قضايا و اراء

41699‏السنة 125-العدد2001فبراير5‏11 من ذى القعدة 1421 هـالأثنين

الشهرة والكرامة
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

لاشك أن الشهرة هدف عظيم يسعي إليه الكثيرون ولا بأس علي هؤلاء الساعين أن يدأبوا في سعيهم ما وسعهم الدأب والجهد ولكن الأمر الأساسي هو لون هذه الشهرة التي يلهثون في سبيلها‏.‏
كثير من المجرمين السفاحين تحيط بهم الشهرة الواسعة‏.‏

وهناك مشاهير في النصب والاحتيال وهناك مشاهير وصلوا إلي الشهرة عن طرق خسيسة مخزية من هؤلاء الذين يكتبون كتبا تلجأ إلي الجنس الوضيع وهناك مشاهير بلغوا الشهرة بهجومهم علي الإعلام السامقة ولعل أقرب مثال لهؤلاء الحقراء أو تلك الذين هاجموا الدكتور طه حسين باشا ومن هم في مثل قامته المديدة كالدكتور محمد حسين هيكل أو العقاد أو توفيق الحكيم أو محمود تيمور ومن يقف في مشارفهم الرفيعة وهناك من سعي إلي الشهرة بالكفر والتهجم علي الله جل وعلا والتنقص من الأنبياء والمرسلين صلي الله عليهم وسلم‏.‏
وهناك من يهاجم القيم العليا للمجتمع ويصك مواطنيه بالتطاول علي المسلمات الشريفة من أخلاقهم ومعتقداتهم‏.‏

هؤلاء الباذلون جهدهم في السعي الحثيث الي الشهرة عن هذه الطرق الحقيرة مساكين‏.‏ إنهم ينالون الشهرة فعلا ولكنها شهرة موقوته ـ فما قيل ضوأ حتي خبا‏.‏
إنها شهرة ملاوه ضئيلة من الزمن ثم مايلبث أمرهم أن ينزوي منكمشا في زوايا النسيان والخمول لايعرف أحد ولايسمع إنسان عنهم كلمة أو خبرا‏.‏

وأذكر أن أحد هؤلاء ألف كتابا في الهجوم علي عميد الادب العربي طه حسين وأقسم غير حانث أنني نسيت إسم صاحب الكتاب القمئ وأقسم غير حانث أيضا أن كتابه الملفق قد جعل الشعب المصري يزداد إجلالا لطه حسين إن كان لمزيد من سبيل
وكم يؤسفني أن أذكر أن هذه المحاولات لم تكن مقصورة علي الصغار التافهين بل أن هناك عمالقة وقعوا فيها ولكنهم بذكاء شديد مالبثوا أن عدلوا عنها وعادوا إلي الطريق السوي‏.‏ وفي هذا الطريق نالوا من الشهرة مالم ينالوه بإساءتهم إلي المشاهير‏.‏

أذكر في عام‏1938‏ أقيم حفل تكريم لذكري شاعر النيل حافظ إبراهيم‏.‏ وكان من بين المتحدثين الكاتب العملاق ـ فنا لاجسما ـ إبراهيم عبد القادر المازني‏.‏
وقد دهش الجمهور الذي جاء لحضور هذا الحفل حين وجد اسم المازني بين المتحدثين فكلهم كان علي علم وثيق بهجوم المازني والعقاد علي شوقي وحافظ هجوما عنيفا غاية في القسوة والشدة وكنت أنا واحدا من المندهشين وكان عمري عام ذاك أحد عشر عاما

وفي الحفل كان المازني من أوائل المتحدثين وأشرأبت رؤوس الحاضرين لتري ماذا هو قائل عن الشاعر العظيم الذي يقام الحفل تكريما لذكراه‏.‏
كان منبر المتحدثين في دار الأوبرا في عمق بعيد من المسرح بما يجعله قصيا عن الجمهور‏.‏ بدأ المازني خطابه ببضع جمل تضفي علي حافظ إبراهيم مديحا وثناء‏.‏ وفجأة ترك المازني مكانه علي المنبر وتقدم إلي المسرح حتي أصبح قريبا كل القرب من الجمهور‏,‏ ووقف في ثبات وقال في حسم صادق رفيع مامعناه أشهد الله والحق أنني والعقاد كنا نهاجم شوقي وحافظ لهدمهما ونقف علي حطامهما فلم ننل بهجومنا إلا من الحق ومن أنفسنا وإني أعلن هذا اليوم إعلاء لعظمة الشاعرين الكبيرين‏.‏

هكذا يفعل الكبار حين يحيد بهم الطريق عما هو جدير بأمثالهم‏.‏
ولكن الذي صنع هذا الصنيع كاتب عظيم سعت إليه الشهرة بما خطه قلمه الرشيق من مقالات وروايات‏,‏ تعتبر من أهم ماتضمه المكتبة العربية الحديثة‏.‏

وهيهات وألف هيهات أن يفعل مثله الاأقزام الذين تراهم اليوم يتسللون إلي الشهرة تسلل اللصوص متخذين الجنس وسيلة لهم خابت من وسيلة أو متهجمين علي الأديان السماوية متوهمين أن الصدام مع مشاعر الجماهير ومقدساته هو أقرب الطرق التي تتيح لهم ماهم منهومون له من شهرة‏.‏ أو أولئك الذين يتصدون للعمالقة خاب فألهم ليسرقوا شهرتهم البخيسة من شهرة العظماء السامقة‏.‏
إن هذا المنحدر الوضيع الذي يتهاوي بهم إلي الحضيض من الدرك الأسفل من الخلق لن ينالوا به ما هم متكالبون عليه من شهرة‏,‏ إلا سحابة من نهار أو غشاوة من ليل ثم هم بعد ذلك منقلبون إلي حمأة المجاهيل الذين لا يعرفهم أحد والذين يصدق عليهم البيت الشهير الجهير‏.‏

بين الأنام أناس لاتحسهمو
كأنهم من هوان الشأن ما وجدوا

إن الشهرة إذ لم تأت إلي صاحبها يحيط بها الإجلال والاحترام والإكبار تكون وباء وسفولا وانحطاطا حتي لايتمني صاحبها أن تزول عنه فالكرامة كل الكرامة في زوالها والخزي كل الخزي في بقائها
وصدق سبحانه الذي قال فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض سما علاه وله الإجلال والإخبات والقنوت‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية