قضايا و اراء

41706‏السنة 125-العدد2001فبراير12‏18 من ذى القعدة 1421 هـالأثنين

قيم عليا
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

تشرق علينا الحياة بنماذج ساطعة النور تهون علينا العيش وتجعلنا نطمئن أن الحياة تستحق أن تعاش مادام أمثال تلك المخلوقات البشرية التي صاغها الله من عظمة يغمرها الحرص علي كرامة الناس ونقاء الخلال وإجلال القيم العليا التي استقر المجتمع علي إجلالها وإكبارها ورفعها مصابيح تنير دجي الحياة وترطب حرورها وتندي قيظها وتعتذر به الدنيا عن أشرارها وشرورها‏.‏
قصتان أرويهما لك أشعر بالسعادة البالغة كلما تذكرت قصة منهما وملائي إحساس عميق أن الحياة فيها من الجمال والحفاظ علي القيم العليا الرفيعة أكثر مما يشوبها من اللؤم والمين والخداع‏.‏ ويجعلني هذا النبض أقبل علي حياتي ويغمرني التفاؤل والتحمس للحياة‏.‏

أما القصة الأولي فهي عن عائلة عبدالرازق وهي عائلة عريقة موطنها الأصلي المنيا ولكنها استطاعت بعبقرية أبنائها ونباهة ذكرهم أن تجعل موطنها مصر جميعا‏.‏
وفي هذه العائلة الكريمة عدد وفير من الباشاوات سعت إليهم الرتبة لعظمتهم وذكائهم المفرط وخلقهم البالغ السموق والارتقاء والترفع يزين هذا جميعا حبهم الشديد لفعل الخير لايني واحد منهم عن إضفاء الأمن والطمأنينة علي من يقصد ساحتهم‏.‏

وهم أشد مايكونون حفاظا علي كرامتهم وقد كان بيتهم في القاهرة يقع خلف سراي عابدين وحاول الملك فؤاد أن يشتريه ليضم أرضه إلي حديقة قصره‏.‏ ولكنهم أبو إباء صلبا قاطعا‏.‏
وأوعد الملك وهدد ووعد وبالغ فلم يزحزحهم عن موقعهم وعيد ولاوعد وظل بيتهم علي خالص ملكهم يستقبلون فيه علية القوم من العلماء والأدباء وأصحاب الرأي فقد كانت أسرة عبدالرازق تحتفي بأهل العلم إحفاءها بزعماء السياسة‏.‏ وكانت الاسرة جميعها تنتمي إلي حزب الاحرار الدستوريين الذي أطلق عليه المصريون حزب الجباه العالية‏.‏

وكانت أسرة عبدالرازق غاية في الكرم إلي درجة أن أحد أعلام الأدب ترك مكانه في الصحيفة التي كان يعمل بها فتولت أميرة عبدالرازق أمره وكانت تعطيه كل شهر المرتب الذي كان يتقاضاه من الصحيفة‏.‏
وربما من الطريف أن أذكر أن والد أديبنا العالمي نجيب محفوظ كان صديقا لمصطفي باشا عبد الرازق الذي عين نجيب عند تخرجه في كلية الآداب موظفا بمكتبة الجامعة ثم اختاره سكرتيرا له عندما أصبح وزيرا للأوقاف وإذا كنت لاتعرف مصطفي باشا عبدالرازق فهو الذي كان وزيرا للأوقاف ثم اختير شيخا للأزهر فتنازل عن رتبة الباشاوية‏.‏

وإني الآن أكبح جماح قلمي فإني أخشي إذا طاوعته في ذكر مآثر هذه الأسرة مارويت لك القصة التي أريد روايتها ولارويت الواقعة
كان طبيعيا مع كرم أسرة عبدالرازق أن تتدهور حالتهم المالية واقترضوا من بنك مصر مبالغ كبيرة عجزوا أن يسددوها ولم يكن أحد منهم يعرف طلعت حرب باشا ولكنهم علي صلة وثيقة بصديق له‏.‏ فطلبوا من هذا الصديق أن يكون شفيعا لهم عند طلعت باشا ليخفض لهم الفوائد ويتيح لهم طريقة ميسرة للسداد‏.‏

وذهب الصديق إلي رئيس بنك مصر وأبلغه رجاء الأسرة ولكن طلعت حرب أبي أن يستجيب لأي مطلب لهم وقصاري مااستطاع صديق الأسرة أن يفعل هو أن ألح علي طلعت باشا حرب أن يحدد لكبار الأسرة وأغلبهم من الباشاوات موعدا يلقاهم فيه‏.‏
وذهب الباشاوات للقاء طلعت باشا وحرصوا عند دخولهم حجرته أن يقدموا عليهم كشأنهم دائما أكبرهم سنا ولم يكن ذا مكانه مثلهم ولكنه يكبرهم‏.‏

وكان معهم الصديق الذي لم تفلح شفاعته وقدموا رجاءهم لطلعت باشا فإذا هو يوافق علي كل مايطلبونه دون استثناء وشكر الرجال طلعت باشا وانصرفوا يقدم ركبهم كبيرهم وأصطحبهم صديقهم إلي سياراتهم وعاد إلي طلعت باشا وقال له‏:‏
لقد استجت لهم وجعلتني أشعر بالخجل لأنك لم تستجيب لي في نفس الموضوع‏.‏

وقال طلعت باشا‏:‏
ـ إن أسرة يسير باشاواتها العظام خلف أخيهم الذي يفضلونه جميعا لمجرد أنه يكبرهم سنا لاينبغي أن تضام ولابد أن يظل بيتهم مفتوحا‏.‏ وليس لي تعليق مكتفيا بمقدمة المقال‏.‏

أما القصة الثانية فبطلها الزعيم العظيم محمد محمود باشا الذي سمع أن صديقا له يعاني أزمة مالية طاحنة لدرجة أن الدائنين حجزوا علي أثاث بيته وفاء لمبلغ مائتي جنيه‏.‏
فأرسل محمد باشا إلي هذا الصديق يخبره أنه مشوق له ويرجوه أن يزروه وجاء الصديق ودار الحديث بين الباشا وصديقه ولكن قليلا مادار وإذا بالباشا يفاجئ صديقه بقوله‏:‏

ـ أريد أن ألعب طاولة وأتغلب عليك‏.‏
ـ وماله أنا تحت أمرك‏.‏

ـ بشرط أن يكون الرهان بيننا مائة جنيه للعشرة‏.‏
وإستخزي الصديق أن يقول أنه مفلس ووجد نفسه يقبل الشرط ولعبا‏.‏

وخسر الباشا عشرتين عن عمد وأعطي صديقه مائتي جنيه
كنت أشهد حفل تأبين محمد باشا محمود في دار الأوبرا وكان الأستاذ كامل الشناوي بين الخطباء وروي هذه الواقعة‏.‏

وإذا بالدكتور محجوب ثابت يقفز من بين الحضور ويصيح‏.‏
ـ أنا هذا الصديق رحمك الله يامحمد باشا فو الله ماعرفت قصة الجنيهات المائتين إلا الآن‏.‏

لعلي أكون بلغت من نفسك ماأرجو أن أبلغه بأن الله لم يحرم دنياه من مثل هذا الخلق الكريم سبحانه‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية