قضايا و اراء

41714‏السنة 125-العدد2001فبراير20‏26 من ذى القعدة 1421 هـالثلاثاء

‏22‏ فبراير‏1958‏
قيام الوحدة المصرية السورية
بقلم : جمال سلامة علي
باحث في شئون الشرق الأوسط

لم تأت تجربة الوحدة بين مصر وسوريا من فراغ‏,‏ ولم يكن قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة في‏22‏ فبراير‏1958‏ إلا حلقة في سلسلة طويلة ومتصلة تشكل رباطا تاريخيا قدريا وحتميا يربط بين مصر وسوريا ويصنع ملامح وتفاعلات العلاقات بين البلدين‏,‏ وقد طغي هذا الرابط التاريخي علي الفاصل الجغرافي بين البلدين الي الدرجة التي بدا معها وكأنه قد تلاشي‏.‏
وإذا كان العالم قد شهد علي مر العصور قيام دول وأفول اخري‏,‏ إلا ان دولة الوحدة كانت بمثابة تجربة فريدة في العصر الحديث حري بنا ان نضعها في اطار تحليلي واقعي بعيدا عن الاهواء والأحقاد‏,‏ ليس لأنها تتناول مرحلة مهمة في تاريخ دولتين بوزن مصر وسوريا‏,‏ وليس لأنها قدمثلت في حينه تغييرا جذريا بما اوجدته من اطار هيكلي وتنظيمي جديد يحكم العلاقات المصرية ـ السورية ـ ولكن لأن الظروف والابعاد التي في ظلها قامت دولة الوحدة لم تزل قائمة حتي الآن وإن تغيرت الملامح والرتوش وإذا كان أفول دولة الوحدة قد مثل في حينه اقصي درجات الجذر بعد المد الاقصي في العلاقات المصرية ـ السورية ـ فإن الطبيعة الحيوية والديناميكية لهذه العلاقات وما تتسم به من خصوصية وروابط حتمية سرعان ما ادت الي تجاوز هذا‏,‏ لذلك لم يكن بمستبعد ان يلي ذلك محاولات اخري لإعادة صنع اطار تنظيمي آخر يحكم العلاقات المصرية ـ السورية مثل ميثاق‏17‏ إبريل‏1963‏ وهو ما سمي باتفاقية الوحدة بين مصر وسوريا والعراق‏,‏ وكذلك اتفاقية اتحاد الجمهوريات العربية الموقعة في بنغازي ايضا في‏17‏ ابريل‏1971‏ بين مصر وسوريا وليبيا وإذا كانت هذه التجارب لم يكتب لها النجاح‏,‏ فإن المغزي الواضح منها هو تأكيد أهمية العلاقات المصرية ـ السورية كعلاقة حيوية ومحورية إزاء التحديات المشتركة علي الساحة الاقليمية والدولية‏.‏

ولم يقتصر تأثير تجربة الوحدة علي العلاقات المصرية ـ السورية فقط‏,‏ بل نكاد نجزم بان هذا التأثير امتد ليشمل لاحقا النطاق الاقليمي العربي‏,‏ وتمثل ذلك في قيام دولة الامارات العربية المتحدة‏,‏ ودولة اليمن الموحدة بشريطها الجنوبي والشمالي‏.‏
وعلي الرغم من خروج العلاقات المصرية السورية من الاطار الوحدوي التنظيمي نجد بشكل ما أو بآخر ان هذه العلاقة قد دخلت في حيز وحدوي آخر وهو وحدة الاهداف ووحدة التحديات التي احدثتها متغيرات الصراع العربي ـ الإسرائيلي خاصة منذ العقد السادس من القرن المنصرم وحتي الآن‏,‏ فمصر وسوريا هما المحور العربي الاول في ادارة الصراع العربي الاسرائيلي‏,‏ وان التنسيق والتضامن المصري ـ السوري كان ومازال ضرورة حتمية‏,‏ لذلك نجد انه بالرغم من اخفاق تجربة الوحدة علي المستوي التنظيمي فإنه مازال هناك قوي تتربص بالعلاقات المصرية ـ السورية‏,‏ وتدرك جيدا خطورة التقارب المصري السوري علي مصالحها الحيوية في المنطقة‏,‏ وبالتالي تتمني وتحاول بكل السبل عزل مصر عن سوريا وعزل سوريا عن مصر او تحييد دوريهما‏,‏ لذلك نسمع بين الحين والآخر اصوات بعض ممن يتصيدون في المياه العكرة‏,‏ ونقرأ تحليلات وتكهنات بوجود فتور وتقلبات في العلاقات المصرية ـ السورية خاصة من اولئك الذين احترفوا المراهنة‏.‏

فنحن نتفهم تماما ان العلاقات بين البلدين هي علاقات ديناميكية وحيوية قد يعتريها بعض المتغيرات‏,‏ إلا انه من المهم ألا تعطي هذه المتغيرات اكثر من حجمها ويجب عدم النظر اليها إلا في اطار المتغيرات العارضة التي سبق ان صادفها مسار العلاقة بين البلدين في فترات متعددة ولكنها لم تمس ثوابت هذه العلاقة وثوابت الأمن العربي ككل‏,‏ فكلما دخلت هذه العلاقة في طور من التقلبات نجد انها تخرج سريعا لتدخل في طور من القوة تمليه الحتمية التاريخية وتفرضه وحدة التحديات وقد يؤخذ علي التفاعلات السابقة للعلاقات المصرية ـ السورية إهمالها للبعد الاقتصادي وما قد يقتضيه من تفاعلات علي المستوي غير الحكومي وتركزها في بعدها السياسي والاستراتيجي حتي في ظل قيام دولة الوحدة والتي لم تزل القيود علي التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال بين الاقليمين او البلدين‏,‏ لذلك فإننا يجب ان ننظر الي اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها الحكومتان المصرية والسورية في اواخر الشهر الماضي و‏(‏مثيلتها مع العراق‏)‏ علي انها خطوة مهمة في طريق العمل العربي المشترك قد لا تقتصر آثارها علي الصعيد الاقتصادي فقط ولكنها يمكن ان يكون لها اثر ايجابي في الطريق التدريجي للوحدة بمفهومها الحديث‏,‏ فتطور العلاقات الاقتصادية وزيادة التبادل التجاري وتشجيع الاستثمار الصناعي والزراعي والعقاري بمنح امتيازات خاصة ومتبادلة لأبناء البلدين في مصر وسوريا وتبادل الخبرات والمساعدات الفنية والبعثات العلمية والتعليمية ـ بالقدر الذي يؤدي الي تشابك المصالح وتقارب لغة التفكير‏,‏ بما يصب في النهاية نحو ايجاد قاعدة شعبية تسهم في تدعيم العلاقات بين البلدين علي كل المستويات للمحافظة علي مصالحها ومكتسباتها‏,‏ فإذا كانت التجارب والتحالفات السياسية السابقة لم تستطع الحفاظ علي الاطار الوحدوي التنظيمي للعلاقات المصرية السورية فإنه من خلال التفاعلات الاقتصادية ـ وما تضمنته من لغة باتت مقبولة الآن وهي لغة المصلحة ـ يمكن تدريجيا صنع اطار الوحدة بمفهومه الجديد سواء علي المستوي المصري ـ السوري بشكل خاص او المستوي العربي بشكل عام فنحن كأمة عربية في حالة وحدة مستمرة سواء يتفق البعض منا او يخالف هذا الرأي‏..‏ فهي وحدة تحديات علي الاقل إن لم تكن ترقي لمستوي وحدة الاهداف والروابط التي من المفترض ان تجمعنا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية