‏,‏ وقد سجل عبدالله الطوخي هذه التجربة القاسية بكل تفاصيلها المثيرة في الجزء الأول من مذاكرته البديعة ذات الأجزاء الخمسة‏,‏ وهو الجزء الذي يحمل عنوان سنين الحب والسجن وكان من أقسي ماجاء في هذه المذكرات ذلك الوصف الإنساني الذي كتبه الطوخي ـ وهو السجين ـ الشيوعي ـ لمشهد عبدالقادر عودة وغيره من قادة الاخوان المسلمين المحكوم عليهم بالإعدام يوم تنفيذ الحكم وخروجهم من السجن الي حبل المشنقة‏,‏ فلم يكن الطوخي وهو المعادي للإخوان في كل شيء يعبر عن أي شماتة‏,‏ بل كان يقدم صورة مؤثرة جدا لذلك المشهد التاريخي الانساني الحزين‏.‏

علي أن أخطر ما خرج به عبدالله الطوخي من تجربته في التنظيم السري الشيوعي وما نتج عن ذلك من سجنه‏,‏ هو السؤال المهم عن العلاقة بين الأدب والعمل السياسي‏.‏ وهل يمكن للأديب الفنان أن يحتفظ بحريته في التعبير عن مشاعره وأفكاره وهو عضو في تنظيم سري أو علني يملي عليه ما ينبغي ان يكتبه‏.‏ لقد راجع الطوخي نفسه مراجعة دقيقة كما تعود ان يفعل طيلة حياته‏,‏ وقام بهذه المراجعة في اخلاص تام كما تعود ان يفعل ايضا‏,‏ لم يخدع نفسه ولم يجاملها في شيء وانتهي الي نتيجة واضحة‏,‏ هي نفسها التي وصل إليها الكثيرون من كبار أدباء العالم عندما مروا في حياتهم بتجربة التنظيمات السياسية السرية او العلنية‏,‏ وما توصل اليه الطوخي هو استحالة الجمع بين حرية الأدب وبين الانتماء الي تنظيم سري او تنظيم سياسي حزبي من اي نوع‏,‏ وخلاصة ما توصل اليه عبدالله الطوخي كما يقول بنص كلماته ان علي الكاتب ألا ينقاد لرأي غيره‏,‏ فردا كان او مجموعة وألا يكون دون أن يدري واحدا في قطيع
وهذه خبرة رائعة ومهمة ويستطيع من يريد ان يعرف تفاصيلها ان يعود الي مذكرات الطوخي الرائعة بأجزائها الخمسة‏,‏ فالقرار بالابتعاد عن العمل السياسي نهائيا لم يكن قرارا سهلا‏,‏ وقد اجتاز هذا الكاتب الفنان في سبيل الوصول الي هذا القرار صعوبات كثيرة كشف عنها بوضوح وامانة في مذكراته‏.‏

وفي فن الاخلاص الذي كان عبدالله الطوخي نموذجا له ومبدعا من كبار مبدعيه نجد انه كان يحمل إيمانا غير محدود بأهمية التجربة الواقعية‏,‏ فالفن الحقيقي عنده لم يكن خيالا ولا تأملات يتوصل اليها الفنان وهو جالس في غرفة مغلقة فمهما يكن خيال الفنان قويا وشديد الخصوبة‏,‏ فإن الواقع هو سيد الموقف في أي فن حقيقي‏.‏ وقد اخلص عبدالله الطوخي لهذه الفكرة ـ كعادته دائما ـ اخلاصا غير محدود فكان معظم انتاجه الأدبي في المرحلة الاولي مستمدا من تجربته كفلاح مع الفلاحين‏.‏ وسوف نجد ذلك واضحا تمام الوضوح في مجموعته القصصية الاولي داود الصغير ومجموعته الثانية في ضوء القمر وفي هذه الأعمال كلها وضع الطوخي يده علي فكرة رئيسية ظل يعزفها بعذوبة وجمال علي مدي حياته كلها‏,‏ وهي ان الحياة في الريف تحمل تناقضا اساسيا ينبع منه كل فن حقيقي‏,‏ فالطبيعة في الريف جميلة جدا ولكن الانسان ـ والفلاح علي وجه الخصوص ـ يعاني العذاب والتعاسة والحاجة‏.‏ ومن الشرارة المنطلقة بسبب الاحتكاك الشديد بين جمال الطبيعة وعذاب الانسان يمسك الفنان بما ينبغي ان يقدمه للناس‏,‏ وبذلك يكون الفن صادقا لانه ينبع من الواقع ويكون فنا له رسالة يؤديها‏,‏ وهي تعبئة المشاعر العامة ضد العذاب الانساني والاوضاع الإجتماعية الخاطئة‏.‏

ومن شدة ايمان عبدالله الطوخي بان معرفة الواقع ضرورية للفن‏,‏ وان التجربة الواقعية الصادقة الواعية هي مصدر الهام الفنان قبل اي مصدر آخر اندفع عبدالله الطوخي الي تجربة مثيرة وفريدة في الادب العربي المعاصر‏,‏ فقد ترجم في قلبه وعقله كلمة مصر واصبحت هذه الكلمة هي النيل ولذلك قرر يوما ان يفهم النيل وان يعيش معه بصورة حقيقية‏,‏ فسافر علي مركب شراعي من نيل القاهرة الي جنوب السودان حتي وصل الي منابع النيل وسجل هذه الرحلة الصعبة الفاتنة في كتاب من اربعة أجزاء هو النهر ولا اعرف بين أدبائنا المعاصرين من بذل مثل هذا الجهد‏,‏ ولا من اكتشف كل هذه الاكتشافات الإنسانية العجيبة التي يمتليء بها كتاب رباعية النهر لعبد الله الطوخي‏.‏
لا حدود للمعاني الكثيرة التي ترتبط بشخصية عبدالله الطوخي وأدبه‏.‏ وهي كلها معان لا يستوعبها مقال او مقالات‏,‏ ولا يمكن التعبير عنها بسهولة في لحظات الحزن الغامر علي هذا الطيف الذي رحل عنا كما ترحل العصافير والأحلام الجميلة في وداعة وهدوء ورفيف جناحين ناعمين لايعرفان الضوضاء او الضجيج ويكفي هنا ان ان أشير الي بعض اللمحات حول شخصية هذا الاديب الذي ابدع فن الاخلاص وأكثر ما أحرص علي الاشارة إليه هنا هو ان عبدالله الصوخي كان مقاتلا نبيلا ضد اليأس والتشاؤم والإحباط‏,‏ ففي كل ما كتبه نجد شعاعا من النور يضيء بالأمل‏,‏ حتي وإن كان خافتا بسيطا‏,‏ ولم يدفعه ذلك ابدا الي ان يكون كاتبا رومانسيا خياليا يملأ كتابته بالأوهام واساليب التخدير المعنوية التي تخفف الآلام بصورة مؤقتة‏,‏ فقد كان الطوخي واقعيا يدرك صعوبة الحياة وعناصر المأساة فيها‏.‏ ولكنه كان صاحب قلب كبير‏,‏ وكان شديد الايمان بأن مهمة الفنان هي أن يبعث الأمل ويحرك النفوس ويحارب عوامل الإحباط واليأس‏,‏ وقد ظل يحمل مصباح الأمل والتفاؤل حتي آخر لحظة في حياته‏,‏ وفي‏,‏ وفي آخر قصة قرأتها له ونشرها في مجلة صباح الخير قبل وفاته بعشرين يوما يقول فلنثق بالعدالة الطبيعية‏,
,‏ وأنها لابد يوما آتية وهذا كان ايمانه الراسخ علي الدوام فما من جهد يضيع‏,‏ وما من شر ينتصر علي طول الخط‏,‏ وما من خير إلا وله ثمرة وإن تأخر الوقت‏,‏ ومن ظلام إلا وله فجر وهذه النغمة الأصيلة عند عبدالله الطوخي فيها يقوي علي الكثيرين الذين يرون أن الأدب اليائس المثير للإحباط والباكي علي مايستحق ومالا يستحق هو الأدب الباقي‏,‏ وهو الأدب الوحيد لقد كان عبدالله الطوخي فارسا شجاعا في حربه الهادئة المستمرة ضد أدب الإحباط واستسهال التعبير عن اليأس والحياة المشوهة‏,‏ لا أذكر أنني التقيت يوما بعبد الله الطوخي إلا وكان معنا شخص ثالث تكاد نلمسه بأيدينا ونتحدث اليه وجها لوجه‏,‏ رغم ان هذا الشخص لم يكن موجودا معنا ابدا الا بروحه‏.‏ هذا الشخص الثالث هو الاديب الروسي الإنساني النبيل انطون تشيكوف ولولا انني أخاف من الغلط والتجاوز لقلت إن تشيكوف هو أنبل اديب عرفته الانسانية في تاريخها كله فقد كان تشيكوف نبيلا بحق‏,‏ كما تقول كتاباته‏,‏ وكما تقول سيرة حياته وكان تشيكوف هو صديقنا الدائم الثالث في مئات المرات التي التقيت فيها مع عبدالله الطوخي وحدنا وكان تأثير تشيكوف شديد القوة والوضوح علي كل كتابات الطوخي‏,‏ كما كان تأثيره بالغ القوة علي حياته واخلاقه‏.‏ وعن تشيكوف كتب الطوخي مرة يقول‏:‏ ما كل هذه البصيرة النفاذة التي تكتشف ماتحت الجلد كأنها عين نسر ترقب وتكشف من اعالي القمم أدق تفاصيل مايجري علي أرض البشر وما يدور داخل أركان النفس الإنسانية‏..‏ اجل وما كل هذا المزيج الرائع الساري في قصصه بين الانسان وبين الطبيعة حتي يتحولا الي عنصر كوني واحد‏..‏ وايضا ما كل هذا العشق للحياة حتي في مناطق الكآبة والألم‏..‏ لقد غزا حب هذا الكاتب قلبي وفي صحبته استعدت معه نغمتي الضائعة وتمنيت لو أنني كنت اعيش في عصره‏..‏ وآه لو أننا كنا نسكن مدينة واحدة

كأن عبدالله الطوخي في هذه الكلمات يكتب دون ان يدري عن نفسه لا عن استاذه ومعلمه ونور حياته تشيكوف
كان عبدالله الطوخي نموذجا حيا لفن الاخلاص وكان لديه قدرة مقنعة الي ابعد الحدود علي التشجيع الحقيقي النبيل وكثيرا ما استمعت الي صوته بعد ان يقرأ لي كلمة هنا أو كلمة هناك‏,‏ فكان صوته الخشن الدافيء القوي الانيس يغسل نفسي من كل الهموم واتصوره بعد رحيله سوف يقرأ هذه الكلمات عنه وسوف يحدثني كعهدي به في التليفون وانه سوف يقول لي بعض ان رحل راضيا ومرضيا عنه‏..‏ أنا في انتظارك ولعلنا ياشقيق الروح نلتقي وجها لوجه في عالم آخر‏.‏ صافيا مثل صفائك‏.‏ خاليا من الصراعات والهموم كما كنت تريد للحياة‏..‏ ان تكون‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية