قضايا و اراء

42028‏السنة 126-العدد2001ديسمبر31‏16 من شوال 1422 هــالأثنين

حسب كاتب
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

تأتي الفكرة إلي الكاتب وتروق له ولا ينعم فيها النظر ولا يمعن فيها الفكر وإنما يسارع الي القلم ويكتبها‏,‏ وقد يظن انه جاء بما لم يأي به الأوائل ولا الأواخر‏.‏ أو قد يتهاون ويظن إنها مجرد كلمة يقرأها القارئ في بعض من دقائق ثم يرمي بها دبر نفسه فكأنه ما قرأ شيئا‏.‏
ويل للكاتب إن كان هذا دأبه فإن القارئ يرصد علي كاتبه كل كلمة يقولها وقد يطالع القارئ كاتبه بكلمة قالها منذ سنوات وسنوات‏.‏

والكاتب لا يستطيع أن يذكر كل ما كتبه خاصة إذا كان كاتبا منتظما في جريدة أو مجلة‏.‏ ولا عاصم للكاتب يحميه أن يناقض نفسه إلا أن يكون صادقا مع نفسه هذه فالنفس لا تتناقض‏.‏ قد يختلف بها الحال من الرضا الي السخط ومن الإقبال الي النفور ومن انشراحها وضيقها تظل كما هي‏.‏ لا تنماع مقوماتها ولا تتغير دعائمها ولا تختلف القيم الاساسية التي تتوطد علي أطنابها معالمها واتجاهاتها‏.‏
والكاتب انسان شاء الله له ان يكون مرسوم تعيينه صادرا من السماء وهو مرسوم من مادتين‏,‏ المادة الأولي صادرة الي الكاتب كن كاتبا فيكون‏,‏ والمادة الثانية للقراء واقرأوا لهذا الكاتب فيقرأ وا ولا يكون الكاتب كاتبا إلا إذا اكتمل المرسوم بمادته الثانية تلك‏,‏ فلن يكون الكاتب كاتبا إن لم يكن له قراء‏.‏

وقد كان بين الكتاب في مصر قوم يستعينون علي إقامة مكانتهم في المجتمع بوظائف أخري فمنهم من كان يعمل رئيسا لتحرير جريدة ومنهم من كان يعمل موظفا ويحرص علي هذه الوظيفة ومنهم من بلغ كرسي الوزارة علي سن قلمه ونال رتبة الباشاوية بأدبه‏,‏ ولكن كل هذه الألقاب والمناصب لم يلصق منها باسم الكاتب إلا أنه كاتب أو شاعر وأذكر معي محمود سامي البارودي باشا الذي كان رئيسا للوزراء ولكن الذي بقي منه الشاعر وحده واذكر معه في جيله إسماعيل باشا صبري ثم أذكر من بعد بعهد عهيد الدكتور محمد حسين هيكل باشا الذي كان وزيرا للمعارف ثم رئيسا لمجلس الشيوخ وقد كان ترتيبه في المراسم الملكية ثالث منصب بعد الملك ورئيس الوزراء واذكر طه حسين باشا الذي نسي الناس انه كان وزيرا للمعارف وبقي علي قمة التاريخ الأديب طه حسين حتي كثيرا ما ينسي الناس مع اسمه لقب دكتور ولو مضيت في الاحصاء لما انتهيت فإذا ذكرنا أستاذنا توفيق الحكيم نذكر انه أعظم منصب حكومي ناله هو مدير دار الكتب ولا يذكرها عنه أحد وإنما يذكر الجميع توفيق الحكيم وربما لا يدري القراء انه نال رتبة البكوية من الدرجة الأولي‏.‏
فكما أنشأ توفيق الحكيم المسرح العربي المصري‏.‏ أنشأ في نفس الوقت القيمة السامقة للكاتب بما هو كاتب فقط لا بما هو باشا ولا بك ولا بما هو وزير أو نائب وزير أو وكيل وزارة‏.‏

وعلي نسقه العقاد الذي كان عضوا بمجلس النواب ولم يبق منه إلا العقاد وحسبه في تمجيد نفسه‏,‏ بيته الذي قاله في تكريم هيكل باشا بمناسبة نيله رتبة الباشوية‏.‏
أغني البرية عن حلي لقب ـ من كان يشرف باسمه فردا

وعلي نفس السنن مشي أستاذنا نجيب محفوظ وقد بلغ نجيب محفوظ في ساحة الوظيفة منصب رئيس مجلس إدارة شركة سينما حكومية في ذلك الحين‏.‏
ويشهد الله أنني كنت معه حين عرف بأمر تعيينه في هذا المنصب وكنا علي مقهي بالاسكندرية ولم يكن معنا أحد آخر‏,‏ يشهد الله إنني لم أر الدموع في عيني نجيب محفوظ إلا في هذا اليوم حزنا علي أن الوزير اختاره لهذا المنصب وربما ينبغي لي أن أشير هنا إلي أن هذا المنصب يعني في السلم الوظيفي درجة نائب وزير‏.‏ ومشت الأجيال اللاحقة تستمد القيمة العليا لنفسها في المجتمع بلقب كاتب فقط مدركين أنهم يحملون هذا اللقب بمرسوم صادر من فوق سبع سماوات لا يلغيه إنسان ولا يعوقه عن أن يكون حقيقة دامغة لا تقبل الجدل‏,‏ انسان مهما يكن شأنه ولا جماعة مهما تكن كافرة عادية علي الحق ولا قوة في الأرض بالغة ما بلغت هذه القوة من جبروت‏.‏

وقد مررنا بأزمان عسيرة‏.‏ ووقف الكاتب الشريف ليكون الضياء الوحيد في حالك الظلمات ولتكون كلمته نور الحق في جانح الظلم وفي دياجير الليالي الداكنة السوداء‏.‏ وبهؤلاء الكتاب ظل وجه مصر مشرقا في طول البلاد العربية وعرضها بل علي اتساع العالم والمعمورة اجمع تعلن أن مصر الخالدة الباقية فيها الكلمة الشريفة وفيها من يستطيع دائما أن يقول الله أكبر علي كل من طغي وتجبر‏,‏ فأنا لا أعرف وظيفة في العالم تعدل أن يكون الانسان كاتبا لأن كل وظيفة يصدر الأمر بها انسان أو جماعة ولكن الكاتب تصدر الأمر بكينونته كاتبا السماء وهيهات للأرض أن تطاول السماء‏.‏
إنسان واحد هو الذي يستطيع أن يعزل الكاتب من وظيفته هو الكاتب نفسه لأن الله حين منحه موهبه الكتابة أخذ عليه عهدا غير مكتوب أن يكون شريفا لا يخادع الناس ولا يقول إلا ما يؤمن به ولا يفشي إلا الخير ولا يدعو إلا لما هو الأسمي والأرفع من قيم الحياة‏.‏ لقد وهب الله للكاتب قبسا من نوره وما كان لقبسة من نور الله أن تكون خداعا أو مينا أو غشا أو كذبا أو عودة للسفول أو اعتداء علي حق أو اعتسافا لكرامة الإنسان‏.‏ فإذا خان الكاتب العهد سقط عنه اللقب وأصبح حفنة من تراب الحياة‏.‏ تراب الموت بالنسبة إليها أمل وأي أمل ومهما يبلغ الكاتب من وظائف فهو إنما يتولي هذه الوظائف ليؤدي واجبه نحو وطنه ولا ينكص عن ندب بلاده له أن يقف في خدمتها في الميدان الذي تريده أن يكون فيه‏.‏ ولكن مهما تكن هذه الوظيفة رفيعة ومهما تكسبه من سلطان وهيبة‏.‏ يظل لقب الكاتب أعظم رفعة وهيبة فكلمة كاتب لا تلحق بهيبتها أي هيبة أخري‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية