قضايا و اراء

41737‏السنة 125-العدد2001مارس15‏20 من ذى الحجة 1421 هـالخميس

دلالات وشائج الوحدة الوطنية
بقلم ‏ :‏د. نبيل لوقا بباوي
أستاذ القانون الجنائي

منذ أن دخلت المسيحية إلي أرض مصر علي يد مارمرقس الرسول عام‏55‏ م وفي أرض مصر في عام‏61‏ م كتب إنجيله وهو إنجيل مرقس‏,‏ حيث كان مارمرقس من السبعين تلميذا للسيد المسيح‏,‏ وكان عدد سكان مصر في ذلك الوقت نحو اثني عشر مليون نسمة‏,‏ واتخذ مارمرقس من الإسكندرية مقرا لخدمته‏,‏ حيث كانت مكانا لأهل العلم والمعرفة‏,‏ وكانت لها المرتبة الثانية في العالم بعد روميه‏,‏ وعاش بالإسكندرية إلي أن تآمر عليه الوثنيون وقتلوه في‏27‏ أبريل‏68‏ م‏,‏ حيث أوقدوا النار في جسده وقد خطف المسيحيون جسده ودفنوه في كنيسة بوكاليا بالإسكندرية‏,‏ ومنذ ذلك الحين بدأ انتشار المسيحية في مصر وفي عام‏610‏ م تمكن الفرس من هزيمة الرومان‏,‏ واستولوا علي مصر‏,‏ وقاموا بقتل ثمانين ألف رجل من الأقباط‏,‏ وكان بمصر‏620‏ ديرا دمروا كل الأديرة ونهبوا ما بها من خيرات‏,‏ وبقيت مصر في يد الفرس عشر سنوات بعيدا عن الرومان‏,‏ حتي تمكن هرقل من هزيمة الفرس وإعادة الحكم الروماني إلي مصر‏,‏ وقد أذاق هرقل الروماني المسيحيين في مصر الخراب والعذاب ألوانا‏,‏ لأنهم تمسكوا بديانتهم الأرثوذكسية ورفضوا الانضمام لتعاليم كنيسته الرومانية التي تختلف عن تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية حول طبيعة السيد المسيح بعد ا لخلاف الذي تفجر بين الكنيستين في مجتمع خلدونين‏,‏ فقام هرقل بنهب كنائس المسيحيين الأرثوذكس وسلب منازلهم‏,‏ وظل يفتك بهم ويقتلهم حتي هرب بطريرك الأقباط الأرثوذكس البابا بنيامين إلي الصحراء ومعه بعض الرهبان‏,‏ لأنه كان مطلوبا للحاكم الروماني حيا أو ميتا‏,‏ وقد أقام هرقل علي مصر واليا من قبله وهو المقوقس‏,‏ وفي عام‏639‏ م بدأ الفتح الإسلامي إلي مصر فدخل العريش‏,‏ ثم إلي بلبيس‏,‏ وفي عام‏640‏ م انتصروا علي المقوقس‏,‏ الذي أجري الصلح مع عمرو بن العاص‏,‏ وأعطي الأمان للأقباط علي أنفسهم وعلي كنائسهم وإقامة شعائرهم‏,‏ وعاد البابا بنيامين لممارسة أعماله وشعائره‏,‏ وكان علي كل قبطي دفع الجزية وكان عدد الأقباط في ذلك الوقت ستة ملايين قبطي‏,‏ وكانت الجزية عبارة عن دينارين ماعدا الشيخ والولد البالغ من العمر‏13‏ سنة والمرأة تم اعفاؤهم منها‏,‏وكانت هذه الجزية تدفع مقابل الاشتراك في المرافق العامة ومصاريف الجيوش والجنود‏.‏

ومنذ ذلك الحين أصبح في مصر ديانتين المسيحية الأردثوذكسية والإسلام ومرت علي مصر عهود كثيرة بعد ذلك فبعد العهد الإسلامي جاء العهد الأموي في عام‏668‏ م ثم العهد العباسي في عام‏745‏ م ثم العهد الطولوني في عام‏868‏ م‏,‏ ثم العهد الأخشيدي في عام‏935‏ م ثم العهد الفاطمي في عام‏969‏ م وبدأ بناء الأزهر الشريف وله الآن في مصر أكثر من ألف عام‏,‏ ثم العهد الأيوبي في‏1170‏ م‏,‏ ثم المملوكي في‏1250‏ م‏,‏ ثم العثماني في‏1570‏ م ثم الاحتلال البريطاني في‏1882‏ م ثم الثورة في‏1952‏ م‏.‏
وكانت علاقة المسلمين بالأقباط وعلاقة الأقباط بالحكم مذبذبة بين الصعود والهبوط غير مستقرة إلي أن جاء عهد مبارك وتغير وجه الحياة في مصر في جميع المحاور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وأصبحت السمة الأساسية عدم التعصب‏,‏ حيث رفع مبارك شعار‏(‏ الدين لله والوطن للجميع‏)‏ بمصداقية شديدة في كل تصرفاته وقراراته وأقواله بعد أن كان ذلك الشعار في عهود سابقة يطلق في الخطب الرنانة والشعر والمناسبات القومية‏..‏ والدليل علي ذلك هذه العلاقة الحميمة بين الأقباط والمسلمين هذه العلاقة الحميمة‏,‏ والصداقة الأخوية بين البابا شنودة وشيخ الأزهر الدكتور طنطاوي‏..‏ فالبابا شنودة هو البطريرك‏117‏ منذ دخول المسيحية مصر ومنذ إنشاء الأزهر الشريف في عهد الفاطميين لم تكن علاقة بطريرك الأقباط وشيخ الأزهر بمثل هذه المحبة والصداقة‏..‏ وهذه ترجمة صادقة وحقيقية لعهد مبارك مهندس الوحدة الوطنية‏,‏ فالعلاقة بين شنودة وطنطاوي علاقة غير مسبوقة فهما صديقان علي المستوي الشخصي وفي جلساتهم الخاصة وقد حضرت بعضها منها نجدهما يسردان الشعر والنكات الفكاهية والقفشات المصرية‏..‏ وبعض النكت الفكاهية في جلساتهما قالها البابا شنودة إن شيخا مسلما وقسيس
ا قبطيا وحاخاما يهوديا جلسوا مع بعضهم وسألوا بعضهم‏:‏ كيف يتم توزيع النذور بينهم وبين الله؟ فقال الشيخ المسلم انه يلقي الفلوس إلي أعلي في اتجاه السماء‏,‏ إذا نزلت الفلوس علي الأرض علي وجه الرسم تكون من حق الله‏,‏ وإذا نزلت علي وجه الكتابة تكون من حق الشيخ‏..‏ وقال القسيس إنه يلقي الفلوس إلي أعلي في اتجاه السماء ويرسم دائرة علي الأرض إذا نزلت الفلوس داخل الدائرة تكون من حق الله‏,‏ وإذا نزلت الفلوس خارج الدائرة تكون من حق القسيس‏..‏ وقال الحاخام اليهودي إنه يلقي الفلوس إلي أعلي في اتجاه السماء ليأخذ الله ما يريده وما ينزل علي الأرض من الفلوس يكون من حق الحاخام اليهودي‏.‏
وقد حضرت الكثير من الندوات التي تجمع بينهم‏..‏ فقد كان الدكتور طنطاوي يردد دائما أن الأقباط والمسلمين متساوون في الحقوق والواجبات‏..‏ لهم ما لناوعليهم ما علينا‏,‏ وأن الديانة الإسلامية لا تعرف معني التعصب مع أصحاب الديانات المخالفة‏,‏ لا إكراه في الدين‏,‏ وفي تلك الندوات دائما يردد البابا شنودة إن عهد مبارك لا يعرف التعصب الديني‏,‏ وأن مصر وطننا يعيش فينا‏,‏ وقد تحدث بعض الحوادث الفردية نتيجة عدم الثقافة‏,‏ ولكنها لا تؤثر علي الخط العام في عهد مبارك الذي يؤكد الوحدة الوطنية‏.‏

وفي جميع الندوات التي حضرها البابا شنودة والدكتور طنطاوي لم يختلفا أبدا في ارائهم‏,‏ بل كل منهما يكمل الآخر في إظهار سماحة الأديان السماوية‏,‏ والتعاون في محبة بين أصحاب الديانات السماوية‏..‏ وأستطيع أن أؤكد أن العلاقة بين بطريرك الأقباط وشيخ الأزهر لم تكن في العهود السابقة بمثل هذه الدرجة من السمو انها نتاج عهد لا يعرف التعصب الديني بين الأقباط والمسلمين استطاع مبارك بفضل صفاته الشخصية أن ينسجه خلال العشرين سنة الماضية‏,‏ وتم إعادة برمجة العلاقة بين المسلمين والأقباط من خلال منظور الوحدة الوطنية‏,‏ وعلاقة شنودة وطنطاوي خير قدوة لعلاقة القساوسة والمشايخ والمسلمين والأقباط من أفراد الشعب المصري‏..‏ وهذه العلاقة استطاعت التغلب علي بعض الثقافات الموروثة غير الصحيحة في صعيد مصر وكان من جمال العلاقة بين شنودة وطنطاوي هو التركيز دائما علي المسائل الاتفاقية بين الأديان ونبذالحديث في المسائل الخلافية لإظهار سماحة الأديان السماوية بين جميع أفراد الديانات المختلفة في علاقات محبة وصداقة‏.‏
لذلك أقول لمحمد حسني مبارك‏:‏ شكرا‏..‏ اننا عشنا عهد مبارك مهندس الوحدة الوطنية الذي لا يعرف معني التعصب وأصبح نموذج شنودة وطنطاوي في المحبة والصداقة نموذج يقتدي به بين المسلمين والأقباط‏,‏ ومن يخرجا عن هذا النموذج يصبح مستهجنة وشاذا ويشوه الصورة الجميلة للوحدة الوطنية التي هي طوق النجاة لمستقبل الشعب المصري‏.‏

وأخيرا في عهد مبارك خرج الأقباط من شرنقتهم لينفتحوا علي الحياة السياسية فدخلوا انتخابات مجلس الشعب الأخيرة ورشحوا أنفسهم ونجحوا‏..‏ فهذا هو رامي في الظاهر ومنير فخري في الوايلي ويوسف بطرس في المعهد الفني نجحوا بفضل أصوات المسلمين قبل أصوات الأقباط‏,‏ ولولا أصوات المسلمين لما نجحوا‏..‏ وقد أعادوا لنا الزمن الجميل في الوحدة الوطنية أيام سعد زغلول‏.‏
ولذلك خرج الأقباط من قوقعتهم وبدأوا في الاستثمار داخل مصر بالمليارات وبدأوا في جلب أموالهم من الخارج واستثمارها داخل مصر لإحساسهم بالأمان والاستقرار‏.‏
ومن المعروف أن رأس المال جبان‏,‏ ولكن لأن مصر أصبحت في عهد مبارك كلها أمان‏,‏ تم استثمار المليارات من الأقباط داخل شرايين الاقتصاد المصري‏,‏ وكذلك خرج الأقباط من قوقعتهم واندمجوا في الحياة الاجتماعية والثقافية وكل محاور الحياة مصريين محبين لمصر ولهم جميعا القدوة في علاقة شنودة وطنطاوي بفضل المناخ الجميل الذي أرسي قواعده مايسترو الوحدة الوطنية مبارك الشهم ابن البلد‏..‏ الذي أعطي المثل الحي لتصرفات الشهامة داخل مصر وخارجها‏,‏ فأصبح أحد رموز قادة العالم لا يمكن أن يتخذ قرار في منطقة الشرق الأوسط دون أن يستشار فيه‏..‏ مما يدل علي قوة العلاقة والصداقة بين البابا شنودة والدكتور طنطاوي أن نادي لينز القاهرة عقد لقاء منذ عدة أيام برئاسة المحاسب نبيل البشبيشي وكان ضيف اللقاء البابا شنودة‏..‏ فأكد في هذا اللقاء أنه لن يدخل القدس إلا وفي يديه أخوه الدكتور طنطاوي‏,‏ وأنهم لن يحصلوا علي تأشيرة دخول القدس من السفارة الإسرائيلية‏,‏ بل سيأخذون تأشيرتهم من الدولة الفلسطينية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية