قضايا و اراء

41748‏السنة 125-العدد2001مارس26‏غرة المحرم 1422 هـالأثنين

مراهقة الكهول
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

أصابني أسف شديد أن أقرأ في صحيفة كبري خبرا عنوانه نواب الشعب يطالبون بانتاج الفياجرا محليا‏.‏
لقد روعت لهذا العنوان تري هل انتهت أزمات مصر جميعا ولم يبق إلا المطالبة بانتاج الفياجرا محليا‏,‏ هل انتخب الشعب نوابع ليطالبوا بانتاج دواء له خواص ليس من شأنها أن يعلن رجل يحترم نفسه أنه محتاج إليها‏.‏
فالصلات الخاصة تكتسب بهاءها من كتمان أمرها وليس من شأنها أن تذيع‏.‏

وإنها لكارثة كبري ان تسمع من مجلس الشعب مقولات تقترب من الكتب الذميمة التي يحاول أصحابها أن يشتهروا بها علي حساب الأخلاق والحياء‏.‏
وقد سمعنا أن أحد النواب طالب بأشياء أعف أن أضعها علي سن قلمي‏.‏
ورأينا نائبا بمجلس الشعب يقدم استجوابات للوزير لتأخره في تعيينه بمكان ما‏.‏

وتلك لعمري كبريات تشوه وجه الحياة النيابية في مصر وإذا شاهت صورة مجلسي الشعب والشوري شاه معها وجه مصر جميعا ودعونا نذكر بيت المتنبي العظيم‏:‏
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
أين المطالبون بانتاج الفياجرا بمصر من مشكلة التعليم المتردي الذي جعل خريجي الجامعة لا يكادون يحسنون القراءة وأين هم من الدورس الخصوصية التي لا حل لها حتي أصبحت مفروضة علي الشعب فرضا لايقبل المناقشة ولم تجد وهيهات أن تجدي مع هؤلاء المدرسين القوانين التي تحمل العقاب فقد أصبحت الدروس الخصوصية شأن الرشاوي تتم في الخفاء وتعمي عنها القوانين والعقوبات والجزاءات‏.‏
وبهذه الدروس الخصوصية وبما تفرضه المدارس علي تلاميذها من مبالغ تتستر بأسماء مبهمة أصبحت مجانية التعليم غائبة لاوجود لها‏,‏ هذا إلي جانب هزال التعليم وضعفه في مصر وانا نعجب ألا يهتم أحد بهذا الأمر الجلل في حين نجد انجلترا في السنوات الأخيرة تبذل أقصي الجهد لترتفع بمستوي التعليم فيها وعلم الله انه تعليم جيد ولكن الدول الكبري تصر أن يكون التعليم في أسمي مكانة له‏.‏

يحدث هذا في انجلترا بينما نظل نحن والتعليم عندما في حالة هوان ما بعده هوان‏,‏ ولانحاول ان ندركه ونتدارك هوانه‏.‏
وأبنية بعض المدارس لايوجد بها مراحيض وبعضها لايوجد بها الكراسي الكافية للتلاميذ‏,‏ ولكن مجلس الشعب يطالب بانتاج الفياجرا بمصر‏.‏

وأين المطالبون بانتاج الفياجرا من مشكلة البطالة التي كان السبب فيها وعد أهوج بتعيين جميع الخريجين وهو وعد يحاول ان يغتصب رضاء الجماهير التي كانت تعاني من الظلم والبغض والجبروت‏,‏ ولم يستطع الحكم أن يفي بوعده بل استطاع أن يكبل الحكومات المتعاقبة بسلاسل من حديد وجعلها مسئولة أمام الخريجين بما لاتطيقه حكومة في العالم‏.‏
وعن هذا الخرق نفسه صدر قانون بامكان الجمع بين عضوية المجالس التشريعية وبين البقاء في الوظائف الحكومية وتلك لعمري عجيبة من العجائب فالمفروض في النائب ان يسائل الوزير فكيف لموظف ان يحاسب وزيره اللهم إلا إذا كان سينافقه ويبالغ في نفاقه ويسقط عن النائب جلال الرقابة البرلمانية سقوطا فادحا لتصبح مديحا كاذبا واستجداء لرضاء الوزير‏.‏

ولست أطالب الاعضاء في المجلسين التشريعيين بمناقشة هذا الموضوع اليوم ولكني أطالبهم أن ينأوا بأنفسهم عن المطالبة بانتاج الفياجرا محليا‏.‏
يطالبون بانتاج الفياجرا محليا غافلين عن الازمات الاقتصادية والاجتماعية التي ان لم يكن فيها إلا أزمة الاسكان لكان حسبها قسوة وهذه الأزمة نشأت يوم تدخل الحكم الديكتاتوري في العلاقة بين المالك والمستأجر ومنذ ذلك اليوم الأسود عزف القادرون عن بناء المساكن واختفت لافتات شقة للإيجار وانتهي الأمر بعائلات الشعب المصري إلي ان يسكنوا المقابر أوينشئوا العشوائيات التي أصبحت مع مخالفتها للقانون منتشرة في مصر جميعا حتي اضطرت الحكومات التي يفترض فيها ان تحاسب الغاصبين من أصحاب العشوائيات اضطرت ان تستجيب لمطالبهم بإدخال الكهرباء والماء‏.‏

ولكن مجلس الشعب يطالب بانتاج الفياجرا محليا ولايبحث مجلس الشعب في مشكلة الاستيراد والتصدير وفيوالبضائع التي تصدر وكيف تتجاهلها السوق العالمية لعدم الجودة التي تنافس انتاج الدول الأخري‏.‏
ولكن مجلس الشعب يطالب بانتاج الفياجرا ويغفل المجلس الوضع المفجع الذي صارت إليه الثقافة في مصر فالكتاب أصبح مشلولا لايستطيع أن يسعي إلي قرائه بأسعاره الفادحة ولايبحث مجلس الشعب في محاولة حماية ادوات الطباعة من الجمارك الباهظة المفروضة عليها لتتيح للكتاب ان ينتعش وينتشر شأنه في الدول الكبري المتقدمة التي مازال الكتاب بها هو سيد وسائل الثقافة والتي تدين بالمقولة الخالدة ان الثقافة كتاب‏.‏

ولاينظر مجلس الشعب إلي حال المسارح التي أصبحت بفضل المشرفين عليها كباريهات وملاهي ليلية يعمرها الرقص الرخيص المبتذل وتعف عنها الأعمال الأدبية الكبري التي تعرفها مصر لأمير الشعر العربي أحمد شوقي وخليفته عزيز اباظة وتوفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير والفريد فرج‏.‏
وأصبح لايعرض علي المسسارح إلا الهزيل الحقير من المسرحيات التي تتيح للممثلين أن يصبحوا راقصين وتتيح للمسرح المصري الذي كان شاهقا يحيط به الشرف والاجلال ان يتردي إلي ادني حضيض‏.‏

ولكن مجلس الشعب يطالب بانتاج الفياجرا في مصر‏.‏
والذي هوي إليه المسرح هوت إليه السينما بما هو أبشع وران عليها الفقر والجهل والمرض والهذر والرخص‏.‏

ولكن مجلس الشعب يطالب بانتاج الفياجرا محليا‏.‏
وليس أمامنا إلا أن نتجه إليه سبحانه أن يلهم نوابنا من أمرهم رشدا وليس شيء عليه سبحانه ببعيد‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية