قضايا و اراء

41720‏السنة 125-العدد2001فبراير26‏3 من ذى الحجة 1421 هـالأثنين

بل هم باقون
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

أحسب أنه ليس هناك شعب في العالم يحرص أن يكون منتميا لحزب حرص الشعب المصري وهي ظاهرة أعتقد أنها من نفوس المصريين بعد ثورة‏1919‏ بسنوات قليلة وقد تضخم هذا الاصرار علي الانتساب لحزب بعد اعلان تصريح‏28‏ فبراير الذي كان بطله الفذ عبدالخالق ثروت باشا وكان ساعده الأيمن فيه اسماعيل صدقي باشا وقبل أن أستطرد أحب أن أروي اليك بعض أبيات لأمير الشعر العربي أحمد شوقي يرثي بها ثروت باشا الذي لقي ربه في فرنسا التي سافر اليها ليجري بعض المفاوضات المتممة لاستقلال مصر يقول شوقي‏:‏

يموت في الغاب أو في غيره الأسد
كل البلاد وساد حين تتسد
قد غيب الغرب شمسا لا سقام بها
كانت علي جنبات الشرق تتقد
حدا بها الأجل المحتوم فاغتربت
إن النفوس الي آجالها تفد
يفاخر النيل أصداف الخليج بها
وما يدب الي البحرين أو يرد
إن الجواهر أسناها وأكرمها
ما يقذف المهد لا ما يقذف الزبد

والخليج الذي جاء ذكره بالأبيات هو الخليج الفارسي وهو مشهور بأنه غني بالؤلؤ‏.‏
وأجد حتما علي أن أذكر بعض ما كسبته مصر من تصريح‏28‏ فبراير الذي صدر من جانب بريطانيا وحدها وبه أصبحت مصر دولة ذات سيادة حاكمها ملك لا سلطان وأصبح لها الحق في وضع دستور لها وإقامة سلطة تشريعية متمثلة في مجلس شيوخ ونواب وأصبح من حقها أن يكون لها سفراء يمثلونها كدولة حرة وليست تابعة للتاج البريطاني وقبل أن يصدرالتصريح ذاعت بعض مواده وكان عجيبا أن يقول سعد باشا الذي كان خصما لثروت وصدقي معا لو أتي ثروت بهذا التصريح سأقول عنه انه من صنائع الإنجليز ولهذا أعطوه هذا التصريح واذا لم يأت به سأقول انه يمني الأمة بأمنيات لا يستطيع تحقيقها‏.‏
وليس هذا غريبا علي سعد باشا الذي وصف اللجنة التي شكلت لوضع الدستور بأنها لجنة الأشقياء والمجرمين‏.‏
وبهذا الدستور نفسه استطاع حزب الوفد أن يحصل علي أغلبية ساحقة في مجلس النواب الذي نشأ بناء علي الدستور الذي وضعته لجنة الأشقياء والمجرمين وكم في السياسة من عجائب‏.‏

كان أكبر حزبين في مصر في تلك الفترة هما حزب الوفد الذي كان يتمتع بشعبية عارمة لزعامة سعد زغلول له وقد وهب الله له الكثير من دعائم الزعامة لعل أهمها أنه كان خطيبا لسنا لا يشق له غبار وأما الحزب الثاني فهو حزب الأحرار الدستوريين وكان رئيسه عدلي يكن باشا وكان أنصار حزب الأحرار يسمون بالعدليين نسبة الي عدلي باشا‏.‏ ولم يكن عدلي باشا خطيبا ولكن يطيب لي أن أذكر وصف شوقي له في قصيدته التي حيا بها المؤتمر الذي أقامه محمود باشا سليمان والذي اجتمعت فيه كلمة الأحزاب وكان برئاسة سعد زغلول باشا‏1926‏ وفي القصيدة يقول شوقي‏:‏

صرح علي الوادي المبارك ضاحي
متظاهر الأعلام والأوضاح
وكأن رفرفه رواق من ضحي
وكان حائطه عمود صباح
بشري الي الوادي تهز نباته
هز الربيع مناكب الأدواح
التامت الأحزاب بعد تصدع
وتصافت الأقلام بعد تلاحي
ويقول في هذه القصيدة عن عدلي يكن باشا‏:‏
عدلي الجليل بن الجليل من الملا
والماجد بن الماجد المسماح
حلو السجية في قناةمرة
ثمل الشمائل في وقار صاح
ثم يقول عن الداعي للمؤتمر وهو والد الزعيم محمد محمود باشا‏:‏
بركات شيخ بالصعيد محمل
عبء السنين مؤمل نفاح
بالأمس جاد علي القضية بابنه
واليوم آواها بأكرم ساح

هكذا كان الحال في تلك الحقبة العظيمة من تاريخ مصر فحين ألغيت الأحزاب شكل المصريون حزبين ينضمون إليهما هما حزب النادي الأهلي وحزب نادي الزمالك فالمصريون لا يستطيعون أن يعيشوا أحزاب‏.‏
وليس في السياسة شيء اسمه زعيم مات فلا يذكر له إلا الحسنات فهذا يصدق علي عامة الناس ولكنه لا يصدق علي رؤساء الدول وزعمائها فمازال التاريخ يحاسب نابليون وهتلر وموسوليني بل إنه يحاسب بسمارك‏.‏
فالقول إنه لا تجوز محاسبة الزعيم الذي مات قول هزيل وهذا لا معني له‏.‏

فالذي لاشك فيه أن مصر مازالت تعاني من الحكم الناصري والحكم الناصري أنزل سخطه في ظلم فادح علي ملوك مصر وحكامها الذين سبقوه‏.‏
ومازالت عودتنا الي سيناء ومدن الضفة الغربية تذكر للسادات كما أننا مازلنا وسوف نظل نطاول السحاب بنصر أكتوبر‏.‏

ومازلنا وبعد سبعين عاما نذكر فضل عبدالخالق ثروت باشا وتصريح‏28‏ فبراير ولن نكف عن ذكر الأفضال السامقة من زعمائنا كما نذكر البلاء الفادح الذي منينا به من أعمال بعضهم‏.‏
وانهم جميعا سيقفون بين يدي الله وهناك يلتقون بالعدل الأعظم والله سبحانه يحاسب علي السيئات فيجزي بها‏,‏ ويكافيء علي الحسنات بعشر أمثالها سبحانه وتعالي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية